لم يتجاوز عمره الرابعة عشر عندما إتخد قراره بالإنتحار شنقا ، أسرع الخطى نحو شجرة لم تستطع أن تمنحه الظل والثمر بعدما جفت الأغصان فى مواسم الحصاد ، صنع من الحبال مشنقة لتتدلى رقبته الصغيرة ربما ترتاح نفسه ، هكذا هداه تفكيره الطفولى ، أظلمت الدنيا فى عينى الصغير ويد الظلم تلف أعوام عمره القصير ، ظلمه إخوانه عندما تكالبوا عليه فأوسعوه ضربا وركلا بالأقدام بحجة تأديبه وتدريبه كيف ينصاع للأكبر منه سنا ، أما الوالدين فلم يحركا ساكنا وتركا المهمة لإخوانه وكانت النتيجة أن ( الصالحى إبراهيم عبده ) فارق الحياة وفى مستشفى بورسعيد أكدت أسرته للمباحث أن الطفل إنتحر بعدما تعرض للضرب المبرح على يد إخوانه ، وفى الحقيقة لو تأملنا هذا المشهد لوجدنا فيه نموذجا مصغرا لما يحدث الآن حولنا ، إن أقسى شعور يمكنه أن يدمر الإنسان هو الشعور بأن هناك من يستقوى عليه إمعانا فى إذلاله وكبت حرياته ، يخنقه على صخرة الخوف والقلق ، يستعبده ويقهره فتسلب إرادته ويتحول الى تابع ينصاع للأوامر والتعليمات التى تنتقص من آدميته ، ليجد نفسه وقد تبلدت حواسه فلايستطيع أن يفصح عن مكنونات قلبه فقد عوده الظالم أن تهان كرامته ، أما الأصعب والأشد على النفس حينما يرى المظلوم أن من بيدهم الأمر يتركون الظالم كى يتمادى فى غيه غير عابئين بالأوجاع والآلام والأحمال التى تفوق كل إحتمال ولاينطقون ولايهبون لنجدة الضعيف ، يغضون الطرف ويتركون للظالمين كل المدى أن ينفذوا بالنيابة عنهم مالا يستطيعون القيام به بطرق مباشرة خشية اللوم أو التعرض للمساءلة فيحاولون جاهدين أن تظل صورتهم الوردية عالقة بالأذهان مثالا لكل شئ طيب ونبيل ، فيقبعون خلف الستائر والحجرات المغلقة لكنهم لايدرون أن الأكف الملوثة بالدماء يوما ما سيعرفها الجميع ، يوم ما سيقتص منها الشرفاء الذين يتحينون الفرصة للإنتقام ، وعندها لن يرحمهم المظلومين مهما صرخوا وناشدوا وظلوا قابعين خلف الأسوار يذرفون الدم ، يتوسلون صارخين طالبين الصفح والعفو فلا مجيب ، وحيث لاينفع المال سترا يقيهم الهجير ونظرات المقموعين ترتد خنجرا فى صدر كل واهم أن الكرسى باق أبد الآبدين ، حيث لا ينفع الندم ودعاء المظلوم يترتد فى الفضاء صارخا ياالله مقاصلا وقبورا ، ياالله فلتمحيهم من التاريخ والذاكرة ، كم يساو الجاه والسلطان والرأس منكسة ؟ كم يساو الإنسان الفاقد للشرف والكرامة ؟ وعندما يتذوق من ذات الكأس المر يهرع لكتاب الله ولا تفارق السبحة معصمه ، هذا الطفل البرئ الذى لم يجد أبواه إلى جواره فى محنته ولم ينتفضا لصراخه مانعين عنه الأذى ذكرنا بالشهيد ( محمد بوعزيزى ) الشاب التونسى الذى لم يقترف إثما حينما لطمته شرطية على خده ( بوعزيزى ) بائع الخضروات لم يكن لصا أو متسولا ،حاول جاهدا أن يكسب قوت يومه بمخافة الله لم يتطلع يوما للقصور والذهب والأحجار النادرة ، من الخضروات سيعالج أمه المريضة وفى الليل سينام قرير العين راضيا بما قسم الله ، لكن اللطمة صعقت روحه قبل جسده أذلته إمرأة ظالمة ، فما كان منه إلا النار تكويه إنتقاما من ظلم البشر والأيام كان الحرق يمتد إلى جسده النحيل خير دليل أن الكيل قد فاض ولم يعد هناك بد أن نفيق من عثرات وعراقيل وضعها الفاسدون فى طريق البسطاء الطيبين ، الشهيد فقد فى لحظه رشده ، أظلمت فى عيونه الشمس والقمر فى تلك الليلة قرر ألا يكون شاهدا على ظلم الأبرياء فاختبأ ، تماما كما فعل ( الصالحى ) طفل قرية ( أم خلف ) ببورسعيد نازعته مشاعر الإحباط والهوان حينما تجبر عليه أعز الناس فلم يحموه ولم يحتووه فمازال الطفل البرئ ، فى لحظة رأى الكون أصغر من ثقب إبرة ليصبح الإنتحار من الظلم فى الحالتين لايفرق بين المقصلة والنار