تقرير: روبيو يقول إن الولايات المتحدة تهدف لشراء جرينلاند ويقلل من احتمالية الخيار العسكري    تعاون بين سيمنز وإنفيديا لنقل الذكاء الاصطناعي من المحاكاة إلى واقع الإنتاج    وزيرا الدفاع والداخلية في فنزويلا على قائمة الأهداف الأمريكية المحتملة    بث مباشر هنا Barcelona VS Athletic.. ازاي تشوف ماتش برشلونة أتلتيك بلباو النهارده من غير اشتراك؟    محافظ سلطة النقد يبحث مع رئيسة البنك الأوروبي سبل دعم القطاع المصرفي الفلسطيني    دعاء أم يشعل السوشيال.. حنان ترك تتصدر تريند جوجل بعد رسالة مؤثرة لابنها    نيكول سابا تشعل السوشيال ميديا من جديد.. إطلالة مثيرة للجدل ونجاح فني متواصل    إيمان البحر درويش يتصدر جوجل.. تساؤلات واسعة تعيد الحديث عن أزمته الصحية    «ترامب» يتعهد بخطة جديدة لإدارة عائدات بيع النفط    اليوم، انتظام صرف السلع التموينية بالتزامن مع إجازة عيد الميلاد المجيد    محمد علي السيد يكتب: أنا يا سيدي مع الغلابة!!    رامي وحيد يكشف حقيقة جزء ثاني لفيلم حلم العمر» ويرد على هجوم المؤلف نادر صلاح الدين    المسلمون يشاركون المسيحيين احتفالاتهم.. ترانيم وقداس عيد الميلاد المجيد بكنائس سوهاج    مصطفى محمد لا بد منه، ضياء السيد يقدم روشتة الفوز على كوت ديفور ويوجه نصيحة لحسام حسن    فيديو | بالزغاريد والفرحة والدعوات.. أقباط قنا يحتفلون بأعياد الميلاد    فرحة تحولت لأحزان.. 4 وفيات و15 مصابًا حصيلة حادث حفل زفاف المنيا (أسماء)    ارتفاع الحصيلة ل 4 وفيات و15 مصابًا.. نائب محافظ المنيا يزور مصابي حادث حفل الزفاف    وسط إقبال كبير للأقباط.. أجراس كنائس سوهاج تدق وتُعلن بدء قداس عيد الميلاد المجيد    اليوم، الإدارية العليا تواصل استقبال طعون جولة الإعادة في ال 19 دائرة الملغاة    إصابة فلسطينيين واعتقال آخرين في قرية الرشايدة شرق بيت لحم    فرنسا تعلن عن تفاصيل عدد القوات الأوكرانية بعد انتهاء النزاع    اشتعال النيران في صهاريج نفط في «بيلجورود» الروسية بسبب هجوم أوكراني    أول تحرك من وزارة الصحة بعد فيديو وفاة مريض داخل مستشفى شهير بأكتوبر بسبب الإهمال    د. أشرف صبحي: ماراثون زايد الخيري نموذج رائد لتكامل الرياضة والعمل الإنساني    قرار هام بشأن مطرب المهرجانات إسلام كابونجا بسبب «انا مش ديلر يا حكومة»    محافظ القليوبية يشارك في قداس عيد الميلاد بكنيسة العذراء ببنها.. ويؤكد على قيم الوحدة الوطنية    فلسطين.. 7 إصابات بالاختناق والضرب خلال اقتحام بلدة عقابا شمال طوباس    رئيس مياه القناة يشدد على استغلال الأصول غير المستغلة وتقليل تكلفة التشغيل    المتهم بقتل حماته يمثل جريمته في مسرح الجريمة بطنطا    رئيس المحطات النووية ومحافظ مطروح يبحثان دعم مشروع الضبعة    أمم إفريقيا - رياض محرز: عرفنا كيف نصبر أمام الكونغو.. وجاهزون لنيجيريا    طلاق نيكول كيدمان وكيث أوربان رسميا بعد زواج دام 19 عاما    صدور «ثلاثية حفل المئوية» للكاتبة رضوى الأسود في معرض القاهرة للكتاب 2026    بيان الجابر وباسندوة: بوصلة سياسية لتعزيز الدولة واستقرار اليمن    الأسهم الأمريكية تعزز مكاسبها قبل ختام التعاملات    يوفنتوس يكتسح ساسولو بثلاثية في الدوري الإيطالي    وزير الزراعة: مضاربات في السوق على أسعار الكتاكيت.. والارتفاعات غير مبررة    وزير الزراعة: أسعار «الكتاكيت» مبالغ فيها.. وأتوقع انخفاضها قريباً    خطاب التماسك الوطني.. ماذا قال الرئيس السيسي في الكاتدرائية؟    