النائب العام ووزير التعليم العالي يشهدان تدشين الصالونات الثقافية لتعزيز الوعي الوطني بالجامعات    برلماني: عجز المعلمين بالمدارس يصل ل 400 ألف ووزارة التعليم تنفي    أخبار البورصة اليوم الأحد 26-4-2026    رئيس الوزراء يتابع خطط تأمين إمدادات الوقود لقطاع الكهرباء خلال فصل الصيف    أحمد موسى يكشف عن زيارة مرتقبة للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى مصر قريبا    ترامب: خطوط أنابيب النفط في إيران مهددة بالانفجار خلال 3 أيام    جدل في إيران بعد جدارية تُدرج مجتبى خامنئي ضمن "الراحلين" إلى جانب والده    قائمة الأهلي لمواجهة بيراميدز في الدوري المصري    غيابات الأهلي أمام بيراميدز في الدوري الممتاز    بسنت حميدة تُحلّق برقم مصري جديد في بوتسوانا وتؤكد جاهزيتها العالمية    شاب يقتل والدته بالإسماعيلية مستخدما أسطوانة بوتاجاز    بالأسماء، إصابة 6 أشخاص في انقلاب سيارة بميت غمر    تأجيل محاكمة المتهم بإنهاء حياة بطل كاراتيه في كفر الشيخ    حمدي بتشان: أرفض تقديم أغاني المهرجانات وأختار الكلمات التي لا تخدش الحياء    نائب الرئيس الإيراني يستشرف "إيران ما بعد الحرب": التحول من هدف للعقوبات إلى قوة فارضة لها    المحافظ: إنجاز 97% من طلبات التصالح وتوجيه بسرعة إنهاء الملفات المتبقية    «مصر للطيران» تعلن زيادة الرحلات إلى 3 وجهات عربية    محافظ القليوبية: طرح حديقة المرجوشي بشرق شبرا الخيمة للاستثمار    سباق الأعصاب بين الأهلى والزمالك!    فريق سلة الأهلي يفوز على داكار السنغالي في تصفيات الBAL    تحت أنظار مصطفى محمد، نانت يتعادل مع ستاد رين 1/1 في الشوط الأول    حسني عبد ربه يطمئن على لاعب الإسماعيلي بعد إصابته    الداخلية تنظم الملتقى الثالث لبرنامج المعايشة بين طلبة الشرطة والجامعات    رئيس مياه الفيوم يتابع بدء تنفيذ أعمال ربط المرحلة الثالثة بمحطة العزب الجديدة    جامعة مصر للمعلوماتية: الانتهاء من تعديل لائحة كلية الهندسة    ضبط 10 أطنان سكر تمويني وتحرير 35 مخالفة ل مخابز بمراكز الشرقية    الأرصاد تحذر من تقلبات حادة وتكشف مناطق سقوط الأمطار غدًا    تعليم القاهرة تتيح نموذجًا استرشاديًا في مادة Science لطلاب الإعدادية    ضبط عاطل حطم زجاج سيارة وسرق محتوياتها بمنطقة فيصل في الجيزة    ضربة لروسيا بغرب أفريقيا، تفاصيل حرب بالوكالة بين بوتين وماكرون في مالي    مصطفى كامل يعلن وفاة المطرب حسن الإسكندراني    بعد توقف 30 عاما.. عودة برنامج براعم الإيمان على موجات إذاعة القرآن الكريم    هل الشبكة من حق المخطوبة بعد وفاة الخاطب؟ أمينة الفتوى تجيب    "قصر العيني" تقود مبادرة توعوية لدعم مرضى باركنسون ومقدمي الرعاية بجامعة القاهرة    وزير الصحة يتابع أعمال اللجنة العليا للمسؤولية الطبية وسلامة المريض    تساؤلات لوزير الرياضة حول المنشطات والهرمونات داخل صالات الجيم    نائب ينتقد المراهنات الرياضية في مصر: تناقض واضح بين الواقع والقانون    الدوحة: مباحثات قطرية بريطانية حول الأوضاع في السودان    رمضان عبد المعز: أفضل أوقات الدعاء بعد الصلوات المكتوبة وفى جوف الليل    عروض تراثية ولقاءات تثقيفية متنوعة في احتفالات ثقافة أسيوط بذكرى تحرير سيناء    محمد مشيش ينضم إلى لجنة تحكيم المسابقة الدولية في مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير    