كلما جلست على اللاب توب وحاولت الكتابة، تفترش ملامحها ملف «الوورد»، أشيح بوجهى بعيدا عن اللاب توب وأفرك يديى وأعود «للكي بورد»، صوتها يرن في أذني، دموعها تبلل السطور، كبرياء وتعفف وصمود، شاهدتها أول وآخر مرة مصادفة، ظهرت لثوان علي الشاشة واختفت، وتركت في داخلي العديد من الأسئلة، أستعرض يومياً قنوات بلدها الجريح، ربما أراها تمرق أو تقف في خلفية أحد المشاهد، بي حاجة للاطمئنان عليها وعلي أسرتها... ماذا فعلت؟، أضغط على حرف «ديليت» وأمسح ما كتبته فى الورد، أترك اللاب توب وأتجل فى الشقة عل صورتها تطير من ذاكرتي، أعود للمكتب، أفتح ملف «وورد» جديداً، صورتها مازالت تفترش الفراغ الأبيض، دموعها وعزتها وكبرياءها تدفعنى إلى لعن زمن التردى والضعف، وألعن المتخاذلان والمنبطحين فى الأنظمة العربية. أسأل نفسي هل أكل أطفالها؟، هل ما زال بيتها صامدا تحت القصف؟، هل تتكوم هي وأطفالها فى خيمة؟، ربما مازالت فى منزلها ينامون وسط ضجيج الرصاص والقنابل وبراميل المتفجرات وصياح الأشاوس والمتأسلمين، ماذا يواجهون البرد القارص، انقطاع التيار الكهربائى؟، هل مازالت مياه الشرب تنزل من الصنابير؟، هل يقفون في شرفة المنزل ليشاهدوا المارة؟، هل مازالت الشرفة قائمة؟، هل جيرانها مازالوا يقيمون فى البيوت المجاورة؟، هل الأطفال يلعبون تحت الشرفة؟، فيروز مازال صوتها فى العصارة أو الصباح الباكر يشدو من مذياع المقهى؟، ربما أولادها لم يعدوا يراقبون حبات المطر من خلف زجاج الشرفة، وربما البنايات المجاورة على طول الشارع قد دمرتها القذائف، وربما تعيش وأطفالها فى بناية أخرى وفى حى أو قرية أو بلدة أخرى، وربما هربوا إلى خيمة على الحدود. كيف عادت إلي لأطفالها بيدين يقبضان على اللاشىء؟، ماذا قالت لأولادها عندما حان موعد الغذاء؟، كيف دبرت أمورها؟، صورتها لا تفارقني أبدا، حاولت كثيراً أن أمحو ملامحها داخلي، أكتم صوتها، أخنق الكلمات البسيطة التي قالتها، فكرت بدلاً من الانتظار والتوتر في الاتصال بالسفارة، بالقناة الفضائية التي شاهدتها عليها، أستفسر عن اسمها وعنوانها، في كل مرة أتراجع. ما الذى سأقوله لهم؟، هي لم تترك عنوانها للقناة الفضائية، وأظن أنها لم تذكر حتى اسمها. استوقفتها الكاميرا في أحد أسواق الخضار، كانت في بداية الأربعينيات أو نهاية الثلاثينيات، ربما أقل من ذلك، سنوات التعفف والحاجة حفرت أيامها علي ملامحها، يبدو من أسلوبها أنها تركت خلفها بيتاً وأسرة وعادات تشرفها وتفخر بها، كانت تنظر للاشيء، المذيع يعد تقريراً عن أثر الحرب علي الحالة الاقتصادية، الكاميرا تتجول على الحانات والسلع، الباعة يفترشون الشوارع، عيون المارة حائرة بين المعروضات، لحوم واسماك وخضراوات مختلفة وفاكهة. عيناها ربما كانتا سوداوين بلون أيام القذف والدماء والانبطاح العربي، ترتدي ملابس محتشمة داكنة، تنم عن ذوق امرأة متعلمة، قالت والدموع تقف في جفونها: كل السلع ارتفعت أسعارها، أشاحت بوجهها بعيداً عن الكاميرا وهي تبكي:« لم نعد نستطيع شراء احتياجاتنا»، عادت إلي الكاميرا والبكاء قد انفجر بداخلها:« لم نكن نقدر علي شراء السلع، واليوم .. »، أشاحت بوجهها مرة أخري ثم اختفت نهائياً من الصورة.