الخارجية تؤكد استقرار أوضاع الجاليات بالخليج واستمرار الدعم القنصلي    أكاديمى بجامعة قطر ل"اليوم السابع": تعاظم دور مصر كفاعل محوري في الأمن العربي    وائل رياض يُعلن قائمة منتخب الشباب استعدادًا لوديتى الجزائر    إصابة 6 أشخاص في انقلاب ميكروباص بالفيوم    وكيل صحة الدقهلية: تكثيف جهود المبادرات الصحية للوصول للمواطنين في أماكن التجمعات    محافظ الجيزة يجرى جولة مفاجئة بمستشفى الصف المركزى.. صور    استقبال 21 ألف طلبا لتقنين أوضاع واضعى اليد على أملاك الدولة بالشرقية    الجنايات تحاكم متهما قتل طليقته لعدم تمكينها من رؤية أولاده السبت المقبل    الكرملين: قتل قادة إيران لن يمر دون عواقب    عمرو الورداني بقناة الناس: حب آل البيت عند المصريين عقيدة راسخة لا تشيّع    وزير الكهرباء يجتمع برئيس هيئة المحطات النووية لمتابعة تنفيذ مشروع المحطة النووية بالضبعة    سعر الذهب اليوم في مصر الأحد 22 مارس 2026 عقب التراجع الأخير    جولات ميدانية للفرق الطبية بالأقصر على المنشآت الصحية فى ثانى أيام العيد.. صور    مصرع طفلين وإنقاذ شقيقتهما إثر اشتعال حريق بشقة فى البراجيل بالجيزة    الأهلى ضد الترجى.. بطل تونس يمنح الأحمر أرقام سلبية تاريخية بأبطال أفريقيا    ضبط 1.5 مليون قطعة ألعاب نارية خلال حملات أمنية موسعة    جابرييل: أستمتع بمواجهة هالاند.. وهذا سيكون عملي بعد كرة القدم    خطة مكثفة لخط نجدة الطفل خلال الأعياد.. واستجابة فورية على مدار الساعة    للمعلمين فقط، آخر موعد للتقديم في الإعارات الخارجية    أفضل أعشاب طبيعية، تساعد على حرق الدهون وتنشيط الهضم    وزيرة التنمية المحلية والبيئة تعلن الانتهاء من الربط الإلكتروني لمنظومة الرصد الذاتي بمداخن شركة إيلاب بالإسكندرية    كجوك: إضافة تيسيرات جديدة ل «الحزمة الثانية للتسهيلات الضريبية»    يسرا اللوزي تكشف كواليس مؤثرة لمسلسل «كان ياما كان»    عمرو محمود ياسين يوضح حقيقة نهاية «وننسى اللي كان»    الانتهاء من ترميم إيوان أقطاي وساقية الناصر محمد بن قلاوون ومسجد محمد باشا بمنطقة القلعة الأثرية    يعادل سنة كاملة.. أفضل وقت لصيام الست من شوال    رمضان عبدالمعز: حب آل البيت فريضة.. ومحبة المصريين لهم هدي قرآني    جريزمان: أجلت رحيلي عن أتلتيكو للصيف.. ولا أفكر في الديربي    اقتصادي: تركيز استراتيجية تنمية الصادرات الجديدة على رفع نسبة المكون المحلي تسهم في تعميق التصنيع    البحرين: اعتراض وتدمير 145 صاروخا و246 طائرة مسيرة منذ بدء الاعتداءات الإيرانية    فريق ترامب يدرس صفقة ب 6 التزامات لوقف الحرب على إيران    ندوات توعوية لتعزيز الوعي المجتمعي بدور المرأة بالشرقية    4 أبريل.. محاكمة رئيس شركة لاتهامه بتقاضي رشوة شهرية مقابل إسناد أعمال    عمر فايد: عدم التواجد في قائمة منتخب مصر شيء محزن.. أتمنى متابعة واهتمام أكبر    ضبط 420 كجم أسماك مملحة وغير صالحة للاستهلاك الآدمي بالمنوفية    إياد نصار ضيف عمرو الليثى فى برنامج واحد من الناس    إيرادات عيد الفطر.. هشام ماجد يتصدر شباك التذاكر    مصرع شاب سقط أسفل عجلات القطار بمحطة المعلا في إسنا    60 دقيقة من الرعب.. استجابة أمنية فورية تنقذ حياة شخص سقط من ارتفاع 3 أمتار    الأقصر.. تكريم أئمة وقراء القرآن في احتفالية عقب انتهاء شهر رمضان في إسنا    رئيس لجنة الزراعة بمجلس الشيوخ: زيارات الرئيس السيسي لدول