المتسولون حولوا الشهر الكريم إلى موسم جنى الأموال.. والحصيلة آلاف الجنيهات يومياً فى رمضان تصفد الشياطين، ولكن ينطلق المتسولون فى كل مكان لاستغلال موسم «الشهر الكريم».. ظاهرة متجددة كل عام، ولا جديد فيها يذكر، غير أنها ما زالت تؤرق الكثير من المواطنين، إنها أزمة التسول التى تزداد قبحاً يوماً بعد آخر، وتصير فى رمضان «التريند الأول» فى الشوارع والمواصلات والقنوات الفضائية ووسائل «السوشيال ميديا». متسول فى الحسين يطلب الصدقة بالدولار.. ومتسولة جمعت 6 ملايين جنيه من أهالى الشرقية.. وانتقلت إلى القاهرة الجديدة تطلب حسنة من المارة! فالمتسولون حولوا شهر رمضان من شهر الرحمة إلى شهر جمع الحصيلة، خاصة بعدما صارت «الشحاتة» مهنة، التحق بها الكثيرون، وأغلبهم يعملون ضمن مجموعات منظمة. الغريب فى الأمر أنه رغم وجود أزمة اقتصادية يعانى منها الجميع، ولكن ما زال المتسولون يجمعون ملايين الجنيهات يومياً، لدرجة أن متسولاً فى منطقة الحسين يرفض أن يأخذ الصدقة بالجنيه المصرى ويريدها بالدولار! ولم يعد التسول يقتصر على انتشار المتسولين فى الشارع، بل تطور مع تطور التكنولوجيا وأصبح يأخذ الشكل الإلكترونى، حيث يستخدم الكثير من المتسولين وسائل التواصل الاجتماعى لاستجداء عطف رواد مواقع التواصل، ورصدت «الوفد» متسولة تقوم بكتابة جملة فى العديد من «جروبات فيس بوك» بغرض جمع الأموال تقول فيها: «محتاجة ألف جنيه وأسد كل شهر خمسين جنيهاً وبأى ضمانات وحياة لا اله لا الله مفيش جنيه فى جيبى عيالى هتموت من الجوع فك الله كربكم بحق الأيام المفترجة». فى الشوارع ووسائل المواصلات والفضائيات و«السوشيال ميديا» ورغم أن قوات الأمن تطلعنا يوميا عن أعداد المقبوض عليهم من المتسولين وبحوزتهم ملايين الجنيهات، فإن المصريين ما زالوا يتعاطفون معهم ويغدقون عليهم بالأموال! وكشفت الأجهزة الأمنية عن ضبط سيدة كانت تستجدى المارة فى إحدى مناطق القاهرة الجديدة طالبة مساعدتها، وتبين قيامها بالنصب والاحتيال على المواطنين بمحل سكنها بمحافظة الشرقية والاستيلاء على مبالغ مالية منهم بلغت نحو 6 ملايين جنيه بدعوى توظيفها لهم فى مجال تجارة الأدوات الكهربائية وفرت هاربة ومحكوم عليها فى 35 قضية نصب! «الوفد» تواصلت مع جهاز الإحصاء للكشف عن عدد المتسولين فى جميع المحافظات، ولكن الجهاز أكد أنه ليس هناك إحصائية بذلك، ولكن هناك دراسات غير رسمية تؤكد أن المتسولين يزيد عددهم على ثلاثة ملايين متسول، بعضهم احترف الأمر، فجعلها مهنته رغم أنه ميسور الحال أو على الأقل مستور! ويقول خالد اسماعيل، الخبير الاقتصادى، وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسى والاحصاء والتشريع: ما لا شك فيه أن ظاهرة التسول فى تنامٍ خاصة خلال شهر رمضان المعظم، ففى معظم الشوارع والميادين والمساجد ووسائل المواصلات، تجد متسولين يسألون الناس: «حسنة». وأضاف: «التسول يتمثل فى ادعاء البعض احتياجات ومشاكل غير حقيقية من أجل