إصابة 4 إسرائيليين وقتيل حصيلة حادث دهس حافلة لمتظاهرين من التيار الحريدي بالقدس    جمعة: منتخب مصر «عملاق نائم»    ارتفاع عدد ضحايا حادث موكب حفل الزفاف بالمنيا إلى 3 وفيات و16 مصابا    وفاة المطرب ناصر صقر بعد صراع مع السرطان    أسماء ضحايا حادث تصادم ميكروباص بسيارة موكب زفاف في المنيا    فريق إشراف من الصحة يتابع سير العمل بمستشفى حميات التل الكبير بالإسماعيلية    محافظ القليوبية يعقد اللقاء الجماهيري بالقناطر لحل مشكلات المواطنين    هل يجوز الحلف بالطلاق؟.. أمين الفتوى يجيب    خالد الجندي: 4 أقسام للناس في «إياك نعبد وإياك نستعين»    دينا أبو الخير: كل متعلقات الأم بعد وفاتها تركة تُقسم شرعًا    إصابة 3 أشخاص في انقلاب سيارة ملاكي أعلى محور حسب الله الكفراوي    محافظ أسوان يشيد بنجاح 6 تدخلات قلبية فائقة بالدقة بمستشفى النيل بإدفو    طريقة عمل الأرز المعمّر، الحلو والحادق طبق مصري بنكهة البيت    طلاب التربية العسكرية بجامعة كفر الشيخ يواصلون مشاركتهم بحملة التبرع بالدم بالمستشفى الجامعي    وضع خارطة طريق لإطلاق منصة رقمية لمركز الفرانكفونية بجامعة عين شمس    المهمة الخاصة ورحلة الحياة ..بقلم/ حمزة الشوابكة.    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 6يناير 2026 فى محافظة المنيا    الجزائر في اختبار صعب أمام الكونغو الديمقراطية.. من سينجو ويبلغ دور الثمانية؟    بث مباشر مباراة مصر وبنين.. صراع أفريقي قوي واختبار جاد للفراعنة قبل الاستحقاقات الرسمية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



المراجعات الفكرية: عادل حسين وعبد الوهاب المسيرى نموذجا
بقلم: طارق الكركيت
نشر في الشعب يوم 08 - 04 - 2019

تمثل ظاهرة المراجعات الفكرية والسياسية فى حياة الكتاب والباحثين ظاهرة جديرة بالملاحظة والتأمل, ذلك أن الباحث أو الكاتب أو السياسى شخص يتصف دائما بالإطلاع والبحث والتنقيب بحثا عن "المدينة الفاضلة" التى فى مخيلته, والتى يتمنى الوصول إليها مصطحبا معه المجتمع الذى يعيش فيه.
من هنا كانت المراجعات الفكرية تتخذ سبيلها.. فما كان يعتقده الفرد فى يوم من الأيام ربما مع مرور الوقت واختبارات الحياة للنهج الذى يمثله, أن يثبت خطأه, أو حاجته إلى إدخال بعض التعديلات فى هذا الفكر أو النسق السياسى الذى ينتهجه.
وهذه الظاهرة, وبدراسة الحالة المصرية خاصة, يتضح أن معظمها كان تحول من التيار اليسارى أو الشيوعية إلى التيار الإسلامى, ومن هذه الأمثلة د. محمد عمارة, والأستاذ عادل حسين, والدكتور عبد الوهاب المسيرى, والمستشار طارق البشرى, وغيرهم, وإذا نظرنا إلى هذه النماذج نجدها تشترك فى ظهورها فى جيل واحد تقريبا, وإن تفاوت أعمارهم, وهم من الجيل الذى نشأ وتربى فى أواخر العهد الملكى والاحتلال البريطانى لمصر, ثم قيام ثورة 23 يوليو 1952, وما صاحب ذلك من انتشار الاتجاه اليسارى وتغلغل الشيوعية فى هذا الوقت, حيث كان ينظر لها المجتمع على أنها القوة الخيرة التى ستنجو به من سيطرة رأس المال وسيطرة المجتمع الغربى ورأسماليته.