الأردن: يجب ضمان أمن الدول العربية بأي اتفاق لخفض التصعيد    سفير اليونان يزور مسرح ماسبيرو ويشيد بالعلاقات بين القاهرة وأثينا    إحالة المتهم بهتك عرض فتاة المطرية المريضة بتأخر عقلى للمفتى    محافظ الغربية يتابع إنتاج الدقيق التمويني ويشدد على الالتزام بمعايير الجودة    مقتل 5 فلسطينيين في قصف إسرائيلي على شمال غزة    محافظ أسيوط يفتتح ملعبًا اكليريك متعدد بنادي الشبان المسلمين ويكرم أبطال المحافظة الرياضيين    البابا لاون الرابع عشر: الكاهن «قناة للحياة» لا حاجز أمام المؤمنين    مجلس الشيوخ يناقش طلب برلماني بشأن خطة الاستعداد لدورة الألعاب الأوليمبية    برلماني يحذر من مخاطر منصات المراهنات الإلكترونية    رئيس الوزراء يستعرض الأهداف الاستراتيجية لوزارة الثقافة ونشاط الفترة الماضية    ميشيل ميلاد ل "البوابة": الراديو سبب حبي للفن والمسرح كان البداية    جامعة مصر للمعلوماتية تستهدف تقليل مدة الدراسة بكلية الهندسة لرفع كفاءة العملية التعليمية    «صحة الوادى الجديد» تشن حملة للتفتيش على الصيدليات الحكومية ومنافذ صرف الأدوية    النائبة ميرال الهريدي تدعو لاستضافة محمد فراج وهاني أبو ريدة للشيوخ لمناقشة مخاطر إعلانات المراهنات بالملاعب    وزيرة الإسكان: بروتوكول التعاون مع الوطنية للتدريب خريطة طريق لتأهيل القيادات وتعزيز كفاءة إدارة المشروعات    رسالة طريفة من ريهام عبد الغفور ل «هشام ماجد» في عيد ميلاده    الصحة: تقديم 50 مليون جرعة تطعيم خلال العام الماضي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



السقوط.. الأمريكى
حسابات الأصدقاء والأعداء معلقة على قرار 17 أكتوبر
نشر في الوفد يوم 10 - 10 - 2013

شجعت الأزمة المالية المستمرة والمستفحلة فى الولايات المتحدة الأمريكية، العديد من دوائر البحث فى العالم على تشريح معطيات وعواقب هذه الكارثة على الاستقرار الدولى بالأساس،
ورغم اختلاف التوقعات الاقتصادية، إلا أن هناك شبه اتفاق سياسى واستراتيجى على أن أمريكا دخلت مرحلة الشيخوخة وأنها تصنف حالياً باعتبارها إمبراطورية على حافة الانتحار.
وتفيد الشواهد التاريخية أن الإمبراطوريات فى مرحلة السقوط تنجو من مخالبها بعض الدول والقوى المناوئة وهو ما نلمسه بإرجاء بعض الخطط العسكرية الأمريكية فى الشرق الأوسط، وربما ينقلب العدو اللدود إلى صديق حميم يجرى التودد إليه مثل الحالة الإيرانية - الأمريكية الراهنة.
وفى مرحلة الشيخوخة أيضاً، هناك من يبتز الإمبراطورية المريضة وهو ما يجرى حالياً من قبل رأس المال اليهودى المتوحش داخل المجتمع الأمريكى، وهناك أيضاً من يهم بالفرار من سياج التعبئة كالحالة الأوروبية.
المهم أن كل من ارتبط بالإمبراطورية الأمريكية راح يعيد حساباته ومواقفه سراً ويكتم أنفاس علناً انتظار لما يقرره الكونجرس يوم 17 أكتوبر الجارى، بشأن الموافقة على رفع سقف الموازنة الأمريكية، ونرصد فى هذا الملف المقدمات والنتائج الأولية لهذا الظرف التاريخى.
ابتزاز الصهاينة.. وخسارة العرب
رغم أن الصهاينة الذين يسيطرون على الاقتصاد الأمريكى والعالمى يقتطعون مليارات الدولارات سنويا من الميزانية الأمريكية كمساعدات لإسرائيل، إلا أن الدول العربية قد تكون أحد الخاسرين الرئيسيين خلال الأزمة المالية الحالية التى تشهدها الولايات المتحدة.
