لم تكن معركة انتخابات الرئاسة مجرد موقعة انتخابية على أرفع منصب فى البلاد.. ولكنها كانت تجربة هى الأولى من نوعها.. ولحظة فارقة ربح فيها من ربح.. وخسر فيها من خسر. أما الرابحون فهم كثر فى مقدمتهم الشعب المصرى العظيم.. الشعب الذى انتصر لثورته ورفض محاولات إعادة عقارب الساعة إلى الوراء.. ربح كل من انتصر لنفسه ووطنه وكتب مستقبلاً جديداً لبلاده وقالها مدوية.. لا للفلول.. لا للفساد.. لا للطغيان.. لا لإعادة إنتاج النظام القديم الذى أفسد كل شىء ابتداء من البشر وانتهاء بالحجر. ربح أصحاب المبادئ الذين حافظوا على هوية مصر.. دولة مدنية ديمقراطية.. حديثة.. دولة القانون والأخلاق.. دولة الحق والعدل. ربح أصحاب الإرادة الحرة الذين قاوموا إغراءات المال وجبروت الدولة العميقة وسطوة الفلول الذين حاولوا إجهاض الثورة وإعادة البلاد إلى سنوات الظلام. وخسر كل من ساند فلول الوطن بالقول أو الفعل.. خسر رجال الأعمال الذين حاولوا حماية مصالحهم غير المشروعة من خلال إعادة انتاج النظام. خسر الأراجوزات من الإعلاميين الذين طفوا فى الانتخابات وعادوا لغيهم القديم. ولحقت الخسارة بالمرشح الرئاسى حمدين صباحى الذى تخلى عن مرشح الثورة، وساند مرشح الفلول بقصد أو بغير قصد. تصور السيد حمدين صباحى أن الأصوات التى حصل عليها كانت عن قناعة بشخصه أو بمشروعه،وغاب عنه أن معظم تلك الأصوات كانت نتيجة التصويت العقابى.. فالمعركة فى جولتها الأولى كانت مشتعلة بين مرشح التيار الإسلامى ومرشح الفلول ولم يجد الرافضون لهذا الاستقطاب مفراً من التصويت للمرشح حمدين صباحى.. وعندما أعلنت النتيجة قاد السيد حمدين حملة شعواء على المرشحين الدكتور محمد مرسى والفريق شفيق حتى وصف الاختيار بينهما بأنه اختياريين احتلالين أو علقمين!! سامحك الله يا سيد حمدين كيف سمحت لنفسك بأن تصف خيار الدكتور مرسى مرشح الجماعة التى أهدتك 4 مقاعد فى البرلمان بهذا الوصف وأنت تعلم ان حزبك لا يستحق سوى مقعد واحد! كيف سمحت لنفسك بأن تصف اختيار الدكتور مرسى بأنه علقم! على أية حال لقد كان الرد سريعاً من الشعب.. فعندما دعا السيد حمدين إلى مقاطعة الانتخابات ظناً منه بأن الأغلبية الساحقة تسير خلفه ارتفعت نسبة التصويت عن الجولة الأولى بنسبة كبيرة وكان هذا بمثابة نقطة نظام. وعندما نشرت صحيفة الأهرام خبراً يتضمن تأييد السيد حمدين للفريق شفيق كان خيار الشعب هو الدكتور مرسى.. والطريف أن السيد حمدين لم ينف الخبر إلا بعد 4 أيام كاملة ومع ظهور مؤشرات فوز الدكتور مرسى. وعدما هلل السيد حمدين لحكم الدستورية بحل البرلمان خرج مئات الآلاف من شباب مصر الى ميدان التحرير وميادين المحافظات يرفضون هذا الحكم السياسى وينددون بتوقيت صدوره خاصة إذا علمنا أن الأحكام المشابهة التى صدرت فى حق مجلس 87 كانت بعد 3 سنوات من إقامة الدعوى. ولحقت الخسارة بحزب التجمع ورئيسه الدكتور رفعت السعيد بعد إعلان الحزب تأييد مرشح الفلول أحمد شفيق.. فقد ظن البعض أن الدكتور السعيد سيؤيد مرشح المعارضة ومرشح الثورة الدكتور محمد مرسى ولكن خاب ظنهم.. ويبدو أن الدكتور السعيد مازال يعيش فى جلباب أمن الدولة وصفوت الشريف ولا يريد أن ينسى التعليمات التى كانت تصدر إليه بمهاجمة الإخوان وقياداتهم.. على أية حال فإن شباب الثورة لا يعترفون أصلاً بالأحزاب الكرتونية التى فشلت فى الفوز ولو بمقعد واحد فى البرلمان. وخسر الدكتور أسامة الغزالى حرب البقية الباقية له عند البعض خاصة عندما أعلن تأييده للفريق شفيق.. ولكن لا أستطيع أن ألوم الدكتور الغزالى كثيراً فعلى ما يبدو ان الرجل عاد لأصله.. عاد للحزب الوطنى الذى كان ينتمى إليه وإلى أمانة السياسات التى دخلها بعد مجهودات مضنية وخدمات جليلة لجمال وأبوجمال وحزب جمال.. وإذا كان الدكتور الغزالى قد استطاع أن يخدع الناس بعض الوقت فأبداً لن يستطيع خداعهم كل الوقت لأنه لا يعرف العيش إلا تحت حذاء السلطة. واستحق مصطفى بكرى لقب أسوأ سياسى فى مصر بعد الدور المشبوه الذى لعبه فى الأيام الأخيرة.. لقد مارس بكرى هوايته فى خدمة النظام واستغل الرتبة التى منحها له المجلس العسكرى فى الهجوم على الإخوان ومرشحهم،وقام بتضليل الشعب فى الساعات العصيبة التى سبقت إعلان النتيجة عندما ادعى كذباً أن الحرس الجمهورى توجه لاستلام مقر إقامة الفريق شفيق وهو ما يعنى فوزه فى الانتخابات.. تلك الضربة التى أصابت الشعب بالصدمة فى لحظات لا تنسى. لقد أخطأ المجلس العسكرى فى اختياره لنفس الوجوه الكريهة التى سئمها الشعب وطلب منها أن تلعب نفس الدور الذى كانت تلعبه فى الماضى سواء كان ذلك بتوجيهات من أمن الدولة أو قيادات الحزب الوطنى..ونسى العسكرى أن هذه الوجوه المحروقة غير صالحة للاستخدام فى الوقت الحالى لانها مثل ورق «الكلينكس» لاتستخدم إلا مرة واحدة فقط.