\r\n وعلى الرغم من ذلك، لم يساعد هذا التحليل المنطقي، ولا سلسلة استطلاعات الرأي السلبية، على التخفيف من صدمة تصويت فرنسا وهولندا بالرفض القاطع.وللمرة الأولى، يرفض الناخبون في دولتين من الدول المؤسسة للمشروع الأوروبي معاهدة أوروبية رفضاً قاطعا.وربما يُصرّ مناصرو الوحدة الأوروبية على أن الفرنسيين والهولنديين قصدوا برفضهم التعبير عن استيائهم من حكوماتهم، أو تشاؤمهم من أنظمتهم الاقتصادية التي تعاني من المشاكل، أو خوفهم من المنافسة الأجنبية.ولكن لا يستطيع أي متابع للحوارات الفرنسية والهولندية أن يدّعي أن الاتحاد الأوروبي كان خارجاً عن دائرة مخاوف الناخبين.ورفض مثل هذه الأغلبيات الكبيرة للدستور إنما يشير إلى الاستياء الشعبي العميق من الكيفية التي أدارت فيها النخب السياسية الاتحاد الأوروبي. \r\n واستجاب الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالطريقة المتعارف عليها عن طريق اختيار رئيس وزراء جديد، وهو دومينيك دو فيليبا، بوصفه الشخص النموذجي الأفضل الذي يمكن إيجاده من أفراد النخبة، الأمر الذي لا يُبّشر بالخير فيما يتعلق بالاستنتاجات القائلة بأن زعماء أوروبا سيأخذون رسالة الناخبين السلبية تجاه النخبة بعين الاعتبار.فلا يزال الكثيرون في مناطق أخرى يصرّون على المضي قدماً بعملية المصادقة على الدستور.إلا أن الرفض القاطع لكل من فرنسا وهولندا قضى تماماً على الدستور:إذ ليس هناك أمل من أن يُطلب من هاتين الدولتين التصويت مرة أخرى، كما فعلت الدنمارك وإيرلندا في مناسبات سابقة.والإصرار على أن يقوم الدنماركييون، والإيرلنديون، والبولنديون، والبريطانيون بالاستمرار بعملية التصويت هو بمثابة الطلب من الأطباء معالجة جثة شخص ما على أمل شبه مستحيل بإحيائها.وما يعادل ذلك في الخطأ هو اندفاع زعماء الاتحاد الأوروبي لإنقاذ فقرات الدستور التي يحبونها بصورة خاصة.فالاتحاد الأوروبي بحاجة حقاً إلى وضع سياسة خارجية أكثر تماسكاً، وإلى نظام اقتراع جديد للحكومات المحلية في مجلس الوزراء، وإلى مفوضية أوروبية أصغر حجماً، وإلى منهج أكثر ديمقراطية وشفافية في تشريع القوانين، ويمكن البدء بتلبية بعض هذه الحاجات دون تعديل المعاهدة (وبالتالي دون الحاجة لمصادقة وطنية يصعب الحصول عليها).إلا أن تبني أي من هذه التغييرات حالياً سيُعتبر استهانة شديدة برغبات الناخبين إلى درجة أنه قد تسبب حركة ارتدادية معادية للنخب الحاكمة أكثر عنفا.وبدلاً من أن الخوض في عملية مساومة خلف الكواليس، على زعماء أوروبا الاستفادة من درسين أكثر شمولية يمكن تعلّمهما من الرفض الذي أبداه كل من الفرنسيين والهولنديين.الأول هو أن رفض الدستور يشير إلى نهاية الحلم بتحقيق اندماج سياسي أعمق وإنشاء \"اتحاد أكثر تقارباً من أي وقت مضى\"، على حد وصف العبارة المشهورة التي وردت في معاهدة روما عام 1957.وبدلاً عن ذلك، على الاتحاد الأوروبي السعي لأن يكون ناد أكثر مرونة، وأقل اتحادية، يتجه بصورة أكبر نحو اللامركزية.وبالطبع فإن انتخابات الفرنسيين والهولنديين تستبعد إنشاء مركز أكثر وحدة مكوّناً من دول قليلة، بما في ذلك فرنسا وهولندا، بحيث تتحرك بسرعة أكبر نحو تشكيل اتحاد سياسي.أما الدرس الثاني فيتمثل في أن النادي لا بد وأن يمنح ثانية سلطات أكبر لأعضائه، بهدف جعل مبدأ \"التبعية\"المُفترض للاتحاد الأوروبي حقيقة قائمة.والواقع أن معارضو الدستور قد عبّروا عن وجهات نظر متناقضة?فالبعض يرغب بتحرر اقتصادي أكبر وأسواق أكثر تحرّراً، فيما يريد البعض الآخر أوروبا اجتماعية ذات أسواق أكثر تقييداً.والسبيل الوحيد لاستيعاب مثل هذا التنوع في وجهات النظر هو في إعطاء الدول حق الخيار.فإن كانت بريطانيا، مثلاً، ترغب بالإبقاء على أسواق العمالة لديها غير خاضعة للقوانين المرهقة المتعلقة بساعات العمل وضمان العمل، فيجب السماح لها بذلك؛ وإن كانت فرنسا تفضّل اتخاذ المزيد من الإجراءات لحماية العاملين، فينبغي أن يكون لها الحرية كذلك للقيام بذلك.ولا يتوجب على أي من الطرفين فرض سياساته على الطرف الآخر. \r\n \r\n تدريب على الحد من الأضرار \r\n ولا يعني ذلك أنه يمكن أن يكون هناك شجاراً يشترك فيه الجميع دون وجود حكم.فحتى معظم معارضو الدستور يقبلون بالسوق الموّحدة للاتحاد الأوروبي، التي تتضمن مبادئ معاهدة روما بالتدفق الحر للسلع، والخدمات، والعمالة، ورأس المال.