كشف موقع ألمانى متخصص فى الأخبار المالية أن اليهود يسيطرون على النظام المالى العالمي، ولديهم إمبراطوريات مالية كبيرة. وأكد الموقع أن اليهود اتخذوا من الولايات المتحدة المركز المالى لهم، حيث نجح الكثير منهم مثل روكفلر وروتشيلد وليمان برازرز وجولدمان فى بناء إمبراطوريات مالية كبرى استخدموها فى السيطرة المالية على العالم، وتشكيل الاقتصاد العالمي.
وتقتطع الولايات المتحدة مليارات الدولارات من ميزانيتها سنويا لدعم إسرائيل. فقد أوضح جون ميرشيامر أستاذ العلوم السياسية فى جامعة شيكاغو، وستيفن والت أستاذ العلاقات الدولية فى جامعة هارفارد فى كتابيهما «اللوبى الإسرائيلى والسياسة الخارجية الأمريكية» أن واشنطن قدمت لإسرائيل منذ حرب أكتوبر 1973 قدراً هائلاً من الدعم يفوق كل أشكال الدعم المقدم لأى دولة أخرى فى العالم،.وأضاف أن إجمالى العون الأمريكى المباشر لإسرائيل يفوق 140 مليار دولار عام 2003، حيث تتلقى إسرائيل نحو 3 مليارات دولار من المساعدات الخارجية المباشرة سنويا، وهو ما يمثل نحو خمس ميزانية العون الخارجى الأمريكى الذى تقدمه الولايات المتحدة. وأشار إلى أن واشنطن تقدم لكل إسرائيلى عوناً مباشراً يبلغ نحو 500 دولار سنويا، واستنكر الدعم الإمريكى إلى إسرائيل التى تعد دولة صناعية ثرية يعادل الدخل الفردى فيها نظيره فى كوريا الجنوبية أو إسبانيا.
ويحصل متلقو العون الآخرون على مخصصاتهم المالية فصليا أى دفعة كل 3 أشهر، بينما تستلم إسرائيل مخصصاتها كاملة فى بداية كل سنة مالية من دون تسويف أو تأخير، وهكذا تغنم فوائد إضافية اكبر. ويطلب من معظم متلقى المساعدات العسكرية الأمريكية أن ينفقوا هذا التمويل كله فى الولايات المتحدة، بينما يمكن لإسرائيل استخدام نحو 25% من أموال الدعم المخصصة لها لتدعم صناعاتها الحربية وإسرائيل هى المتلقى الوحيد للمساعدات الأمريكية الذى لا يطلب منه تقديم كشف توضيحى للكيفية التى تنفق بها المساعدات، مما يمكنها من استخدام المال لأغراض تعارضها الولايات المتحدة، مثل بناء المستوطنات فى الضفة الغربية. كما زودت الولايات المتحدة إسرائيل بنحو 3 مليارات دولار لتطوير أنظمة تسلح، بينما تسعى إسرائيل للحصول على أحدث ما فى الترسانة الأمريكية من أسلحة متطورة فتاكة مثل مروحيات «بلاك هوك» وطائرات «إف – 16».
وتؤكد الأزمات المالية السابقة أن الدول العربية قد تكون أحد أهم المتضررين من الأزمة الحالية كما كان الحال عام 2011، عندما تخطت خسائر الدول العربية خلال الأزمة المالية العالمية حاجز 2.5 تريليون دولار، بينما كانت تحتاج فى ذلك الوقت 200 مليار دولار فقط لتوفير التمويل اللازم للخروج من نفق الفقر والجوع والبطالة.
فى الوقت نفسه، تخشى الولايات المتحدة من سيطرة رأس المال العربى، فقد كتب هنرى كيسنجر وزير الخارجية الأسبق مقالا فى صحيفة «إنترناشيونال هيرالد تريبيون» فى سبتمبر الماضى 2008 بالتعاون مع البروفيسور مارتن فيلدشتاين، أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد يحذر فيه من تكدس مليارات النفط فى الخليج ومن صناديق الثروة الخليجية ويدعو الغرب لتقليص قدرة أوبك حتى لا يتحول التأثير من اقتصادى إلى سياسي. ودعا كيسنجر إلى تطوير ما وصفه باستراتيجية سياسية لمواجهة صناديق الثروة العربية الناجمة من النفط وقيام أوبك باستعمال أرصدتها المالية الكبيرة للابتزاز السياسى والاقتصادي.