الخليج تؤكد دعم مصر الكامل للأشقاء وتعزيز الأمن القومي العربي    إسرائيل: ارتفاع حصيلة المصابين في عراد وديمونا إلى 182    الجيش الإيراني: قصفنا مطار بن جوريون بمسيّرات «آرش 2»    مصدر يكشف.. مصير توروب وموقف البدري وعماد النحاس من العودة للأهلي    الليلة، عصام السقا ضيف "واحد من الناس" في سهرة ثالث أيام العيد    كهرباء الإسماعيلية يستضيف مودرن في مواجهة مهمة بمجموعة الهبوط بالدوري    أسعار اللحوم الحمراء بالأسواق في ثالث أيام عيد الفطر المبارك    «العمل» توفر وظائف وتدريب للشباب بالمحافظات| التفاصيل الكاملة    من الفسيخ إلى الشوربة، كيف تغيّرين نظامك الغذائي في ثالث أيام العيد؟    مواعيد مباريات الأحد 22 مارس - الزمالك في الكونفدرالية.. ودربي مدريد ونهائي كأس الرابطة الإنجليزية    وزير الري يتابع حالة منظومة الصرف الزراعي خلال عيد الفطر المبارك    سعر اليورو اليوم الأحد 22 مارس 2026 أمام الجنيه فى البنك المركزى المصرى    المتحدث الرسمي للأوقاف للفجر: حبُّنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وآلِ بيته الأطهار دينٌ صادق وتاريخٌ مشهود    التليفزيون الإيراني يعلن رسميا قصف مفاعل "ديمونا" النووي رداً على استهداف منشأة "نطنز" الإيرانية    شبح الفقر يلتهم أسرة كاملة في الإسكندرية.. أم تتفق مع نجلها على إنهاء حياتها وأبنائها الستة    وائل جمعة: تخاذل اللاعبين وسوء الإدارة وراء خروج الأهلي من دوري الأبطال    رئيس البرلمان الإيراني: سماء إسرائيل بلا دفاع وحان وقت تنفيذ الخطط القادمة    هل تزيين المساجد بدعة؟.. أوقاف الإسماعيلية تحسم الجدل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"القرضاوى" فقيه السلطة وتسويق مشروع الدوحة
نشر في الوفد يوم 18 - 10 - 2013

«كنت» أعتبر نفسى من دراويش الدكتور يوسف القرضاوي. ولم لا وقد كنت أتوق إلى كتبه منذ الصغر والتهمها التهاما، على نحو جعله يشكل جزءا كبيرا تكويني.
أذكر أننى فى مرحلة دراستى الثانوية منذ أكثر من 34 عاما كنت أسير على قدمى عدة كيلو مترات بين فترة وأخرى لعدم اعتياد ركوب المواصلات فى تلك الفترة المبكرة من العمر بمعايير السبعينات من منزلنا فى شبرا بالقاهرة إلى مكتبة وهبة التى تنشر كتبه بشارع الجمهورية فى عابدين لشراء كتاب جديد له. بمرور الوقت وجدت نفسى أتبنى آراءه فى «الحلول المستوردة وكيف جنت على أمتنا».
كنت أعتبر كتابه «الحلال والحرام فى الإسلام» بمثابة دستور يمكن أن يقتدى به المسلم فى حياته المعاصرة وأنه يمثل الرؤية الوسطية التى تعبر عن جوهر الإسلام. بهرتنى رؤيته حول الحركات الإسلامية فى تطورها المعاصر، التى قدمها فى «الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف».
نما لدى ذلك التأثر بالشيخ، كما لدى آخرين، بشكل طبيعى ولم يكن نتاج محفزات التطورات الحديثة التى رفعت الشيخ إلى مصاف العالمية، فحتى ذلك الوقت لم يكن نجم القرضاوى قد علا بشكل جعله، كما أصبح فيما بعد، وحسبما وصفته مجلة «فورين بوليسي» الأمريكية، من أكبر ثمانى علماء ورجال دين تأثيرا فى العالم الإسلامي، إن لم يكن على رأسهم. غير أن موقفى كان ومازال فى النظر للشيخ أو لغيره ينطلق من مبدأ لا حياد عنه يتمثل فى أنه لا عصمة لأحد من الخلق بعد رسول الله وأن كل أحد من الناس يؤخذ من قوله ويترك إلا الرسول صلى الله عليه وسلم مع كل التقدير لعالمنا الجليل سواء.. أصاب أم أخطأ.