اكتساب عاطفة الناس لدفع المال، ويلجأ المتسول لهذا الأسلوب كطريق سهل لكسب الأموال، فمنهم من يدعى المرض ويحمل تقارير طبية ومعظمها غير حقيقية ومنهم من يستغل الأطفال فى التسول، وآخرون يدعون أنهم على سفر وليس معهم نقود !.. وغيرها وغيرها. وتابع: «الغريب هو أن معظم المتسولين يجعلون من التسول مهنة، لما تدره عليهم من أموال كثيرة، وهؤلاء لا يقبلون العمل فى أى حرفة أو مهنة لأن التسول يحقق لهم دخلاً ضخماً لن يحققوه فى غيره، ولكن هذا لا يمنع من وجود أشخاص يحتاجون المساعدة المالية بالفعل. وأكد «إسماعيل» أن التسول له آثار سلبية ضخمة تضر بالمجتمع، حيث يلجأ بعضهم لخطف الأطفال لاستغلالهم فى التسول بخلاف الصورة غير الحضارية التى يعكسها انتشارالمتسولين فى إشارات المرور والأماكن العامة، والسياحية. وقال: «يجب أن تتكاتف جميع الجهات لمواجهة ظاهرة التسول بداية من نشر الوعى لدى الجميع وبكافة وسائل الإعلام بخطورة دفع أى أموال للمتسول خاصة أن هناك العديد من الأسر التى تحتاج فعلاً للمساعدات، مع ضرورة إيجاد الحلول لمد يد العون للأسر الفقيرة والمعدمة حتى لا يضطر بعضهم للتسول». وتابع: «بجانب دور الدولة نؤكد المسؤولية المجتمعية للشركات بتوفير فرص العمل المناسبة، أما الجمعيات الأهلية فيجب التنسيق فيما بينها للعمل سواء للمساعدة لإيجاد فرص عمل للعاطلين من جهة وأيضاً إيصال المساعدات لمن يستحقها، مع ضرورة تفعيل دور الشرطة فى القبض على من يمتهنون التسول وتكون هناك عقوبات رادعة لعدم الرجوع للتسول. شخصية مضطربة ويقول الدكتور جمال فرويز استشارى الطب النفسى، إن المتسول شخصية مضطربة معادية للمجتمع ولديه حالة من اللامبالاة، فالمتسولون يستخدمون توسلاتهم لجمع أموال ضخمة، وما لا ينتبه إليه الكثيرون هو أن هناك شبكات عصابية تمارس التسول بشكل جماعى، فتطلق المتسولين فى أماكن معينة وبشكل منظم ومرتب وكأن هناك غرفة عمليات تنظم عملهم». وأضاف: «فى شهر رمضان شهر البركة والخير والصيام تسمو الحالة الإيمانية عند الغالبية العظمى من المصريين ويسارعون فى فعل الخيرات، وهو ما يمثل فرصة ذهبية للمتسولين لزيادة ما يجمعونه يومياً». وتابع: لم يعد التسول مقصوراً على الطريقة القديمة المعتادة بل انتشرت طرق جديدة للتسول بعضها يكون عبر إعلانات تليفزيونية أحياناً، مطالباً أجهزة الدولة بتكثيف حملاتها للحد من انتشار المتسولين، كما يجب مراجعة كل الإعلانات التى تدعو للتبرع وجمع الأموال، ومتابعة الأموال التى يجمعونها، موضحاً أن إحدى الجمعيات كانت تجمع أموالاً على «حس الفقراء»، اتضح أن المسئولين عنها اختلس كل منهم سبعة ملايين جنيه من أموال التبرعات، مطالباً الدولة بإنشاء صندوق موحد للتبرعات يقوم على شخصيات نثق فى نزاهتها، بحيث كل من يريدون التبرع يذهبون لتلك الصندوق، والصندوق يصرف على المستشفيات والجمعيات التى تحتاج للتبرعات. الخبراء: تشوه سمعة مصر.. والسياحة والاقتصاد القومى أكبر ضحاياها وقال