الأزمة أمريكية.. والكارثة عالمية
يحبس العالم أنفاسه فى انتظار 17 أكتوبر المقبل، الذى يمكن أن تتعرض فيه الدولة الفيدرالية الأمريكية لشلل يلحق الضرر بأمريكا والعالم كله، إذا لم يتفق الديمقراطيون والجمهوريون على حل يقضى برفع سقف الديون ويمكن عجلة البلاد من الدوران.
لقد أوضحت مديرة صندوق النقد الدولى كريستين لاجارد أن شلل الميزانية شيء مؤذٍ وعدم القدرة على رفع سقف الدين ربما لا يلحق ضرراً جسيماً بالولايات المتحدة وحدها وإنما أيضاً بالاقتصاد العالمى كله.
يبدو أن المفاوضات متوقفة بين الحزبين الرئيسيين فى البلاد، والرئيس باراك أوباما يلوم بشكل مباشر الجمهورى جون باينر رئيس مجلس النواب الذى أخذ عليه عدم الرغبة فى إغضاب المتطرفين فى حزبه، الذين يحولون دون التوصل إلى اتفاق فى الكونجرس حول الموازنة، إلا إذا تمت الموافقة على طلبهم بإلغاء أو تعديل قانون «أوباما كير» للتأمين الصحي. لكن الرئيس يرفض أى مساس بقانون الإصلاح الصحى الذى عمل جاهداً لإقراره.
كما هدد هؤلاء النواب بربط هذه المسألة بمسألة رفع سقف الدين الذى يجب أن يتقرر قبل 17 أكتوبر الجاري. وفى حال عدم موافقة الكونجرس على رفع سقف الدين قبل هذا الموعد ستكون سابقة تاريخية تهدد العالم بأزمة مالية طاحنة انعكاسا للحالة الأمريكية. ويتمتع الكونجرس بصلاحية رفع سقف ديون الولايات المتحدة البالغة حالياً 16700 مليار دولار، لكن الغالبية الجمهورية فى مجلس النواب ترفض ذلك فى خضم معركتها مع إدارة الرئيس باراك أوباما حول الموازنة الأمريكية.
تقول وزارة الخزانة الأمريكية فى تقرير: إنه فى حال تخلف الولايات المتحدة عن السداد، فإن سوق التسليف قد يتجمد وقيمة الدولار تنخفض وأسعار الفائدة الأمريكية تصعد بقوة ما يقود إلى أزمة مالية وانكماش يذكران بأحداث 2008 إن لم يكن أسوأ.
امتداد آثار هذه الأزمة الأمريكية الداخلية إلى العالم أمر حتمي، لأن أمريكا ليست بلدا عاديا وترتبط عملات كثير من بلدان العالم بالدولار، مما سيؤثر على اقتصاديات هذه البلدان ومنها مصر بالسلب.
وفى هذا السياق يقول الرئيس الأمريكى باراك أوباما «إذا رفض الكونجرس منح الولايات المتحدة القدرة على دفع ديونها فى مواعيد استحقاقها فقد يكون لذلك عواقب كارثية على الاقتصاد العالمى كله.. لا يمكن لأسرنا وشركاتنا تحمل هذه اللعبة الخطرة مجدداً. واعتبر رئيس البنك الأوروبى فى باريس، أن الشلل الذى اعترى الميزانية فى الولايات المتحدة أو إغلاق الحكومة الفيدرالية سيشكل خطراً على الولايات المتحدة والعالم إذا ما استمر».
ومن المتوقع أن تتأثر اقتصاديات دول المنطقة (وعلى رأسها الدول الخليجية) نتيجة ارتفاع الانكشاف على الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الأربع الماضية، وبلغت قيمة الاستثمارات المُباشرة فى أدوات الدين الأمريكى للدول الخليجية بحدود 270 مليار دولار أمريكى ودول مثل الصين بلغت أكثر من 1.2 تريليون دولار أمريكى واليابان بحدود 1.15 تريليون دولار أمريكى والبرازيل أكثر من 240 مليار دولار أمريكى وتايوان أكثر من 200 مليار دولار أمريكي.