ولذا كان من الطبيعى أن يتأثر بها السياسيون والمفكرون, ويتخذونها عقيدة ومنهجا فكريا, إلى أن أثبتت بمرور الوقت وبالتجارب, والمراجعات الفكرية, أن هذا الفكر الذى اعتنقوه وساروا على هديه سنين, ليس هو الفكر الصائب, وأن به خلل, وأن هناك فكرا آخر يستحق الاستمساك به والدعوة إليه, وهو الفكر الإسلامى.
وهنا يجب أن نشيد بهؤلاء الأشخاص, لأن شجاعتهم فى إعلان تراجعهم عن فكر معين, والانتقال إلى فكر جديد, تعتبر من الشجاعة النادرة التى قلما يعلنها صاحب رأى.
ونحن نتعرض هنا لبعض هؤلاء, وندرس تحولاتهم ومراجعاتهم الفكرية, لعلنا نخرج منها باستفادة, وتجربة مفيدة, يجب أن تكون نصب أعيننا لثرائها الفكرى والسياسى.
عادل حسين:
يثير هذا الاسم الكثير من علامات الاستفهام وأيضا الإعجاب، فهو عضو حزب "مصر الفتاة" الذى تركه ليشترك فى الحركة الشيوعية المصرية قبل الثورة, ليكون أحد أعضائها البارزين, وأحد منظريها القلائل، وفى سبيل ذلك يلقى العنت والاعتقال قبل الثورة وبعدها, وليبدأ تحوله الفكرى فى أواخر الخمسينيات, وليظل يبحث عن الحقيقة والصواب إلى أن يصبح أحد رموز التيار الإسلامى، وليصبح الأمين العام لحزب العمل الذى تحول هو الآخر من النهج الاشتراكى إلى النهج الإسلامى على يديه منذ أن أصبح رئيسا لتحرير جريدة "الشعب" المعبرة عن هذا الحزب فى أواخر عام 1986.
وإذا نظرنا إلى مسيرة عادل حسين الفكرية فإننا نجدها تمتد لأكثر من خمسين عاما, بدأها فى صفوف حزب "مصر الفتاة" الذى كان مؤسسه هو شقيقه الأكبر الأستاذ أحمد حسين، والذى تحول فى عام 1949 إلى الحزب الاشتراكى.
لكن عادل حسين تركه لينضم رسميا إلى الحركة الشيوعية عام 1953، وكان تأثره فى هذه المرحلة نابعا من فكر (ماركس) و(أنجلز) ومن بعدهم قادة الثورة البلشفية فى الاتحاد السوفيتى.
وكان هذا التحول الفكرى للشيوعية سبب خلافه مع شقيقه الأكبر أحمد حسين, ولكن تعمق عادل حسين فى الحركة الشيوعية لم يكن لينسيه التفكير باستمرار للوصول إلى الحق، فهو عقلية نقدية قادرة على مراجعة ما تقوم به، وتصحيح موقفها وفقا لما هو صادق وحقيقى.
كانت الفترات التى بدأ فيها عادل حسين تحوله الفكرى تبدأ دائما داخل السجن، ففى هذا المكان يتاح للإنسان - فى بعض الظروف - التفكر والتدبر ومراجعة النفس والفكر، وقد بدأ عادل حسين فى ذلك عندما تبين الأزمة العنيفة والتناقضات الحادة داخل الفكر الماركسى، وكذلك التباين الشديد بين ما جاء فى النظرية وما صار إليه التطبيق, وهو ما أدى فعليا إلى انهيار النظرية فيما بعد, بل انهيار دولة عظمى تبنت هذا الفكر, وهى الاتحاد السوفيتى.
