ثورة الوعي الرقمي: كيف سيفكك "الذكاء القابل للفهم" شفرة المستقبل؟    السودان بعد 1000 يوم من الحرب: أسوأ أزمة صحية وإنسانية في العالم    برزاني وباراك يبحثان تداعيات الأوضاع في حلب السورية    بيريز يغلق باب يناير.. ريال مدريد يتمسك بالاستقرار ويرفض تدعيم الصفوف    أسفر عن 11 وفاة و10 مصابين، نائب محافظ المنيا يتابع حادث كمين الصفا    حكاية جريمة بهتيم.. غدر الصحاب «صميده» يقتل زميله وسط الشارع بشبرا الخيمة    مي عمر تتورط في جريمة قتل صديقتها إنجي المقدم في "الست موناليزا"    أنغام تطرح أول أغانيها في 2026.. «الحب حالة» | فيديو    كمال أبو رية وأحمد بدير وهدى الإتربى فى دراما رمضان على قنوات المتحدة    استئناف الملاحة النيلية والجوية بأسوان بعد استقرار الطقس    نتائج مثيرة في الجولة الأخيرة من ذهاب الدور التمهيدي لدوري السلة    وزير الخارجية ونظيره المالي يبحثان هاتفيا تعزيز التعاون الثنائي وجهود مكافحة الإرهاب في منطقة الساحل    استمرار العمل بميناء مطار القاهرة خلال العطلات الرسمية لتسريع الإفراج الجمركي (صور)    فاروق حسني: دراسة جدوى المتحف المصري الكبير استغرقت 4 سنوات من العمل المُضني قبل البناء    الثقافة: تكريم المبدعين يعكس التفوق الثقافي ويضمن استمرارية الإبداع الفني في مصر    إصابة شخص في حادث انقلاب سيارة ملاكي بقنا    الهيئة الوطنية للانتخابات تعلن نتائج جولة الإعادة للمرحلة الأولى غدًا السبت    النقل: انطلاقة كبيرة وقفزات هائلة يشهدها أسطول نقل الركاب والبضائع بالشركات التابعة للشركة القابضة للنقل البحرى والبرى    المشاط تعلن أبرز الجهود المبذولة لتطوير منظومتي التخطيط والمتابعة وفق منهجية «البرامج والأداء»    حسن عصفور: واشنطن سعت لتنظيم موازٍ لمنظمة التحرير في التسعينات.. وحماس طالبت ب40% من مقاعدها    رئيس كولومبيا: ترامب كان يفكر في شن عملية عسكرية ضد بلادنا    الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي| دولة التلاوة يحتفي بعمدة التلاوة في مصر    لماذا غادر النور وجه سيدنا عبد الله بن عبد المطلب بعد زواجه؟.. عالم بالأوقاف يكشف كواليس انتقال سر النبوة    يايا توريه يعلق على ارتداء سيمينيو قميصه مع مانشستر سيتي    وزارة «التخطيط» تبحث استراتيجية دمج ذوي الإعاقة ضمن خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية    حسن عصفور يروي كيف غيّر عدوان 1967 وسفرية خاطئة غيرت حياته    البرلمان.. ومسئولية التشريع    دعاء لتسهيل الامتحانات.. كلمات تطمئن القلب وتفتح أبواب التوفيق    الصحة: إجراء الفحص الطبي الشامل ل 4 ملايين طالب على مستوى الجمهورية    «الرعاية الصحية» تُطلق مشروع السياحة العلاجية «نرعاك في مصر _In Egypt We Care»    بعد تجاوز الأوقية 4500 دولار .. أسعار الذهب تواصل الصعود محلياً    كواليس مران الزمالك لمواجهة زد تحت قيادة معتمد جمال    تراجع العملات المشفرة مع ترقب بيانات سوق العمل الأمريكية    السد العالي في رسائل «حراجي القط وفاطنة».. كيف وصف الأبنودي أعظم معجزة هندسية فى العالم؟    