الدكتور ياسر حسين سالم، الخبير الاقتصادى، إن ظاهرة التسول من الظواهر السلبية الخطيرة والضارة واسعة الانتشار، فرغم أنها محرمة دينياً ومجرمة بحكم القانون، ولكن يلجأ المتسولون إليها رغبة فى الثراء السريع دون اى مجهود، وهناك إحصائية أجراها برنامج الاممالمتحدة الانمائى عن التسول جاءت فيها مصر فى المركز الثانى عربياً بعد المغرب فى عدد المتسولين بينما جاءت الجزائر فى المركز الثالث، وقدرت الاحصائية التى تمت عام 2019 أن عدد المتسولين فى مصر يقدر بعدد 41 ألف متسول. وأوضح «سالم» أن المتسول يلجأ الى المكر والحيلة عن طريق استغلال الناس الطيبين فيستغل ميولهم الى فعل الخير، فيعمد المتسولون الى استخدام كافة الوسائل أو الحيل التى تمكنهم من جمع أكبر قدر من المال دون بذل اى مجهود، والظاهره تطورت من التسول التقليدى فى الشوارع وفى إشارات المرور ووصلت الآن الى التسول الإلكترونى عبر وسائل التواصل الاجتماعى وعبر الانترنت من خلال التسول التقنى والتسول التكنولوچى والتسول الأون لاين عبر النت وعبر الشات. مطالبات بإنشاء صندوق موحد لتلقى تبرعات المصريين يتولى الإنفاق على الأسر الفقيرة والمحتاجين والمستشفيات وأضاف: «ظاهرة التسول سواء التقليدى أو الإلكترونى تتواجد فى اغلب المجتمعات الإنسانية، فالظاهرة موجودة فى الدول الغنية والفقيرة، منذ قرون عديدة حتى وصلنا الى العصر الحديث فأصبحت حرفة ومهنة ولها عصابات ومافيا فى الشوارع وعبر شبكات التواصل الاجتماعى المختلفة من خلال الانترنت والشات». وتابع: «القضاء على التسول هو قضية المجتمع كله، فيجب أن يهتم المجتمع كله فى القضاء على التسول ومواجهته والحد منه باستمرار وأن تتكاتف جهود الدولة فى توفير حياه اجتماعية وصحية افضل للمواطنين ومحاولة ان تكون دائماً الاجراءات الاقتصادية يستفيد منها الفئات الأكثر احتياجاً من اجل القضاء على الفقر، ونشر الوعى الدينى بقيمة العمل شرف وهى افضل الوسائل لمواجهه تلك الظاهرة الخطيرة. وأشهر متسولة على «السوشيال ميديا» تطلب ألف جنيه.. «حسنة قليلة تمنع بلاوى كتيرة» وأكد «سالم» أن التسول هو نتاج للفقر والجهل وقد يكون نتاج مرض أو وراثة والتسول عموما سواء كان تسولاً تقليدياً مباشراً او تسولاً إلكترونياً أون لاين، فإنه يشكل أضراراً خطيرة، أولها أنها تسبب تشويهاً خطيراً للشكل العام للدولة وتشويهاً للمجتمع ككل، وهو ما يجعل منها طاردة للاستثمار الأجنبى، كما أن التسول مظهر سيئ أمام السائحين وظاهرة منفرة للسياحة وضارة باقتصاديات البلاد، فضلاً عن أنها تعيق حركة المرور وتؤدى الى الحوادث، كما أنها تمثل قمة عمليات الاستغلال والابتزاز، فضلاً عن أنها ترتبط بجرائم اخرى مثل التشكيلات العصابية وجرائم خطف الأطفال، والتسول مرتبط بالتسرب من التعليم وبانتشار المخدرات، والمال الذى يتم جمعه من التسول فى الغالب يتم اكتنازه ولا تستفيد منه الدولة أو المجتمع أى فائدة. استشارى نفسى: عصابات تمارس «الشحاتة» بشكل منظم