على هذا النحو تعاملت مع فكر القرضاوى ووجدتنى أختلف معه وبشدة دفعتنى إلى كتابة السطور السابقة إثر الجدل الذى أثاره عام 2008 بشأن العلاقة مع الشيعة. وقتها ورغم تنزيهى للرجل من كل تهمة، إلا أننى كنت أشعر أن وراء الأكمة ما وراءها، واتجه تفكيرى إلى أن الرجل ربما يكون بدافع حسن النية أثار ما أثاره وتسبب فى ضجة كانت بمثابة مقدمة لتطورات يمكن معها القول إنها انتهت فى شكل ترويج الفتنة بين السنة والشيعة فى العالم الإسلامي.
غير أن تفسير ما قد يعتبر لغز مواقف القرضاوى الأخيرة والمفارقة لفكره وفقهه يتمثل فى الأزمة التى اتسمت بها علاقة الفقيه والمثقف بالسلطة سواء فى تاريخنا الإسلامى أم فى غيره وإن كانت تبقى واضحة لدينا بشكل جلي. ونشير هنا إلى أنه فى معرض المقارنة بين دور المثقف العربى المسلم مع نظيره فى المجتمعات الأخرى وخاصة الغربية تبدو المفارقة فى أنه إذا كان هذا الأخير يقود السلطة لتحقيق مشروعه الفكرى فإن الأمر قد يكون على العكس فى عالمنا الإسلامى حيث يتحول الأمر فى غالب الأحوال إلى تبعية المفكر والفقيه للسلطة ليلعب دورا تبريريا فى تسويق مشاريعها السياسية والسلطوية، ومن أسف أن القرضاوى لا ينفصل عن ذلك مع كل التقدير لإسهاماته الفكرية والفقهية التى تملأ فراغا من الصعب تجاهله فى حياتنا المعاصرة ومسعانا للتعامل مع العصر بالمواءمة بين الرؤى الإسلامية ومتطلبات الحداثة.
المفارقة الأخرى فى مسيرة القرضاوى التابعة للسلطة أنه لم يتبع السلطة الأم التى تمثل الدولة التى ينتمى إليها بجنسيته، وإنما يتبع سلطة أخرى هى دولة قطر التى عاش بها أغلب سنى عمره، فى تذكير لنا بالفقيه المعولم فى تاريخنا الإسلامى فى زمن لم تكن العولمة قد ظهرت فيه بعد على نحو ما نعيشه الآن، وإن كان الإنصاف يقتضى الإشارة إلى أن ذلك قد لا يكون سوى بولادة المشروع الطموح للأمير السابق حمد بن خليفة الذى أطاح بوالده من أجل تحقيقه وكان القرضاوي، بمصادفة وجوده فى قطر وتعاظم دوره وتأثيره، إحدى الأدوات التى جرى الاعتماد عليها فى تسويق وتحقيق هذا المشروع.
وحتى لا نوغل فى النظرية نشير إلى أن القرضاوى استطاع بذكاء السير على الخيط الرفيع الذى يفصل بين دوره كفقيه له باعه فى العالم الإسلامى وينطلق فيه من عمق رؤاه واجتهاداته ودوره فى التسويق للمشروع القطري، خلال السنوات الأولى من هذا المشروع والذى يمكن التأريخ له ببداية النصف الثانى من عقد التسعينات وبالتحديد مع تدشين قناة «الجزيرة».
وبدا الرجل فى ذلك فى حالة توحد مع هموم المسلمين وقضاياهم دون تنافر مع الدور المختلف الذى كانت تسعى السلطة الحاكمة فى قطر لقيامه به. وقد كان العامل الحاكم لانعدام هذا التنافر حالة الانسجام بين المشروع القطرى وما يجرى فى العالم الإسلامى الأمر الذى انعكس مثلا فى شعبية قناة الجزيرة، التى لا يمكن الحديث عن دور قطر منفصلا عنها، وتواصل ذلك إلى أن بدأت تلوح فى الأفق بوادر ما اعتبر موجة الربيع العربى ولعبت فيها قطر دورا مفصليا رغم محاولة تأكيد البعض قزميتها إن على مستوى عدد السكان أو مستوى المساحة بين دول الخليج العربي.