مران الزمالك - انتظام شيكو بانزا.. وتخفيف الأحمال استعدادا لمواجهة زد    الصحة: تنفذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    غزة: ارتفاع حصيلة الشهداء إلى 71،409 والإصابات إلى 171،304 منذ بدء العدوان الإسرائيلي    وزارة التضامن تشارك في معرض الصناعة التقليدية بالمغرب ضمن فعاليات كأس الأمم    تنفيذ برامج تدريبية متخصصة لدعم خدمات الصحة النفسية بالمحافظات    عاجل المركز الإعلامي لمجلس الوزراء ينفي ظهور إنفلونزا الطيور بالمزارع المصرية ويؤكد استقرار الأسعار    مصرع شاب في انقلاب دراجة نارية بطريق اللاهون بالفيوم    ضبط قضايا اتجار في النقد الأجنبي بقيمة 11 مليون جنيه    «رجال سلة الأهلي» يواجه الاتحاد فى دوري السوبر    حبس عامل دليفري لاتهامه بالتحرش بفتاتين بالسلام    فضل عظيم ووقاية من الفتن.... قراءة سورة الكهف يوم الجمعه    خشوع وسكينه..... ابرز أذكار الصباح والمساء يوم الجمعه    دار الإفتاء تحسم الجدل: الخمار أم النقاب.. أيهما الأفضل للمرأة؟    تعليم سوهاج تنهي استعداداتها لاستقبال امتحانات النقل للفصل الدراسي الأول    قراران جمهوريان وتكليفات حاسمة من السيسي للحكومة ورسائل قوية للمصريين    الحوافز المقدمة في إطار البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات    شريف عبد الفضيل: مستوى إبراهيم عادل مع المنتخب «متذبذب»    خطوة بخطوة، طريقة عمل شيش الكبدة بمذاق مميز وشهي    تفاصيل إطلاق تاجر خضار النار على موظف بمركز لعلاج إدمان في مدينة 6 أكتوبر    حافظوا على وحدتكم    انقطاع الكهرباء عن أكثر من نصف مليون شخص في بيلجورود بعد هجوم أوكراني    نتيجة مباراة مالي والسنغال الآن.. صراع شرس على بطاقة نصف النهائي    إدارة ترامب تدرس دفع أموال لسكان جرينلاند لإقناعهم بالانضمام لأميركا    إعلاميون: أمامنا تحدٍ كبير فى مواجهة الذكاء الاصطناعى    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدستور سلاح فى يد الشعب لا الحكومة أو النظام أو المجلس العسكرى
نشر في الوفد يوم 24 - 07 - 2011

خلال الشهور القليلة الماضية تابعت عن كثب ممزوج بالإمتعاض والضجر الجدل والحوار الساخن حول قضيتى الإنتخابات البرلمانية والدستور- أيهما يأتى أولا- بين فريق جماعة الإخوان المسلمين وفريق العلمانيين والليبراليين، ولاحظت أن سمات الشك والريبة بل والتربص أيضا تسيطر على الأطراف المتحاورة بينما المجلس العسكرى الحاكم حائر يتأرجح موقفه بين الفريقين يحاول إرضاء كلا منهما بعد أن " زنق" نفسه فى " كورنر" بأمرين: إستفتاء 19 مارس على التعديلات الدستورية والذى أكتشف البعض أنه قد جرى مبكرا جدا، والوعد الذى قطعه المجلس على نفسه بإجراء الإنتخابات البرلمانية فى موعد معين دون تأجيل، .. وطبعا كل فريق له وجهة نظره وأسانيده وحججه التى يدافع بها بضراوة عن صحة موقفه ، لكن يبدو لى أن الجميع بما فيهم المجلس العسكرى قد غابت عنهم عدة حقائق نتيجة وقوع سلسلة من الأخطاء منذ البداية زادت الطين بلة، وكشفت عن حالة من التخبط وقصر النظر وغياب الرؤية الشاملة الواضحة ، وعدم الفهم العميق لمعنى وأهمية الدستور فى أى عملية إصلاح سياسى حقيقى،.. وقد يكون من الضرورى هنا أن نسلط الضوء على هذه الأخطاء والحقائق الغائبة بعقل بارد ورؤية واضحة دون أن نتخذ مواقف مسبقة ضد أى طرف من الأطراف فى النقاط التالية:
(1) : إن شرعية حكم المجلس العسكرى وإدارة شئون البلاد خلال الفترة الإنتقالية هى شرعية باطلة إذا كنا نتكلم من ناحية الشرعية الدستورية، ذلك لأن الدستور المصرى- دستور 1971 – ينظم عملية إنتقال السلطة بطريقة معينة ليس فيها تولى المجلس العسكرى لشئون الحكم لا لفترة إنتقالية ولا دائمة.