القومية فى مواجهة الماركسية:
وبدأت المراجعة الفكرية الحقيقية لعادل حسين عام 1958، فى هذه الفترة تزايدت انتقاداته للماركسية مع اكتشافه لنواقصها كنظرية علمية تزعم أنها قادرة على تحليل الأحداث والتنبؤ بالمستقبل.
وكانت القضية الأولى التى ركز عليها فى هذه الفترة هى نقده الحاد لخضوع الحركات الشيوعية فى مصر والمنطقة العربية لتوجيهات الاتحاد السوفيتى, الذى يمارس دور الهيمنة على هذه الحركات, وكان يرى أن الخلاف بين رؤيته والاتحاد السوفيتى تنشأ عن جهله - أى الاتحاد السوفيتى - بطبيعة بلادنا وما يجرى فيها.
وحين أعلن ذلك عادل حسين بدأت الخلافات بينه وبين زملائه فى الحركة الشيوعية حول هذه المفاهيم، وحول ضرورة أن نفكر بطريقة مستقلة عن الاتحاد السوفيتى, وهو النهج الذى انتهجه عادل حسين ولم يلق ترحيبا من قادة ومفكرى الحركة الشيوعية, وهذه هى المرحلة الأولى لخروجه من الشيوعية، واستمرت هذه المرحلة الفكرية حتى عام 1963.
ثم بدأت بعدها المرحلة القومية، وفيها بدأ عادل حسين يفكر لماذا أنا وطنى وقومى؟ ولم يقتنع بتفسيرات الماركسية حول ما تعنيه الأمة وما تشكله. فالنظرية الماركسية تقول: إن الأمم هى تشكيلات اجتماعية حديثة نشأت مع نمو الرأسمالية ونتيجة تقدم قوى الإنتاج الحديثة التى خلقت سوقا واحدا يتبادل فيها الناس المنافع, فنشأت بينهم العلاقات وأصبحوا أمما، وكان هذا هو اعتراض عادل حسين, حيث كان يرى أنه ينتمى إلى الأمة العربية، وينتمى إلى تاريخ الأمة العربية، ويشعر بانتماء إلى هذه الأمة، وكانت هذه هى المرحلة التالية فى حياة عادل حسين والتى امتدت حتى عام 1976.
الاقتراب من الإسلام:
خلال عام 1976 أعاد عادل حسين التأمل والمراجعة مع النفس بادئا بالمحطة التى وصل إليها, وهى اعتزازه بقوميته وبتاريخ هذه المنطقة العربية, الأمر الذى جعله يتساءل: إذا كان إيمانى بتاريخ هذه المنطقة هو الذى يعمق انتمائى إليها.. فما هو هذا التاريخ؟
وهذا ما استدعى منه أن يعيد قراءة التاريخ, وقد ركز فى هذه الفترة على قراءة التاريخ الإسلامى برمته, بما فيه من تاريخ فكرى وسياسى واقتصادى, وفوق كل ذلك العقيدة التى توجه كل هذا السلوك والفكر.
وفى عام 1977 بدأ عادل حسين مرحلته الأخيرة فى التوجه إلى الإسلام, وحين تعمق فى القراءة ومراجعته الفكرية وجد أن الأمر ليس مجرد تاريخ, ولكنه كنز متكامل يفضى لما هو خير وأهدى, وشيئا فشيئا انتقل عادل حسين إلى قلب الإسلام, وأصبح أحد دعاته, بل وأصبح رمزا من رموز التيار الإسلامى, وصقرا من صقورها, وفى عام 1986 أنضم عادل حسين إلى "حزب العمل" الذى كان ذا طابع اشتراكى, وهو الامتداد الطبيعى لحركة "مصر الفتاة", وليرأس بعدها تحرير جريدة "الشعب" لسان حال الحزب, ويجرى عليها تعديلات لتتحول معه الجريدة ذات الخط الاشتراكى إلى جريدة إسلامية.