وقد بلغت استثمارات دول العالم مجتمعة (دول ومؤسسات مالية وبنوك وصناديق تقاعد واستثمار) فى أدوات الخزانة المالية الأمريكية أكثر من 5.5 تريليون دولار أمريكى لتشكل أكثر من 35 فى المائة من نسبة الدين العام الأمريكى بشكل مُباشر، وبشكل غير مُباشر أكثر من 25 فى المائة (من خلال الإيداعات فى البنوك الأمريكية والاستثمارات فى شركات الاستثمار والصناديق الأمريكية) مما يعنى أنه هنالك أكثر من 60 فى المائة من المديونية الأمريكية تم تمويلها وشراء أدواتها المالية من خلال تلك الدول والصناديق والبنوك التجارية والاستثمارية خارج أمريكا (بشكل مباشر)، ومن داخل أمريكا (بشكل غير مباشر).
سوف يكون التأثير كبيراً على تلك الدول وخصوصاً الدول النفطية العربية منها بسبب تركز الاستثمارات العربية الخليجية فى أدوات الدين والاستثمار الأمريكية حالياً وتاريخياً، على الرغم من وجوب وجود خطط تحوط مالى لتلك الدول والصناديق الاستثمارية والسيادية لمواجهة تلك الحالات والاحتمالات والتى كانت متوقعة ومعروفة لغالبية المحللين والاقتصاديين.
يعد الاقتصاد الأمريكى أكبر اقتصاد بالعالم، ما يعنى أنه عندما يتأثر سلبًا فإنه يؤثر فى النمو الاقتصادى العالمي، وبالتالى تتأثر المنطقة العربية حتمًا. الجميع يرى أزمة الموازنة وتوقف عمل الحكومة الفيدرالية بشكل جزئى أمر حدث فى السابق، ولا مشكلة فى أن يحدث، لكن المشكلة الحقيقية والكبرى هو أن تتعثر الولايات المتحدة فى سداد ديونها.
وعدم حل الأزمة سيجعل تعثر أكبر اقتصاد فى العالم حتميا منذ 17 أكتوبر، وساعتها فمن المتوقع أن تصل الأسواق لمرحلة طوارئ، وأن تضطر اليابان والصين لبيع سندات، لكن لن يكون الوضع فى صالح من يملك تلك السندات بفعل ما يحصل بسبب الخلاف المحتدم حول الميزانية.
وهذا التأثير يمتد مداه إلى أبعد مما هو اقتصادى فقط بل سيتأثر العالم سياسيا وأمنيا أيضا. فعدم إقرار الموازنة أو ضعفها، سينعكس على المعونات الأمريكية للخارج من جهة، وموازنة وزارة الدفاع والقواعد العسكرية فى الخارج من جهة أخرى.
أيضا أزمة الميزانية الأمريكية المعطلة تقود بدورها إلى إضعاف أدوات الدبلوماسية الأمريكية مع العالم، وتصيب إدارة أوباما بشلل حقيقى فيما يتعلق بقدرتها على تبنى خيارات عسكرية فى أزمات ساخنة مثل الأزمة السورية، وقضية الملف النووى الإيرانى وكلها قضايا متعثرة أصلاً.
تعليق الخطط العسكرية ضد سوريا وإيران
شهدت العديد من دول العالم الكبرى فى السنوات الأخيرة أزمات مالية طاحنة، الأمر الذى بات يشكل ظاهرة مثيرة للاهتمام، خاصة إذا كانت أمريكا الآن فى مقدمة هذه الدول التى تتكرر بها أزماتها المالية وعلى رأسها الأزمة التى اشتعلت الثلاثاء قبل الماضى، بسبب الخلاف على الموازنة، وتعنت الجمهوريين المعارضين لأوباما، ورفض الكونجرس التصويت على مشروع الميزانية الذى اقترحته الحكومة،
وكذلك رفض مجلس الشيوخ مشروع القانون المالى الذى قدمه مجلس النواب لتأجيل البدء بتطبيق ما يعرف بمشروع «أوباما كير» المتعلق بتوفير الرعاية الصحية ل40 مليون أمريكى -وهو أحد أهم وعود أوباما الانتخابية، وهو الامر الذى أدى إلى إغلاق المكاتب والدوائر الحكومية الفيدرالية واصابة البلاد بشلل اقتصادى نتيجة تعطّل حوالى 800 ألف موظف لم يعد يتوافر لهم اجور وحرمان أكثر من 800 ألف أمريكى من خدمات التأمين الصحى،،
وكون أمريكا القوى العظمى بالعالم، والقوة الاقتصادية الهائلة التى تتحكم فى صناديق التمويل الدولى كصندوق النقد والبنك الدولى تمر بأزمة مالية على هذا النحو، فهذا يعنى ان أمريكا تواجه كارثة حقيقية، تهدد قوتها ليس الاقتصادية فقط بل تمتد اثارها الى الجوانب السياسية، لتطول الكيان والنفوذ الأمريكى فى العالم، بجانب تأثيراتها السلبية على دول الشراكة والصداقة، وفى مقدمتها مجموعة الاتحاد الأوروبى ودول اسيا، حيث ستفقد أمريكا مصداقيتها وقدرتها على إدارة الأزمات مع ظهور فشلها على هذا النحو فى ادارة ازمتها المالية والخروج منها.