(2) : إن الثورات الشعبية حدث عارض وإستثنائى فى تاريخ الأمم يلغى ما قبله ويوجب خلق وإستحداث أوضاع جديدة، وإنحياز المجلس العسكرى للثورة المصرية وإحتضانها قد أكسبه شرعية جديدة هى الشرعية الثورية، وهذه الشرعية الجديدة لم يشأ المجلس العسكرى أن يختارها لأنه لو فعل لتعين عليه إتخاذ سلسلة من الإجراءات الثورية هو لا يريد أن يتخذها وربما غير قادر على إتخاذها، وقد تكون له أسبابه ومبرراته، ولكن هذه السلسلة من الإجراءات هى المطالب التى لا يزال الثوار حتى يومنا هذا يطالبون بتحقيقها ، وهذه وحدها معضلة شائكة وكبيرة.
(3) : قام المجلس العسكرى بحل مجلسى الشعب والشورى وتعليق العمل بالدستور القديم، ثم قام بإصدار إعلان دستورى يتكون من عدد قليل من المبادىء،.. ثم قام بالدعوة لإجراء إستفتاء شعبى على تعديلات دستورية من تسع أو عشر مواد كان قد طالب بها الرئيس مبارك فى إحدى خطبه إلى الأمة خلال الثورة، بعد أن قام المجلس بتشكيل لجنة لإجراء التعديلات الدستورية لا يعرف أحد على أى أساس تم إختيار أعضائها خاصة أن بعضهم مشكوك فى حياده الواجب توافره بسبب الإنتماء إلى توجهات دينية وفكرية معينة ناهيك عن حقيقة أن أحدا لم يسمع بأن أحدهم من أساطين الفقه الدستورى، غير أن الطامة الكبرى هى أن تجرى المناقشات والمداولات على هذه التعديلات فى غرف مغلقة بعيدا عن الشعب المصرى صاحب الشأن والمصلحة المباشرة!... يعنى ثورة شعبية لا مثيل لها ورئيس مخلوع ، ولجنة مشكوك فى كيفية إختيار أعضائها لإجراء تعديلات دستورية حددها رئيس مخلوع.." طب إزاى؟!!! .. يعنى نقول خطوة لقدام ونرجع " مرشدير" ورا؟!! ... إنزل يا عم بالموسيقى وشريط فايزة... يا حلاوتك يا جمالك خليت لل.........إيه؟ "..
(4) : إن المادة 75 التى جرى تعديلها ينطبق عليها المثل الشعبى الذى يقول : " جه يكحلها عماها"، فجاء التعديل لإستبعاد شخصيات مصرية مرموقة ولها إحترام وشعبية كبيرة عند المصريين ، يحملون جنسيات أجنبية، ولهم زوجات أجنبيات .. وطبعا إستبعاد كل المصريين فى الخارج الذين يحملون جنسيات أجنبية أو متزوجون من غير المصريات من الترشح لمنصب رئيس الجمهورية وكأننا نقول لهم : "أنتم مصريون درجة ثانية أو ثالثة" ،.. فضلا عن تناقض هذا التعديل الجديد مع مادة أخرى فى الدستور تقضى بأن المصريين متساوون جميعا فى الحقوق والواجبات!.
(5) : إن الإستفتاء الذى جرى على التعديلات الدستورية فى 19 من مارس الماضى هو باطل من الناحية القانونية، لأن الإستفتاء كما هو معروف هو طرح سؤال فى مسألة معينة ويتم الإجابة عليه بنعم أو لا أما أن يتم طرح تسع مواد دستورية دفعة واحدة ومطلوب منى أن أجيب بنعم أو لا فهذا أمر غريب حقا، وماذا لو كنت أوافق على بعض هذه المواد ولا أوافق على بعضها الآخر؟ هل مطلوب منى إما أن أقبلها كلها أو أرفضها كلها؟... هو إحنا فى سوق الخضار .. مفيش نقاوة لو سمحت!! . لقد عشت فى كندا أكثر من ربع قرن من الزمان وقمت بالتصويت فى إنتخابات عديدة، لكنى لم أشهد سوى إستفتاءا واحدا فى كندا كلها جرى فى عام 1995 وكان يدور حول إجابة الناخب الكندى بنعم أو لا على سؤال واحد فقط : هل توافق على طلب حكومة إقليم " كيبيك" بالإنفصال عن الإتحاد الفيدرالى الكندى أم لا؟ .
