\r\n ومنذ ذلك اليوم أثيرت اسئلة جادّة من مثل، ما إذا كانت الأجهزة الأمنية البريطانية بوسعها آنذاك القيام بجهد أكبر مما قامت به لدرء الهجوم ومنعه؟ وهل يقع اللوم على حكومة المملكة المتحدة باعتبار أن الهجمات حدثت جراء قرارات سياستها الخارجية، لا سيما تلك المتعلقة بالعراق؟ أم أن اللوم ينبغي أن يوجه ل"القاعدة" بسبب هذه الأحداث؟ \r\n \r\n والسؤال الأشد فتكاً والأكثر تدميراً من بين هذه جميعاً إنما هو ما إذا كانت السياسة الخارجية البريطانية، وبخاصة فيما يتعلق بالعراق مسؤولة بأي شكل من الأشكال عن التفجيرات التي وقعت في لندن؟ كان توني بلير حاول مراراً وتكراراً إنكار أي مسؤولية تقع على كاهل تلك السياسة التي انتهجها، لأن إقراره بمثل هذه المسؤولية سيدمر مصداقيته في واحد من أهم الأسباب التي قيل لنا أن نشن الحرب من أجلها، ألا وهو أن توفر الحرب لنا المزيد من الأمن وتدرأ عنّا المخاطر. \r\n \r\n يبدو أن لدينا اليوم أجوبة على اثنين من أكثر الأسئلة إلحاحاً. لقد قضى أعضاء برلمانيون بريطانيون من لجنة الأمن والاستخبارات ستة أشهر عكفوا خلالها على لقاء مسؤولي الأمن وتمحيص عملهم وتفحص أدائهم ليروا ما إذا كان بالإمكان منع هجمات 7 يوليو/تموز، وقد خلصوا مؤخراً إلى استنتاج مهم مفاده أن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية لا يمكن توجيه اللوم إليها فيما حدث، فمن المسؤول الحقيقي إذن؟ \r\n \r\n وأحد هؤلاء الذين رأوا مسودة تقريرهم مراسل هيئة ال"بي. بي. سي" للشؤون الأمنية فرانك جاردنر. وخلال المقابلة التي أجريت معه قال جاردنر: "هل كان بالإمكان منع هجمات 7/7 بمستوى أرقى من أداء الاستخبارات؟ نعم، ولكن، هل كان بالإمكان منع تلك الهجمات آخذين في الحسبان ما كان بحوزة الوكالات الاستخباراتية من موارد؟ إنهم يعتقدون أنه لم يكن بالإمكان ذلك على الأرجح. \r\n \r\n وجرى تسريب تقرير آخر ينضح بالإدانة لبلير وسياسته واستنتجت نسخة من التقرير الذي تناول تفجيرات لندن وأعدّه مكتب وزير الداخلية أن بلير دأب على نفي: أن الانتحاريين البريطانيين الذين نشأوا وترعرعوا في بريطانيا إنما ألهب مشاعرهم وحفز عملياتهم غزو العراق. \r\n \r\n ولن ينشر تقرير مكتب وزير الداخلية بصورته الكاملة إلا بعد إنقضاء خمسة أسابيع أخرى. إلا أن الاستنتاجات ذاتها خلص إليها أيضاً كتاب جديد بعنوان "7/7 تفجيرات لندن الإسلام والعراق والحرب" وهو كتاب جاء في الحقيقة في عزّ أوانه وألفه ميلان راي، الذي كان أسس من قبل الفرع البريطاني من مؤسسة "أصوات في البراري". \r\n \r\n وينطلق راي في كتابه ليثبت "كيف أن توني بلير كذب على الشعب البريطاني بشأن تفجيرات 7/7" ويستشهد راي بمستندات ووثائق الاستخبارات التي تظهر بجلاء أن بلير كان يعلم حق العلم أن الحرب على العراق من المرجح أنها ستزيد من مخاطر الهجمات الإرهابية في المملكة المتحدة، ومع ذلك أنكر مراراً وبإصرار هذه الحقيقة. \r\n \r\n ونحن نعلم أن الحكومة البريطانية كذبت، وندرك هذه الحقيقة من وثائق الحكومة البريطانية