مع تلك اللحظة بدأت تظهر للقرضاوى وجوه أخرى غير ذلك الوجه الذى اعتاده منه المواطن العربى المسلم، وهو ما سنعرض له فى سطور قادمة. ورغم أننا لسنا من أنصار نظرية المؤامرة التى يستسهل العقل العربى اللجوء إليها فإننا فى الوقت نفسه لا ننكر أنها جزء من التاريخ وعلى ذلك نشير سريعا إلى أن هذا الربيع العربى قد يكون فى أحد أبعاده، وليس كلها بالطبع، صناعة غير عربية وإن كان من المبكر تقديم الدلائل على ذلك والتى لا شك ستتكشف بعد انتهاء تلك الموجة. وقد كانت قطر فى ذلك السياق، وفى منظور الولايات المتحدة، أداة لتطويع تلك الموجة لخدمة الأهداف الأمريكية، وبدوره كان القرضاوى أداة فى منظور السياسة القطرية الأمر الذى يمكن التيقن منه من خلال تحليل مواقفه المختلفة الخاصة بتطورات أحداث الربيع العربي. ومن الملاحظات التى يجدر الإشارة إليها فى هذا الخصوص هو أن مواقف الشيخ تجاه تلك الأحداث كادت أن تتطابق مع المواقف القطرية على نحو يؤكد فرضية التبعية حيث علت نبرته حين علت نبرة الدوحة، وخفضت حين خفضت، وبدت مراوغة حين بدا أن النظام القطرى لم يحدد موقفه.
وبعيدا عن الرؤى المتهافتة التى تحاول إلصاق كل نقيصة بكل ما هو إسلامي، والتى تمتلئ بها ساحات وفضاء الإعلام العربي، نشير إلى بعض مواقف القرضاوى التى تعزز هذا الطرح خاصة أنها تبدو على النقيض من المشروع الفكرى والفقهى له ذاته فى المرحلة «ما قبل الحمدية» – نسبة إلى الشيخ حمد بن خليفة ودوره فى تطويع القرضاوى وفكره.
القرضاوى وخريف القذافي
لقد لعب القرضاوى دورا كبيرا فى حالة الربيع العربى التى انتهت بما يمكن اعتباره خريف القذافى وسقوط حكمه. فقد كان للقرضاوى موقفا يتجاوز موقف المواطن العربى العادى مما يجرى فى ليبيا بدا خلاله منسجما مع الدور القطرى والغربى بشكل عام. ومن المعروف هنا أن قطر لعبت دورا استثنائيا فى إسقاط نظام العقيد الليبى الراحل معمر القذافى تجاوز الدعم المالى الى المشاركة العملية من خلال العمليات العسكرية ذاتها سواء بالجنود أم بالسلاح. ورغم أن إسقاط نظام القذافى كان حلما للكثيرين ممن يتوقون إلى الخروج العربى من نظم الحكم الديكتاتورية إلى مرحلة جديدة من الديمقراطية إلا أن القفز فى المجهول على نحو ما تم فى ليبيا مثل إجهاضا لذلك الحلم. وفى تقديرنا أن الأزمة الليبية كانت كاشفة بشأن تبعية مواقف القرضاوى والتى أظهرت حماسه العالى لتغيير الأنظمة العربية بشكل مبالغ فيه إلى الحد الذى راح معه يقول فى عبارة بدت غريبة للكثيرين فى سياق إفتائه بجواز تدخل الناتو هناك لضرب قوات القذافى إنه «لو كان محمدا – الرسول – حيا لقاتل فى صفوف الناتو، الأمر الذى دعا البعض لتوصيف الشيخ ب «مفتى الناتو».