(6) : إن سبب إجراء إستفتاء 19 مارس الماضى على التعديلات الدستورية فى رأيى – وهو رأى يحتمل الخطأ أو الصواب – هو أن المجلس العسكرى الذى ليس له خبرة سابقة فى السياسة وهذه ليست وظيفته قد أراد من خلاله أن يعرف الحجم الحقيقى للتيارات الدينية فى الشارع المصرى وخاصة عدد وحجم جماعة الإخوان المسلمين، والذين كانوا دوما يبالغون فى عدد أفراد الجماعة وقوتها.
(7) : إن إستماتة جماعة الإخوان المسلمين فى التمسك بنتيجة الإستفتاء بنعم لصالحهم رغم ما شاب عملية الإستفتاء من وقوع بعض المخالفات وأخطرها ترويج شائعة مغرضة عند المواطنين البسطاء والأميين خاصة فى القرى والنجوع بأن التصويت بنعم هو للدفاع عن الإسلام والحفاظ على المادة الثانية من الدستور على الرغم من أنها لم تكن ضمن المواد التسعة التى جرى تعديلها .. هذه الإستماتة فى التمسك بإجراء الإنتخابات البرلمانية أولا تنم عن ثقة مفرطة مسبقة عند قادة الجماعة فى أن الإخوان المسلمين سوف تكون لهم الأغلبية الساحقة فى البرلمان القادم الأمر الذى سيمكنهم من صياغة دستور جديد للبلاد على هواهم،.. هذه الثقة المفرطة ونبرة التعالى فى الخطاب الإخوانى السياسى جعلت الكثير من المصريين العلمانيين والليبرال والأحزاب السياسية الأخرى ىيشعرون بالقلق والتوجس من أجندة الإخوان السياسية إذا ما حصلوا على أغلبية فى البرلمان.
(8) : بعد الإنتهاء من نتيجة الإستفتاء على التعديلات الدستورية قام المجلس العسكرى بالإعلان عن إعلان دستورى جديد يتضمن 63 مادة دستورية مرة واحدة يحكم من خلاله المجلس طوال الفترة الإنتقالية، ودون إستشارة أحد من السياسيين أو طرحها على الرأى العام للمناقشة وإبداء الرأى قبل إعلانها ، فزاد الطين 63 بلة.
(9) : إعلان اللواء ممدوح شاهين مستشار المجلس العسكرى للشئون القانونية فى مداخلة تليفزيونية له أن المجلس العسكرى قد حصل على شرعيته من الإستفتاء الشعبى الذى جرى على التعديلات الدستورية كان سقطة كبيرة وخطأ فادحا، ما علاقة الإستفتاء بشرعية المحلس العسكرى؟! ، ولو إفترضنا جدلا أن الإستفتاء كان على شرعية المجلس هل كانت النتيجة ستكون 77 أم مائة وعشرة فى المائة؟
(10) : بعد كل ماسبق من خطوات وإجراءات،.. إعلان دستورى ثم تعديلات دستورية تلاها إستفتاء شعبى ثم إعلان دستورى من 63 مادة ثم ثم....الخ ، يخرج علينا المجلس العسكرى بالدعوة لإجراء حوار وطنى!!!!.... حوار وطنى على إيه إنشاء الله،.. حوار وطنى على ماذا يا سادة بعد أن وضعتم العربة أمام الحصان وضربتم عدة كراسى فى " الكلوب"؟!!
(11) : بعد قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير ، وقيام المجلس العسكرى بحل مجلسى الشعب والشورى والأحزاب القديمة بما فيها الحزب الوطنى الذى كان حاكما مستحكما، ودعوة المجلس لإنشاء أحزاب جديدة على أسس جديدة، انفتح الباب على مصراعيه أمام جميع التيارات السياسية والدينية من مختلف الأطياف للمشاركة فى الحياة السياسية، وخرجت على السطح جماعات التيار السلفى والتى كانت فى البداية تعارض ثورة الشباب وتعتبرها خروجا على الحاكم ثم إنضمت إليها عندما لاحت فى الأفق بوادر نجاح الثورة، تماما كما فعل الإخوان المسلمون،... وهذا التيار السلفى بدأ يستعرض قوته وينافس جماعة الإخوان فى الخطب الرنانة والشعارات الدينية البراقة التى تدغدغ مشاعر الملايين من المصريين البسطاء ، وبدأ كثير من المصريين من أفراد الطبقة الوسطى بشريحتيها الدنيا والوسطى يتساءلون فى دهشة ممزوجة بالخوف والهلع : من أين جاء هؤلاء؟ وأين كانوا يختبئون قبل ثورة 25 يناير؟!