وستمتد آثار الأزمة السلبية لتهدد الاستقرار الاقتصادى والسياسى للدول التى تشملها أمريكا برعايتها أو تقدم لها المعونات، أو حتى الدول التى كانت أمريكا تخطط لقمعها أو توجيه ضربات عسكرية اليها على غرار سوريا وإيران، حيث بات الموقف المالى الأمريكى الصعب، لا يمكن معه اتخاذ أى قرارات أو خطوات عسكرية خارجية تكلف أمريكا مزيدا من الموازنات المالية والأعباء، وهو ما سيدفع أمريكا خلال الفترة المقبلة الى انتهاج سياسة النفس الطويل والبقاء فى أروقة الحوار السياسى والتراجع عن التلويح بالتهديدات أو الضربات العسكرية، وهو الامر الذى تم بالفعل رصده، فقد بدأت لهجة أمريكا تجاه سوريا وبشار الأسد تتغير، بل وخرجت أصوات أمريكية الآن تشيد باستجابة الأسد وتعاونه مع مبادرة إخلاء سوريا من الاسلحة الكيماوية واخضاعها للتفتيش الدول ومنظمة حظر الأسلحة الكيماوية، وهو تغير امريكى كبير عما كانت عليه الشهر الماضى قبل تفجر أزمتها المالية، حين كانت واشنطن تلوح بضربة عسكرية وتحشد الرأى العام العالمى لدعمها عسكريا ولوجستيا فى هذا المخطط.
وكما حدث فى الملف السورى، بدأت واشنطن أيضا تراجعا ملحوظا فى لهجتها المعادية تجاه إيران، بل ولأول مرة جرت اتصالات هاتفية بين الرئيس الإيرانى حسن روحانى وأوباما بصورة مباشرة حول الملف النووى للاتفاق على العمل لحل المشكلة النووية التى تتمسك فيها إيران بحقها فى التطور النووى وترى أمريكا أنها تشكل تهديدا نوويا للعالم ومسعى لامتلاك السلاح النووى، وكان هذا الاتصال الهاتفى بين روحانى وأوباما نهاية الشهر الماضى هو الأول من نوعه بين رئيس أمريكى ونظيره فى إيران منذ عام 1979، أى منذ قيام الثورة الخومينية الإسلامية، وقد خفت بالتالى حدة الهجوم الأمريكى تجاه طهران لتشهد تراجعا ملحوظا، وتصبح أكثر ميلا إلى الحوار السياسى لإنهاء الأزمة النووية الإيرانية، أو على أقل تقدير إرجاء احتمالات المواجهة العسكرية إلى أجل غير مسمى، حتى تتمكن أمريكا من التقاط أنفاسها واستعادة نفسها ماليا واقتصاديا، لتقف من جديد فى مواجهة الدول التى تعتبرها مارقة.
ولم يشهد الموقف الأمريكى مع سوريا وإيران تراجعا فى حدية اللهجة، ومرونة فى التواصل فقط، بل أصبح الآن موقف أمريكا عالميا يتخذ صورة جديدة مع أزمتها المالية، لا سيما صورتها فى الشرق الأوسط أو بين الدول الخليجية والعربية، والتى تتمتع فيها أمريكا بنفوذ كبير، يصل الى درجة الشراكة السياسية فى بعض الاحيان، لشدة الإملاءات والتدخلات الأمريكية السياسية فى سياسات العديد من الدول العربية والخليجية، لذا سترصد الأشهر القادمة نوعا من الخروج عن طاعة أمريكا، فى المنطقة العربية، خاصة اذا لجأت أمريكا الى طلب المساعدات الخليجية أو العربية سرا لاستعادة موقفها المالى وتجاوز أزمتها، هذا إن لم تبادر الأموال اليهودية لتقديم العون، وانتشال الإدارة الأمريكية من أزمتها بضخ المزيد من رؤوس الأموال والايداعات البنكية، والمشروعات الاستثمارية لانعاش الحالة الاقتصادية المتردية.