القرضاوى والتدخل فى سوريا
واستمرارا لمواقفه التى تثير التساؤلات بشأن طبيعة دوره كان موقف القرضاوى من الأزمة السورية حيث راح يعلن تأييده أى ضربة عسكرية غربية لسوريا، وهو الموقف الذى جاء فى سياق حديث الولايات المتحدة وفرنسا عن اعتزامهما القيام بعمل عسكرى ضد نظام بشار الأسد بدعاوى مختلفة منها ما هو حقيقى ومنها ما يعكس أهدافا خاصة أمريكية بالأساس. وهو ما يؤكده حصاد الأزمة والتى تتمثل حتى لحظة كتابة هذه السطور فى نزع الأسلحة الكيماوية لدى النظام السورى الأمر الذى لم تكن لتحلم به إسرائيل وكان تحقيقه من خلال نزاع عسكرى يتطلب تضحيات كبرى أصبحت الدولة العبرية فى غنى عنها بفعل قيام واشنطن بهذا الدور وبشكل سلمى وتحت دعاوى أخرى لا تتعلق بالمخاوف الإسرائيلية من وجود مثل هذا السلاح لدى سوريا. وقد راح الشيخ يسوغ موقفه على خلفية دينية بإشارته إلى أن القوى الأجنبية أدوات سخرها الله للانتقام.
وليس من قبيل المبالغة أو تضخيم دور الدوحة الإشارة إلى أن قطر بذلت مساعى محمومة فى إطار الجهود الغربية لإسقاط نظام «بشار» وإن تركز على تقديم الدعم المالى والسلاح للمعارضة فقط على خلاف طبيعة المشاركة التى تمت فى الأزمة الليبية. ولعل تماهى مواقف القرضاوى مع مواقف السياسة القطرية يؤكد الشكوك التى يؤكدها البعض والتى تنطلق منها سطور هذه الدراسة بشأن تبعية الشيخ لرؤى الدوحة.
مصر.. القلب والأزمة
تبدو تحولات مواقف القرضاوى بشأن الأوضاع فى مصر فيما بعد 25 يناير واضحة خاصة فى ضوء أن الأزمة المصرية احتلت مساحة واسعة من اهتمامه لعدة أسباب على رأسها ضخامة الحدث المصرى وتداعياته بحكم محورية الدولة التى وقع بها، هذا فضلا بالطبع عن انتماء القرضاوى حيث ظلت مصر فى القلب.. قلبه هو أو قلب الأحداث بعد بدء موجة الربيع العربى رغم أنها انطلقت من تونس.
فى البداية بدا ظهور الشيخ على الساحة باعتباره سارق الأضواء الأمر الذى اعتبره البعض بمثابة تحويل لدفة الثورة فى وجهة غير وجهتها وصلت إلى حد تشبيه هذا البعض لخطبته للجمعة فى ميدان التحرير بالدور الذى لعبه الخمينى وهو تشبيه لا يحمل من الحقيقة سوى رمزيته.
وقد تميزت مواقف القرضاوى فى الفترة الأولى من الثورة بقدر كبير من الموضوعية والتوازن كان تركيزه خلالها على وحدة المصريين جميعا مسلمين ومسيحيين بكافة اتجاهاتهم السياسية والحزبية لبناء مصر واستعادة مكانتها على حد توصيفه. واتخذ القرضاوى مواقف إيجابية من تطورات الأحداث فى مصر فى تلك الفترة.
ورغم ما بدا من أن الثورة أعادت «القرضاوى» إلى مصر إلا أن تفعيل دوره جاء مع وصول الإخوان للحكم إثر نجاح الرئيس المعزول مرسى فى الانتخابات الرئاسية الأمر الذى بدا أنه صادف تأييدا قطريا. وقد تطورت مواقف القرضاوى بشأن الأوضاع المصرية إلى مستوى الأزمة بعد 30 يونية إلى الحد الذى وصل لحد دعوة البعض لسحب الجنسية المصرية منه ووضعه على قوائم ترقب الوصول على خلفية اتهامات عديدة رأوها تدعم مثل هذه المطالب. ويمكن القول إنه على خلفية تلك المواقف وفى ضوء حالة الاستقطاب بشأن تلك الأحداث فقد اختلط الحابل بالنابل بشأن مواقف القرضاوى وغلب على الكثير منها التحامل وافتقاد الموضوعية، رغم ما يمكن أن يرد من تحفظات وهو كثير على ما ذهب إليه القرضاوى فى تناوله لما جرى.
بعيدا عن تفاصيل هذه المعركة والتى قد تجرنا لما هو ليس فى صلب موضوعنا نشير إلى أن مواقف «القرضاوى» بصدد الأزمة المصرية كانت كاشفة بشأن حجم التنسيق الثلاثى الأبعاد الذى كانت السياسة القطرية فيه البعد الثانى فيما مثلت قناة الجزيرة مباشر مصر البعد الثالث وبدا وكأن مسجد عمر بن الخطاب ليس سوى مكان افتراضى فى الدوحة رغم موقعه الفعلى هناك، وأنه ليس سوى مسجد مصرى حيث كان «القرضاوى» يخاطب من خلاله المصريين وليس أحدا سواهم.