وصاحب خروج الجماعات السلفية خروج كل جماعات الهوس الدينى وأصحاب المذاهب الطائفية الدينية والمذهبية والسياسية، حتى الحزب الشيوعى! ..
(12) : إن الهوس الدينى يا سادة يفتح الباب على مصراعيه أمام إثارة الفتن الدينية كى يصل إلى السلطة، والطائفية هى أسوأ أنواع الوصاية على الشعوب والمجتمعات، ذلك لأنها تستغل الدين لتحقيق مآرب وأهداف سياسية، وزعماء الطوائف الدينية يقدمون أنفسهم على أنهم " مرشدون"، بينما هم لا يرشدون ولا يحزنون، هم فقط يريدون أتباعا ليحصلوا على الأموال من خلال الإشتراكات والتبرعات لإستخدامها فى الإنفاق على الفقراء وأعمال الخير وهذه نقطة كبيرة تحسب لهم، ولكن أيضا فى الوصول إلى السلطة، .. هم يريدون أتباعا يبايعونهم على السمع والطاعة وإلغاء عقولهم، فليتركوا إعمال العقل للمرشد العام وأعضاء مكتب الإرشاد.
إننى لست ضد جماعة الإخوان المسلمين كجماعة دعوة دينية ولها الكثير من الأعمال الخيرية التى تخفف بها عن معاناة ملايين الفقراء وتكتب فى ميزان حسناتهم، كما أننى مع مشاركتهم فى الحياة السياسية فهذا حق لكل مواطن قادر على المشاركة لأن الإسلام دين حياة وليس دين رهبنة ، ولكنى ضد إستغلال الدين لتحقيق مآرب سياسية.
إننى ضد قيام الأحزاب الطائفية الدينية وجماعات الهوس الدينى وهى كثيرة بإستثمار نتيجة إستفتاء 19 مارس الشعبى بالإصرار على إجراء أنتخابات برلمانية أولا حتى تتهيأ لها الظروف لفرض دستور جديد للبلاد يسمى الدستور الإسلامى – إسم رنان بلا شك – لتمكين تلك الأحزاب من فرض حكم شمولى يتستر خلف الدين الحنيف ليصادر حرية الشعب ويهدد وحدته الوطنية، وبعضنا عاصر ما حدث من تجارب فى إيران والسودان وغزة.
إن السياسة والدين كلاهما فى حاجة إلى الإقناع والإقتناع والتفكير لا التكفير، ونبذ الآخر وإتهامه بأوصاف الخيانة والعمالة والزندقة.
نعود مرة أخرى إلى موضوعنا الأصلى وهو الجدل الساخن بل الحرب الأهلية الكلامية بين فريق جماعة الإخوان من جانب وفريق العلمانيين والليبراليين من جانب آخر، وموقف المجلس العسكرى الحائر بينهما بشأن قضيتى الإنتخابات البرلمانية والدستور الجديد وأيهما أولا،.. بدلا من الدخول فى معارك كلامية وحرب بسوس ، كان يتعين على كل منا أن يسأل نفسه سؤالا بديهيا: أين تكمن مصلحة المواطن ومصلحة مصر ومصالح البلاد العليا على المدى القريب والمتوسط والبعيد؟،.. ماهو الصح لمصر وللمواطن المصرى بغض النظر عن الإنتماءات الحزبية أو الأجندات السياسية أو الدينية؟، .. إن العقل والمنطق والحكمة والمصلحة العليا لمصر تقتضى منا جميعا أن نؤسس لوضع دستور جديد للبلاد يستمر إلى مالا نهاية،.. كان يتعين على المجلس العسكرى أن يدعو من البداية إلى وضع دستور جديد للبلاد،.. أعرف أن أصواتا كثيرة سوف تصرخ فى إحتجاج قائلة: وكيف نضع دستورا جديدا دون نواب برلمان منتخبون؟! ، وسوف أرد عليهم بهدوء قائلا: ومن قال لكم أن الدستور الأمريكى قد وضعه نواب منتخبون؟ لقد تم إرسال دعوات إلى الخمسين ولاية أمريكية لإرسال ممثلين عن كل ولاية إلى مدينة فيلادلفيا، وجرت إجتماعات ومؤتمرات جرت فيها مشاورات وحوارات وجدل بناء أشترك فيها الجميع، لكن الذين وضعوا الدستور فى النهاية نخبة من العلماء والفلاسفة والمفكرين والقانونيين ورجال دولة استوعبوا كل ما جرى من مشاورات وحوارات ونحوا جانبا إنتماءاتهم الحزبية والطائفية ووضعوا فى النهاية دستورا أمريكيا تتميز مواده بالحكمة وبعد النظر،.. دستورا لجيلهم وللأجيال القادمة إلى ما لا نهاية.