ومثل هذه السوق تستلزم وجود عملية مراقبة، على المساعدة الحكومية للشركات مثلاً، أو القيود المفروضة على الهجرة، أو تطبيق قوانين المنافسة.وربما تحاول الحكومة الفرنسية الجديدة، التي لا تعتبر متحررة اقتصادياً، اختبار حدود العوائق التي يمكن أن تضعها في طريق قوانين الاتحاد الأوروبي.وخطر الإضرار بالسوق الموّحدة كبير جداً:فهو يستلزم من زعماء أوروبا ومن المفوضية الأوروبية تلاشيه بأي ثمن كان.وتزاد أهمية الحد من الأضرار حين يتعلق الأمر بدول أوروبا المركزية الجديدة التي انضمت للاتحاد الأوروبي في أيار (مايو)من العام الماضي.والحكمة من التوسعات الماضية والمستقبلية للنادي ونتائج هذه التوسعات برزت أكثر ما برزت في الحملات الرافضة للدستور في فرنسا وهولندا، مع ازدياد اللغط حول منافسة السبّاكين البولنديين لهم، وفقدان الوظائف لصالح الشرق، والكثير من العداء لإمكانية انضمام تركيا.وبعد تصويت الفرنسيين والهولنديين، هناك احتمالية كبيرة لأن ينقلب زعماء أوروبا ضد المزيد من التوسعة في الاتحاد الأوروبي-بل وقد يخلفون وعودهم بقبول انضمام رومانيا وبلغاريا المُقرّر بعد عامين.وقد يلغون بدء المحادثات المُقرّرة لانضمام تركيا في أوائل تشرين الأول (أكتوبر).ومما لا شك فيه، كانت التوسعة أنجح سياسة للاتحاد الأوروبي.حيث إن ضم عشرة أعضاء في أيار (مايو)الماضي ساعد على إيجاد منطقة سلام وازدهار متنام على حدود الاتحاد الأوروبي، كما ساعد على بث روح اقتصادية كانت القارة القديمة في أمس الحاجة لها.ويمكن الاستفادة بصورة مشابهة من انضمام دول البلقان-وتركيا.حيث إن انضمام تركيا سيعود كذلك بمنافع استراتيجية كبيرة، عن طريق المساعدة على تخفيف مستوى التوتر بين الغرب والعالم الإسلامي.وصحيح أن ناخبي أوروبا ما زالوا غير مقتنعين بأي من هذه النقاط، إلا أن هذا يعود جزئياً إلى أن زعماءهم بالكاد بدأوا شرح مسألة التوسعة.وعلى اعتبار أن فرنسا ودول أخرى قد تخضع أية توسعة أخرى للاستفتاءات، وينبغي على رجال السياسة التعجيل في تعلّم طرق أفضل للإقناع والترويج.إلا أن أهم درس يمكن استخلاصه من استطلاعات الرأي في فرنسا وهولندا هو الحاجة الملّحة لتنمية اقتصاد أوروبا وتخفيض معدّل البطالة الأوروبية. فالسبب الكامن وراء استياء الناخبين من زعمائهم ومن الاتحاد الأوروبي، خاصة في الدول الرئيسية لمنطقة اليورو، هو الفشل الاقتصادي والإخفاق في إيجاد الوظائف- وهي نقطة أكدّها عدم شعبية حكومة شرودر في ألمانيا، وحكومة بيرلسكوني في إيطاليا.ومن السهل وصف علاج لهذا الفشل:الإصلاحات الاقتصادية والمزيد من التحرّرية، والذي نجح في بريطانيا، وإيرلندا والدول الاسكندنافية. ويتم تشجيع تبني مثل هذه الإصلاحات من قبل المفوضية بموجب جدول أعمال لشبونة، بما في ذلك توجيهاتها المنتهكة لتحرير تجارة الخدمات. \r\n إلا أن لدى زعماء كل من فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا اعتراضاً جوهرياً:وهو أن السبب المُحدد الذي جعل ناخبيهم ينقلبون ضدهم هو محاولتهم، الخجولة إلى حد ما، لتطبيق الإصلاحات (حيث تم التعبير عن دليل الخدمات التابع للاتحاد الأوروبي في حملة استطلاع الرأي الفرنسي بوصفه شرّاً مطبقاً).لذا فإن الكثير من الزعماء الأوروبيين أقل استعداداً الآن عمّا كانوا عليه من قبل للاستمرار في متابعة جدول أعمال لشبونة أو تطبيق الإصلاحات الاقتصادية في أوطانهم.وهذا أمر مؤسف جداً.كما أنه من غير المُرجّح أن يؤدي إلى النجاح، لأنه سيعمل على استمرار النمو المنخفض ومعدّل البطالة المرتفع، وهذان العاملان مسؤولان عن عدم شعبية الحكومات أكثر من أي إصلاح يمكن تطبيقه.إلا أن هناك درساً آخراً يمكن تعلّمه من انتخابات هذا الأسبوع، وهو أن السعي لفرض الإصلاح من الخارج لم يعد يفيد، سواء كان عن طريق المفوضية، أو البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت، أو خطب رئيس الوزراء البريطاني توني بلير المليئة بالوعظ. ولن يتم تبني هذه الإصلاحات إلا بعد أن يدرك زعماء الدول أنفسهم مدى أهمية الإصلاح لأنظمة بلادهم الاقتصادية-ولضمان الحفاظ على فرصهم الانتخابية.وفي النهاية، ينبغي على مبدأ التبعية أن يمكّن الدول من تطبيق سياساتها الخاصة سواء كانت خاطئة أو صحيحة .