وإذا كان لا يخفى على أحد أن ما جرى فى مصر بعد 30 يونية- بغض النظر عن مساحة الاتفاق أو الاختلاف بشأنه وهذا أمر طبيعى - مثل انتكاسة للسياسة القطرية فقد بدا الأمر واضحا فى لغة القرضاوى ومواقفه بشكل يصعب إنكاره. ومن المتصور أن هذه الانتكاسة سيكون لها تأثيرها المستقبلى فى صياغة دور قطر من جديد بإعادة النظر فيه سواء من قبل قادتها أو من قبل القوى التى سعت لأن تلعب الدوحة دور الوكيل لها فى تنفيذ بعض المخططات بالمنطقة. لقد تحولت قطر إلى اتخاذ مواقف زاعقة تجاه مصر مثلت تحولا شاملا عما كانت عليه خلال حكم الرئيس مرسي، وكانت مواقف القرضاوى صدى لانزعاج الدوحة الأمر الذى انعكس فى مستوى لغة الشيخ، التى اتخذت نهجا تحريضيا يتجاوز أبسط القواعد التى أكد هو ضرورة التزامها لدى التعامل فى السياسة حين أشار ذات مرة إلى أن التعامل فى أمور السياسة ينبغى أن يكون له ضوابطه وأطره.
وعلى ذلك فقد بدا مستهجنا دعوة «القرضاوى» جنود الجيش والشرطة المصريين لرفض الأوامر مدعيا أنه حال التزام الجندى هذا السلوك فإن القرآن معه. وكان من المستهجن أن ينزل الشيخ إلى مستوى الحديث عن خراب نتج عما وصفه بحكم الانقلاب يتمثل فى ارتفاع سعر كيلو الطماطم إلى ثمانية جنيهات فى الوقت الذى لم يكن سعرها يتجاوز الجنيه ونصف. وكان من الهفوات التى خرجت من القرضاوى ادعاؤه أن الجيش الإسرائيلى أفضل من جيشنا المجرم.
ومع أنه لا يمكن إنكار حق القرضاوى أو غيره فى الاختلاف على تقييم ورؤية ما حدث فى 30 يونية ووصفه سواء بانقلاب أم ثورة وحقه فى نقد تطورات خارطة طريق المستقبل واتساع ما يراه مساحة الدور المنوط بالجيش، إلا أن هناك سقفاً من الوطنية لم يكن ينبغى له تجاوزه.
وإذا كنا لسنا فى معرض تعليم الشيخ معانى هذه الوطنية فإنه قد لا يختلف اثنان على أن الانجرار وراء بعض التصورات التى طرحها هو وبعض رموز التيار الإسلامى كان من الممكن أن تجر البلاد إلى سيناريو الحرب الأهلية على غرار ما جرى فى سوريا وهى نتيجة لم يكن بأى من الأحوال قبولها فى ضوء حقيقة أن طبيعة الصراع بين طرفى ما جرى فى 30 يونية لم يكن يتجاوز كونه صراعا سياسيا يجب أن يدار بآليات السياسة وليس الاحتكام إلى الاقتتال.
فضلا عما سبق فإن «القرضاوى» الذى انتفض ضد ما اعتبره انقلابا للجيش واستيلاء على السلطة من اول رئيس منتخب لم يتحرك لدى انقلاب الشيخ حمد بن خليفة على سلطة أبيه والاستيلاء عليها وهو ما كان يكشف أن الأمر لا ينطلق من المبدأ وإنما ينطلق من اعتبارات أخرى يكشف عنها وجود الشيخ فى قطر واستمراره حتى الآن.
وتبقى كلمة أخيرة.. فرغم الصورة السلبية التى تحول إليها وضع «القرضاوى» فى ذهن المواطن المصرى وقد يكون العربى والمسلم، فإن هذه الصورة لن تتجاوز سوى سطر أو سطور معدودة من كتاب حياته وفكره وفقهه. فما سيبقى من الشيخ هو ذلك الفكر والاجتهادات الفقهية ومنهجه فى التوصل إلى تلك الرؤى.. وذلك هو ما يكشف عنه مضمون الكتاب الذى نقدم ترجمته فى هذا الإصدار.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.