فى الدول الغربية المتقدمة وقد عشت فى كثير منها يعلمون الأطفال وطلاب المدارس ثقافة الدستور كما يعلمونهم إشارات المرور، لكن للأسف عندنا فى مصر ، وطوال الستة عقود الماضية فإن ثقافة إحترام الدستور عندنا تكاد تكون غائبة عند الصغار والكبار،.. حكامنا ووزراؤنا الذين يقسمون عند توليهم مناصبهم على إحترام الدستور هم أول من يخالفون مواده ويضربون بها عرض الحائط ، ويمررون قوانين غير دستورية ما أنزل الله بها من سلطان.
إن الدستور هو القانون الأعلى،.. هو أبو القوانين، وهو لا يوضع من فراغ بل يستلهم كل القيم والمثل العليا والأخلاقية التى تحض عليها جميع الإديان السماوية مع هضم لكل التجارب الإنسانية والتاريخية،.. والسلطات الثلاث التشريعية والقضائية والتنفيذية كلها مستقلة منفردة لكنها تتعاون فيما بينها على هدف تحقيق سيادة الشعب والتى تتحقق بسيادة القانون.
الدستور أولا ثم إنتخابات برلمانية حرة حتى يتسنى لنا أن نقيم بحق حكومة القانون، والتى بدونها لن يكون هناك إصلاح حقيقى من أى نوع.
فى ثقافتنا المصرية نحن نقول أن الأمة مصدر السلطات، وهو تعبير ربما لا يعبر تعبيرا دقيقا عن المعنى المقصود به ومنه،.. هو تعبير مهذب كبديل عن تعبير آخر أكثر صراحة ألا وهو أن الشعب هو السيد على كل السلطات الثلاث،.. هى بالفعل سلطات للحكم وتنفيذ القوانين وإصدار التشريعات، غير أنها جميعها موظفة لخدمة السيد الحقيقى لها ألا وهو الشعب.
إن الدستور أيها السيدات والسادة الكرام ليس وكما يتوهم معظمنا أنه أداة فى يد الحكومة أو النظام الحاكم للسيطرة على الشعب، بل على العكس هو أهم أداة فى يد الشعب للسيطرة على الحكومة وكل مؤسساتها خشية أن تقوم الحكومة أو النظام أو أى مؤسسة فيه بالسيطرة أو التسلط على الشعب وعلى مقدراته وهو ما يحدث عندنا منذ عقود.
الشعب هو السيد الحقيقى والحاكم والنظام بكل مؤسساته هم جميعا خدام عند الشعب الذى يدفع لهم مرتباتهم ومخصصاتهم وفواتير علاجهم ، .. هذا هو الوضع الطبيعى، أما الغير طبيعى فهو أن يكون الخادم هو الذى يتحكم فى سيده،.. أن يكون العامل هو الذى يتحكم فى صاحب العمل،..وأن يكون المستأجر هو الذى يتحكم فى المالك.
ويقول توماس جيفرسون ثالث رئيس للولايات المتحدة الأمريكية والرجل الذى كتب وثيقة الحقوق الأمريكية: " عندما يخشى الناس الحكومة فهذا مؤشر على وجود طغيان، لكن عندما تخشى الحكومة الشعب فهذا يعنى تمتع الشعب بالحرية"،... لكن فى ثقافتنا المصرية والعربية التى إستمرأت الإستبداد والطغيان فإن الأنظمة الحاكمة تريد لشعوبها أن تخشى النظام تحت دعاوى واهية يطلقون عليها إسم " هيبة النظام" أو " هيبة الدولة" ،.. للأسف هم يفهمون هيبة الدولة خطأ ..خيبة النظام أو الدولة لا تتحقق عند الشعب بالخوف والخنوع والرعب من النظام الحاكم، بل تتحقق بنجاح النظام فى خدمة الشعب وتحقيق مجتمع الكفاية والعدل والرفاهية.
كاتب صحفى مصرى – كندى
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.