وتعود العلاقة بين البرنامج التابع للامم المتحدة والعالم الاسلامي الى عام 1962، اذ كانت اول عملية يشرف عليها البرنامج على الاطلاق، بعد تأسيسه، مخصصة لمساعدة ضحايا زلزال مروع في ايران. ومنذ تلك العملية بلغت قيمة المساعدات التي قدمها البرنامج الى دول اعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي نحو 18 مليار دولار. \r\n ويسعى البرنامج حاليا الى تقليل الآثار الاقتصادية السلبية لسياسة الإغلاق الاسرائيلية المتكررة واحتلال المناطق الفلسطينية، في القطاعات الفقيرة من السكان، ولنأخذ محمد السبطاني الفلسطيني البالغ من العمر 24 عاما، وهو احد سكان الضفة الغربية، كمثال. كان محمد يعمل في اسرائيل منذ ثلاثة اعوام، ويحصل على دخل معقول، يخطط معه للزواج وتكوين اسرة. لكنه الان بلا عمل وبلا خطط وبلا احلام. يحصل السبطاني وعائلته الان على مساعدات غذائية من البرنامج. ويأمل وأنا اشاطره نفس الامل في الا يستمر هذا الوضع الي الابد. \r\n واعلم ان الجوع والفقر المتزايدين بين الفلسطينيين، هما في نهاية المطاف نتاج مشكلة سياسية ونهايتهما مرهونة بحل مرض للاطراف. ولكن حتى يتم التوصل الى هذا الحل، لن يستفيد احد من معاناة طاحنة يرزح تحت وطأتها محدودو الدخل الاقتصادي في المناطق الفلسطينية. والمؤسف ان مشاريعنا للمساعدات في المناطق الفلسطينية، التي بدأت دورتها الجديدة في شهر يوليو (تموز) بتكلفة تتعدى 41 مليون دولار، لمساعدة نحو نصف مليون شخص، لم تحصل حتى الآن، سوى علي 7.13 مليون دولار من الجهات المانحة. وبدون اكتمال التبرعات سنضطر الى قصر المساعدات او تقليلها. وهي مساعدات تلقيناها من الاتحاد الاوروبي (ستة ملايين دولار)، ومن الولاياتالمتحدة (نحو خمسة ملايين دولار) وسورية (324 الف دولار)، اضافة الي مليوني ونصف المليون دولار من صندوق المساعدات غير الموجهة في البرنامج. \r\n ولا يعمل البرنامج في المناطق الفلسطينية على توزيع المساعدات فقط، بل انه يبتكر سبلا جديدة لتمكين الفلسطينيين من مساعدة انفسهم. فقد قام مثلا، بشراء اكثر من اربعمائة طن من زيت الزيتون من صغار المزارعين الفلسطينيين، وضمها لحزمة المساعدات الغذائية التي يوزعها. وحقق بالتالي بعض الانتعاش الاقتصادي في حياة هؤلاء المزارعين. \r\n وفي العام الماضي، نجح البرنامج في الاضطلاع بأكبر مهمة مساعدات انسانية في التاريخ، عندما تمكن، خلال الحرب في العراق، من مساعدة العراقيين على استمرار برنامج الحصة التموينية، الذي يمثل السند الرئيسي لمعظم ال26 مليون عراقي. ورغم المآسي والأخطاء التي وقعت في هذا البلد اثناء وبعد الحرب، يظل نجاح عمل البرنامج في عام 2003، في الابقاء على برنامج الحصة التموينية، مثالا على الكفاءة والقدرة، وربما اسهاما في تقليل معاناة الشعب العراقي الذي يمر بظروف صعبة. ولإنجاح المشروع، تمكن موظفو البرنامج من نقل وتوزيع قرابة الف طن من الاغذية الى العراق يوميا على مدار الاسبوع، مستغلين قرابة تسعة الاف شاحنة من خمس دول مجاورة. \r\n وفي السودان، حيث ادت اعمال العنف في اقليم دارفور الى نزوح قرابة المليون شخص، يعمل البرنامج على اعاشة هؤلاء النازحين الذين يعانون من ظروف قاسية، بعد ان تركوا قراهم ومساكنهم الى مخيمات اعدت على عجل، يعاني فيها الكبار والأطفال من ارتفاع نسبة سوء التغذية. بينما تزيد الامطار من صعوبة الحياة، حيث تعقدت امكانيات نقل المواد الغذائية لهم. وقد نجح برنامج الاغذية العالمي في نقل آلاف الاطنان من الاغذية جوا وأرضا، في سباق محموم من اجل تفادي شبح المجاعة والأمراض الناجمة عنها في هذه المخيمات. ولكن هذا السباق باهظ التكلفة. ولم يحصل البرنامج من الدول المانحة حتى الان، سوى على 125 مليون دولار. ويحتاج الى نحو ثمانين مليون دولار اخرى، من اجل اكمال مهمته الانسانية حتى نهاية العام. وبالرغم من كرم العديد من الدول العربية والدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي في مساندة البرنامج ودعمه على مدى العقود الاربعة الماضية، والتبرعات الضخمة التي تقدمها تلك الدول ومواطنوها بصورة مباشرة، الا ان البرنامج يأمل في ان يزيد الدعم المادي والعيني من هذه الدول، ومن القطاع الخاص والهيئات الاهلية فيها لصالح البرنامج، من اجل ان نتمكن من تقديم مزيد من الخدمات، ليس فقط في العالم الاسلامي، ولكن ايضا في انحاء العالم. وفي الحقيقة فان معظم من تلقوا المساعدات من البرنامج كانوا في بلدان اسلامية بسبب عمليات ضخمة نفذناها في افغانستان واندونيسيا والسودان والعراق. بيد اننا في نهاية المطاف، منظمة تابعة للامم المتحدة تقدم مساعداتها الى المحتاجين بغض النظر عن دينهم وجنسهم وعرقهم، وبالتالي، فالبرنامج ملك للعالمين العربي والإسلامي مثلما هو ملك لكبار المانحين في اميركا الشمالية وأوروبا. \r\n وفي العام الماضي صارت منظمة الدول المصدرة للنفط (اوبك) من اكبر عشرين جهة مانحة للبرنامج، عندما قدمت منحة بلغت 11 مليون دولار. ومن الدول الاعضاء في منظمة المؤتمر الاسلامي، حصل البرنامج، العام الماضي، على عشرة ملايين دولار من الجزائر، و 3.3 مليون دولار من السعودية، ومليون دولار من الكويت، اضافة الي حوالي 5.1 مليون دولار من اوغندا ومصر وقطر والمغرب والأردن والكاميرون واندونيسيا مجتمعة. ويتميز البرنامج ليس فقط بأنه اكبر وأضخم منظمة مساعدات انسانية في العالم، حيث تعدت التبرعات النقدية والعينية التي حصل عليها العام الماضي 6.2 مليار دولار، ولكن بكفاءته المذهلة، حيث لا تتعدى المصاريف الادارية سبعة في المائة من موازنته، وهي الاقل من نوعها بين المنظمات الانسانية الكبرى في انحاء العالم. ويفضل البرنامج تلقي المساعدات غير المشروطة لتوجيهها الى اكثر الفقراء احتياجا في انحاء العالم، ولكنه يقبل ايضا المساعدات الموجهة لدول بعينها، طالما كانت هناك حاجة في هذه الدول. وعلى خلاف عديد من منظمات الاممالمتحدة، لا يملك البرنامج موازنة خاصة به، ويعتمد بصفة مطلقة على اريحية وخيارات الدول المانحة التي يتركز معظمها حتى الان في العالم الغربي. \r\n وبالموازاة مع عمل البرنامج من اجل تلافي شبح المجاعات الناشئة عن الكوارث الطبيعية او الصراعات السياسية، فانه يعمل ايضا، من اجل القضاء على جذور مشكلة الجوع والفقر في انحاء العالم. وفي هذا الاطار، ينفذ البرنامج مشاريع مبتكرة، مثل تقديم الوجبات الغذائية في المدارس، وبرامج كثيفة العمالة لإعادة تأهيل البنية التحتية وإنعاش الاقتصاد في البلدان الاكثر فقرا. \r\n ومع وجود ثلاثمائة مليون طفل بين الجوعى في انحاء العالم، يتولى البرنامج تنفيذ مشاريع للتغذية المدرسية تمكنت حتى الآن من مساعدة 18 مليون طفل على تلقي وجبة غذائية يومية او حصة تموينية شهرية. وتساهم هذه المشاريع في تمكين الاطفال، وخاصة الفتيات اللاتي زادت نسبة التحاقهن بالمدارس ثلاثة اضعاف في بعض المناطق المستهدفة، في الحصول على تعليم افضل، وبالتالي في كسر حلقة الفقر والجوع الشيطانية. \r\n وهناك عديد من المشاريع المماثلة لدى البرنامج في بلدان عديدة منها 23 دولة عضوا في منظمة المؤتمر الاسلامي تهدف الى مساعدة الفقراء في تنفيذ مشاريع لتأهيل نظم الري والإعمار والتشجير ومكافحة التصحر. \r\n لقد توليت مهام منصبي منذ اكثر من عامين، زرت خلالهما كل المشاريع الرئيسية التي يعمل بها البرنامج تقريبا. ومن المؤكد ان العالم قادر، اذا عملت دوله معا، على التقليل من ان لم يكن القضاء على هول المعاناة المستمرة والممتدة من احياء الفقراء في بنغلاديش الى قرى افغانستان، الى مراكز توزيع المساعدات الغذائية في قطاع غزة، الي دارفور في السودان. \r\n \r\n * المدير التنفيذي لبرنامج الاغذية العالمي التابع للامم المتحدة، وهو اكبر منظمة للمساعدات الانسانية في العالم، وسيقوم بجولة في عدة بلدان في منطقة الخليج هذا الاسبوع \r\n