تخطو خطواتها قاصدة قاعة جلسات محكمة أسرة زنانيري، إنها «شيماء» صاحبة الثلاثين ربيعًا برفقة ابنتها التى لم تكمل عامها الخامس بعد، فى انتظار بدء نظر طلب منحها الولاية التعليمية، وبدت علامات التعب والملل على ملامح السيدة وابنتها من طول الانتظار، ومع ذلك حاولت كل منهما مقاومتها بطريقتها الخاصة، فالصغيرة انشغلت باللعب، ووالدتها أخذت تتصفح كومة من أوراق، وتستقبل ذكريات زواج انتهى بعد عامٍ واحد بسبب جفاء زوجها وإهماله لها بحسب روايتها. تأخذ الزوجة الثلاثينية نفسها بعمق لتبدأ فى سرد حكايتها: «كان زوجى فى أيام الخطوبة نموذجًا للرجل ذى الشخصية القوية والرومانسية، التى لا تراها سوى فى الأفلام العاطفية، أو تسمع عنها فى الحكايات الخيالية، وربما قلبى المريض بحبه وقتها هو من صوَّر لى ذلك، فكان بمجرد أن ينهى مكالمتنا الهاتفية حتى يباغتنى بعدها بدقائق بمكالمة أخرى، ويُلقى على مسامعى كلمات العشق والغرام، رغم أن معظم الوقت كُنَّا نقضيه سويًا، وذلك بحكم عملنا بمصنع واحد، وكان دائمًا يهادينى بباقة من الورود، ويحدِّثنى بأننى الملكة الوحيدة المُتوَّجة على عرش قلبه، ويصطحبنى فى نزهة من فترة لأخرى، ولا أتذكر أنه قد نسى مناسبة لى قط، ولم يكن يرُد لى طلبًا. تلوح على وجه الزوجة الخمرى ابتسامة حزينة وهى تواصل روايتها: لكن بعد الزواج لم يعد زوجى يتذكر أيَّة مناسبة تخصني، وبات يبخل عليَّ بكلمات الحب والمكالمات التى كان معتادًا عليها أيام الخطوبة، حتى ونحن معًا كان شحيح الكلام، وبدأت أصطدم بوجهه الخاضع طوال الوقت لأوامر أهله، الذين كانوا يمسكون بزمام أمره على عكس ما كان يظهر لى سابقًا، ويُحرِّكونه كما يشاءون، ويُحدِّدون لنا معالم حياتنا، ويتدخلون فى أدقِّ تفاصيلها، وماذا نأكل ومتى ننام وكم ننفق، حتى الأنفاس كنت أشعر بأنهم يحصونها علينا، وبعدما ضاق بى الحال تحدثت إليه عن سبب تغيره والجفاء الذى حلَّ به، والملل الذى أصابه والبرود الذى بات يسكن كل أفعاله ولمساته لكنى لم أجد إجابة شافية عنده». تداعب الزوجة شعر ابنتها المجدول وهى تنهى روايتها: «بدأت المشاكل تحاوطنا، ولا ينقطع صوت الشجار من بيتنا، بسبب تدخلات أهله وصمته على تطاولهم عليَّ واستباحتهم لمتعلقاتى الخاصة، وانتهاكهم لحرمة بيتي، وبدأ صبرى ينفد، ولم أعد أتحمل تجاهل زوجى لمشاعرى وطبيعتى الرومانسية واستسلامه أكثر من ذلك، وتركت له البيت عائدة إلى منزل أهلي، وأصررت على طلب الطلاق، وبعدها حاول زوجى أن يصلح ما أفسده، وأن يعيدنى إليه، وحفاظًا على مستقبل الطفلة عدت إليه، لكنى فوجئت أنه جرد البيت من أثاثه حتى صنابير المياه، فشعرت بالغدر، وجددت طلبى بالطلاق، وبالفعل انفصلنا بعد معاناة، وتوليت أنا رعاية ابنتى التى تعانى الآن بسبب غياب والدها عنها، وربما كان عليَّ أن أتنازل من أجلها.