ذاتها ونعلم أن بلير قرأ هذه الوثائق. فقبل خمسة أسابيع من غزو العراق استدعت لجنة الاستخبارات العليا في بريطانيا لجنة الاستخبارات المشتركة، وحذروا بلير في الحقيقة من مغبة مساعدة بريطانيا لأمريكا في غزو العراق وخوفوه من أن المملكة المتحدة إذا أقدمت على هذا وشاركت الولاياتالمتحدة في مشروعها فسوف "يصعّد" هذا من المخاطر الناجمة عن هجمات إرهابية في بريطانيا. \r\n \r\n وجاء في التقرير المؤرخ في فبراير/شباط من عام 2003 ان: "القاعدة وجماعات لها صلة بها ولا تزال تشكّل أعظم تهديد إرهابي يحدق بالمصالح البريطانية، وهذا التهديد يزيد من وطأته ورهبته القيام بعمل عسكري ضد العراق". وخلصت لجنة الاستخبارات المشتركة أيضاً إلى نتيجة هي أن أي انهيار في النظام العراقي سوف يزيد من مخاطر أن تشق الحرب الجرثومية والكيماوية طريقها لتقع في أيدي الإرهابيين، بدل أن يقلص مثل ذلك الانهيار هذا الاحتمال. لكن، وببساطة فإن: أي حرب في العراق سوف تجعل الأمور تتجه نحو الاسوأ والاسوأ بكثير، وبلير كان يعلم هذا حق العلم. \r\n \r\n وبعدها بنحو خمسة عشر شهراً،عشية تفجيرات مدريد، التي أزهقت 192 روحاً، كانوا يرتحلون بواسطة القطارات يوم 11 مارس/آذار من عام ،2004 وضعت الحكومة البريطانية الأساس لمشروع أطلق عليه "مسابقة العملية" وكان هدفها الرئيسي حجب الإرهاب عن المجتمع المسلم البريطاني وتحصين هذا المجتمع من مثل هذا الاختراق. \r\n \r\n واصل راي سعيه في كتابه ليقيم دعائم قضيته على فكرة أن العراق كان عاملاً مهماً كامناً وراء التفجيرات، ويقتبس كلاماً لوزير الخارجية السابق المحافظ دوغلاس هيرد الذي قال: "هاجمنا بلداً مسلماً بدعاوى تبين أنها فارغة. وخرقنا القانون الدولي. ولم نواجه أي تهديد بالخطر من صدام حسين، كما لم يخولنا مجلس الأمن حق غزو العراق ولا أعطانا أي تفويض لمهاجمته. وتسببنا في موت آلاف العراقيين الأبرياء". \r\n \r\n ويحاجج راي ويجادل ليخلص إلى أن ثمة استنتاج واحد يتيم لا مفر منه: فمنذ 7/7 دأب وزراء بريطانيا، بمن فيهم بلير على "طمس وتشويه" الحقيقة. لقد كذبوا، ما في ذلك شكّ، فالعراق كان عاملاً مهماً في التفجيرات. \r\n \r\n لذا يثور السؤال: كيف نهزم رسالة البغضاء والانتقام هذه، ونحولها إلى رسالة سلام وأمل؟ هنا يستشهد راي بكلام العالم اللاهوت مارتين بيرسي الذي كتب عشية هجمات 11/9 في نيويورك يقول: إنه لا بد أن تتضافر الجهود لبناء "إجماع جديد، مفعم بالحيوية والنشاط، إجماع سياسي عرقي وديني يسلب هذا النوع من الإرهاب من مرتكزاته ويجتث مبرراته من جذورها"، فمثل هذا الحراك، حسبما يقول، وبلوغ هذا الإنجاز سيكون هو الإجلال الأمثل والإحياء الأجمل لذكرى 52 شخصاً قتلوا في ذلك اليوم والعزاء الأوفى لمئات الأشخاص الآخرين الذين تغيرت حياتهم إلى الأبد. وإنني لأضم صوتي إلى صوته وأوافقه الرأي وأذهب إلى ما ذهب إليه. \r\n \r\n \r\n \r\n * كاتب مستقل متخصص في قضايا البيئة والصحة والعولمة، ويشارك في تحرير موقع "سبن ووتش" لرصد التضليل الإعلامي. \r\n