ليس هذا الكتاب الأول عن القرآن فى مصر، لكنه الأول الذى يتوقف عند علاقة العظماء السبعة لدولته بالموسيقى، ويرصد ويحلل أصوات: محمد رفعت ومصطفى إسماعيل وعبدالباسط عبدالصمد ومحمد صديق المنشاوى ومحمود على البنا وخليل الحصرى ومحمد محمود الطبلاوى، مع حفظ الألقاب والمقامات، ومن خلال متخصصين وأساتذة للموسيقى نتعرف على مساحات أصواتهم ومدى قوتها ونوع طبقاتها، وعلى المقامات التى برعوا فيها، وعلى علاقتهم الشخصية بالموسيقى ونجوم الطرب.. ونتصور أنها منطقة جديدة نتمنى أن تكون إضافة حقيقية لما سبق من كتب ودراسات عن مدرسة القرآن فى مصر ونجومها وسلاطينها.هكذا قال الكتب الكبير أيمن الحكيم عن مؤلفه الذى صدر تحت عنوان: «مزامير القرآن.. العظماء السبعة لدولة التلاوة». وقد شاءت إرادة الله أن تتصدر مصر دولة إقراء القرآن الكريم منذ القرنين الثالث والرابع عشر الهجريين، وتربع قراؤها على عرش الإقراء والقراءة، ولمع فى هذين المجالين أعلام بررة، وقد برز من مصر مشاهير القراء الذين ملأوا الدنيا تلاوة خاشعة وقراءة تأخذ بالألباب، مع جمال فى الصوت وحسن فى الأداء، وتمثل للمعانى، وحضور فى القلب فتسمع القرآن وهو يتلى فتنساب آياته إلى قلبك، وتحيا معانيه فى نفسك، كأنك تحيا فيه أو يحيا هو فيك، وحسبك أن يكون من بين هؤلاء الأعلام الشيخ محممد رفعت ومصطفى إسماعيل وعبدالفتاح الشعشاعى وأبو العينين شعيشع وعبدالعظيم زاهر ومحمود خليل الحصرى وصديق المنشاوى وكامل يوسف البهتيمى وعبدالباسط عبدالصمد. وقد أثرت طريقة أداء هؤلاء فى قراء الدنيا شرقًا وغربًا، فقلدوهم فى التلاوة وطريقة الأداء وتطريب الصوت مع الاحتفاظ بأصول القرءاة. ويجيء كتاب «الحكيم» ليؤكد أن مصر هى عاصمة دولة التلاوة وأن مدرسة القرآن المصرية كانت ومازالت هى الأولى والأهم والأشهر والأكثر نفوذًا وتأثيرًا بكل ما تتفرد به من بصمة خاصة فى فن الأداء، وما تتميز به بالحفظ التام والتمكن وحلاوة الصوت الذى يصل بالمعانى إلى شغاف القلوب. يقول الكاتب أيمن الحكيم بين دفتى كتابه: لم تكن مدرسة القرآن المصرية، وما قدمته من إبداعات فى الأداء النغمى للآيات السماوية، بدعة استحدثها المقرئون المصريون، بل الثابت أن «التغنى» بالقرآن أمر أقره النبى وحببه وحبذه واستحسنه ودعا إليه، وفى صحيح البخارى يمكنك أن تقف على أحاديث صحيحة، شاع اثنان منها: «ليس منا من لم يتغن بالقرآن» و«زينوا اقرآن بأصواتكم»، كما شاعت واقعة إعجاب النبى بصوت أبى موسى الأشعرى عندما سمعه يقرأ القرآن بطريقة إعجاب النبى بتلاوة عبدالله بن مسعود، بكل ما كان فى صوته من حنان وخشوع، وفى تلاوته من عذوبة وجمال، ففاضت دموعه تأثرًا من تلك الآيات من سورة النساء وعليه قد أنزلت. ما توارثه المصريون فى جيناتهم من مزاج «موسيقي»، فالموسيقى فى حضارتهم القديمة كانت طقسًا يوميًا أساسيًا لا غنى عنه، يصاحبهم فى أفراحهم وأحزانهم، فى احتفالاتهم بقدوم المولود الجديد وفى وداع الفقيد الراحل، فى غيطانهم وقت الحصاد وفى معابدهم وقت الصلاة، وكانت هناك طبقة من الكهنة تسمي «الكهنة المرتلون» وهؤلاء كما يشير الباحثون كانوا يمتلكون القدرة على حفظ النصوص منذ صغرهم فى مدارس ألحقت بالمعابد تشبه الكتاتيب فى قرى مصر فيما بعد، فنحن إذن أمام شعب «فنان» بطبعه مثلما هو متدين بطبعه، ومن ثم كان من الطبيعى أن يكون احتفاؤهم عظيمًا بذلك الكتاب المقدس، المفعم بالبلاغة والموسيقى والعذوبة. كتب هذا شأنه، وشعب هذه صفته، فمن المؤكد أن يكون الناتج مدرسة متفردة فى قراءة القرآن، ظهرت وسطعت وانتشرت ورسخت وترسخت وصنعت نجومًا وأساطير من المقرئين على امتداد أجيال متعاقبة، وجعلت من القاهرة العاصمة الرسمية لفن التلاوة. وفى مدرسة القرآن المصرية أنت أمام حالة خاصة من فن الأداء والسماع، وأما عن فن الأداء فالحديث عنه يقتضى أن نعود إلى أصحاب المدرسة وآبائها ومؤسسيها العظام. موضوع الكتاب خصصه المؤلف الكاتب الكبير أيمن الحكيم لعظماء سبعة من عمالقة دولة التلاوة وفصوله لمشايخنا محمد رفعت، مصطفى إسماعيل، عبدالباسط عبدالصمد، محمد صديق المنشاوى، محمود على البنا، محمود خليل الحصرى، محمد محمود الطبلاوى، فإننا بإزاء اختيارات لا خلاف عليها من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنها كانت صاحبة البصمات الأبرز والأوضح، وهى التى صنعت شهرة مدرسة القرآن المصرية، وتستحق أن نقف أمام تلك المواهب الاستثنائية. ويطرح المؤلف تساؤلًا مهمًا: ما الذى يميز تلك المدرسة على مستوى الأداء؟.. الإجابة يمكن أن يوجزها المؤلف فى عبارة بليغة ألا وهى: إنها مدرسة التعبير الفنى الذى يتجلى فيه جمال القرآن وجلاله وأسراره.