لقد وضعت الأزمة المالية أمريكا فى موقف حرج، واصبح تقييمها من قبل دول آسيا وأوروبا الغنية، بأنها دولة تفتقر الى الخطط الوقائية لتجنب الأزمات المالية الداخلية ومنع تداعياتها الخارجية، فقد فقدت أمريكا فى تصور هذه الدول القدرة الاستراتيجية الاقتصادية وهذا له آثار سياسية سلبية، وفقدت أيضا قدرتها على التنبؤ بالكوارث والأزمات المالية قبل حدوثها، وبالتالى الحد من آثارها السلبية خاصة أن الأمر الحالى لا يمكن فصله عن كونه أزمة الرأسمالية والعولمة، وربما تشكل الأزمة الأمريكية الحالية، فرصة سانحة لمناهضى العولمة وأدواتها لإثبات ما يعتقدونه من فشل هذه التجربة حتى فى أكبر الدول قوة واقتصادا وهى أمريكا.
يضاف إلى ذلك تأثر موقفها سلبا مع الاتحاد الأوروبى، حيث تعد مجموعة الاتحاد شريكا سياسيا قويا لأمريكا وأيضا شريكا تجاريا وفى مجالات الاستثمار، واهتزاز أمريكا فى أزمتها، سيؤدى الى تراجع الموقف الأوروبى وتعاملاته المالية معها، من ناحية وإعادة النظر فى مشروعات التعاون والمشروعات المشتركة، ومن ناحية أخرى إفلات الاتحاد الأوروبى من التبعية لواشنطن، خاصة فى مواقفها السياسية تجاه الشرق الأوسط وقضية السلام، والتعامل مع دول ثورات الربيع العربى، فمما لا شك فيه أن قوة تأثير التعاملات الاقتصادية والتجارية والمالية بين الدول، تعد من أهم محكات المصالح وأيضا الارتباط والتوافق السياسى لتسيير هذه المصالح.
كما ستؤثر الأزمة الأمريكية وتنتشر كالعدوى لتشمل دولاً أخرى (نامية ومتقدمة) كنتيجة للانفتاح الاقتصادى والمالى الذى تشهده الدول واندماجها فى منظومة التجارة العالمية، ولتطرح الأزمة تساؤلا حساسا وهاما، وهو هل بات العالم على أعتاب أزمة عالمية جديدة؟، فمعروف أن أمريكا بلد له مكانته وقوته العالمية وترتبط عملتها الدولار بقيمة عملات العديد من دول العالم، وهذا سيعنى ان تأثير الأزمة الأمريكية سيتجاوز مداه الاقتصادى ليمتد إلى دول العالم سياسيا بل وأمنيا، فكما سبق القول ستنعكس الأزمة سلبا على المعونات الأمريكية للخارج وعلى وموازنة وزارة الدفاع والقواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة فى الخارج، لتؤدى الى اهتزاز هذا التواجد أو على الأقل خلخلته وتقليصه توفيرا للنفقات، ومن هنا ستشهد المرحلة القادمة نوعا من التراجع الأمريكى العسكرى لدى دول العالم، ونوعا من الانكماش فى النفوذ السياسى والسطوة لدى الدول خاصة النامية التى ستتأثر سلبا بتقليص أو حجب المعونات الأمريكية، فالمعونات هى دوما الطريق الأول للنفوذ وفرض الاشتراطات والتداخلات السياسية الأمريكية لدى الدول خاصة النامية، لذا من المؤكد أن هذه الأزمة ستضعف أدوات الدبلوماسية الأمريكية مع العالم، وتصيب إدارة أوباما بشلل حقيقى فيما يتعلق بقدرتها على تبنى خيارات عسكرية فى أزمات ساخنة مثل الأزمة السورية، وقضية الملف النووى الإيرانى.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.