شهد الزمان إنساناً ذهب عقله وفسد ذوقه وتلذذ بالخبيث وتمتع بمشاهدة الظلم والذبح وبكاء الثكالى والأطفال وتملكته شهوة الطمع والمال والاستحواذ وأكل أموال الناس بالباطل وفقد الإحساس بحاسة الشبع مهما أكل مما لذ وطاب ولا يسترضيه غالٍ أو رخيص ووصل الأمربه إلى الشذوذ والخروج عن طبيعة الأشياء وصارت الشجاعة تعنى لديه الهمجية والاستيلاء على حقوق الغير.. وحتى يؤكد حقيقة غياب عقله أدمن شرب الخمر ورفع الظلم شعارا له.. وكان يساوم على تحقيق العدل كما يحلو له مثل عرض السلعة للبيع أو الشراء. وما تقدم هو جزء مما وصل إليه الإنسان فى القرن السادس الميلادى حيث أصبح الانحلال الاجتماعى سمة الدول والمجتمعات وشاعت الرذيلة وفرضت الضرائب المجحفة على عامة الناس دون غيرهم. ووصل من جنون الإنسان فى هذه العصور ان يتزوج من محارمه ويصبح تقليداً وشرفا وهو ما حدث فى دولة الفرس أما فى الصين فكان يعتقد أن ملكهم الإمبراطور ابن السماء وأن السماء هى الذكر والأرض أنثى.. ومن شدة ظلمه لنفسه فى دولة الروم أقام المصارعة بين الرجل والنمر أو الأسد حتى أن هناك حيوانات انقرضت بسبب كثرة استخدامها فى هذه اللعبة الشاذة. أما فى شبه الجزيرة العربية فقد كان الرجل يدفن طفلته على قيد الحياة وذنبها أنها ولدت بنتاً. وصار الإنسان فى كل مكان يعبد الأصنام والحمار والجن والنار حتى عبد ذاته وأخذ إنسانا إلها واتبع هواه.. فأفسد فى البر والبحر وقضى على معانى الأخلاق والفضيلة والعدل والرحمة والحكمة. حتى بعث الله الحبيب محمداً صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين ونادى فى الناس «يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» فكان خطابه للضمير الإنسانى ولذلك بعثه الله للناس كافة ليخرجهم من الظلمات إلى النور.. ولكن رموه بالجنون واتهموه بالكذب وقذفوه هم وأطفالهم بالحجارة وحاصروه. ولأن الله يعلم ماسيلاقيه فقد أعده وعلمه وأدبه فأحسن تأديبه.. فكانت خلوته فى غار حراء ليصل إلى الحقيقة الخالدة والصراط المستقيم حتى أتاه اليقين وأمره بقوله «اقرأ» فكانت البداية لحمل الأمانة وتبليغ الرسالة وإنقاذ الإنسانية من ظلم نفسها وهلاكها وغاب عنها الهدف الأسمى لمعنى الحياة والانتقال من عبودية الذات والدنيا إلى عبودية الواحد الأحد القهار. (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنْ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) وقد أمره المولى أن يدعو إلى سبيله بالحكمة والموعظة الحسنة. *** سئل على أبن أبى طالب رضى الله عنه: كم صديق لك..؟ قال لا أدرى الآن؟ لأن الدنيا مقبلة على.. والناس كلهم أصدقائى.. إنما أعرف ذلك إذ أدبرت عنى فخير الأصدقاء من أقبل إذا أدبر الزمان عنك!.