فى نفس الوقت, كان سعيه وجهده لضبط الرؤية الفكرية لحزب العمل, وإزالة اللبس الذى كان حادثا بسبب تسمية الحزب, والعودة إلى جذور الحزب المتمثلة فى "مصر الفتاة", واستطاع فى خلال سنوات قليلة أن يعيد صياغة فكر الحزب إلى النهج الإسلامى المستنير, الذى يقبل الآخر ويستوعبه, ولذا رأينا الحزب وقد تحول إلى بوتقة لصهر الأفكار من كافة الاتجاهات.. ذات المشارب الإسلامية والقومية, على اختلاف أطيافها, لتكون فى النهاية فكرا إسلاميا مقاوما صلبا فى الحق, دفاعا عن عقيدة الأمة, وليصبح الحزب أقوى الأحزاب المعارضة المصرية, ولتتصدر جريدة "الشعب" كافة الجرائد المعارضة قوة وتأثيرا فى الجماهير.. وخاض بها عادل حسين معارك كثيرة دفاعا عن ثوابت الأمة, وضد الفساد, وضد الحلف الصهيونى الأمريكى.
وعلى الرغم من أهمية وجوده كرئيس لتحرير هذه الجريدة, إلا أنه ترك هذا المنصب, ليتفرغ كأمين عام للحزب, سعيا لاستكمال رسالته فى بناء حزب عقائدى, وهو ما نجح فيه.. وبسبب هذا النجاح الذى لم تستطع الدولة تحمله, لما يمثله من خطر, فكان قرارها بتجميد الحزب إداريا عام 2000, إلا أن الفكر والنهج الذى غرسه عادل حسين فى أعضاء الحزب, هو الذى جعل الحزب يستمر إلى اليوم, بعد قرار التجميد, بل وبعد رحيل عادل حسين نفسه.
د. عبد الوهاب المسيرى:
لا يذكر اسم الدكتور عبد الوهاب المسيرى إلا ويذكر معه القضية الفلسطينية, والتاريخ اليهودى, ومصطلحات مثل العولمة والحداثة والتحيز، فهو صاحب إبداع فى هذه المجالات، وله من الكتابات فى هذا المضمار ما يؤصل للفكر الإسلامى فى مواجهة الفكر الغربى.
ولا يمكن أن نذكر اسم الدكتور عبد الوهاب المسيرى إلا ونذكر موسوعته القيمة "اليهود واليهودية والصهيونية" التى صدرت بعد جهد استمر أربع وعشرين عاما من العمل لإخراج هذه الموسوعة. وحياة د. عبد الوهاب المسيرى حافلة بالمراجعات الفكرية، ومناقشة النفس والآخرين سعيا للوصول إلى "الحقيقة المطلقة" كما أسماها, وفى سبيل هذه الحقيقة المطلقة" تنقل من الإسلام إلى الإلحاد والشيوعية, ثم عاد بعد تجربة طويلة مع الشيوعية والمادية إلى رحابة الإسلام مرة أخرى, ليصبح أحد المفكرين الإسلاميين الذين يُنظرون للفكر الإسلامى فى مواجهة الفكر الغربى بسعة أفق وتجربة سنين طويلة قضاها فى البحث والدراسة وصولا إلى "الحقيقة المطلقة".
ولد د. عبد الوهاب المسيرى ونشأ فى مدينة "دمنهور" ودرس فى مدارسها حتى المرحلة الثانوية, وفى هذه المرحلة الأخيرة بدأت تتفتح أمام عقله الأسئلة التى لم يكن يجد لها إجابة، مثل سؤاله عن أصل الشر, وعن سبب الوجود، وكانت هذه الأسئلة رغم أنها أسئلة ذات طابع غيبى، إلا أن المحيطين به, من أسرته، أو من أساتذته فى المدرسة لم يستطيعوا أن يردوا على أسئلته بالشكل الذى يقنعه، فبدأ تحوله عن الإيمان بعد أن اعتقد أن الإيمان مثله مثل عدم الإيمان، وبدأ هذا التحول بشكل درامى، فلقد كان فى طريقه ذات ليلة من ليالى شهر رمضان لصلاة العشاء فى المسجد، وإذا بذات الأسئلة تتدفق على عقله الذى لم يكن قادرا على الإجابة, فأتخذ القرار ورجع إلى منزله، ولم يذهب إلى المسجد، بل لم يصم بقية شهر رمضان، وزادت المسافة اتساعا حينما انتقل للدراسة بكلية الآداب جامعة الإسكندرية، وهناك انضم للحركة الماركسية, والتحق بصفوف الحزب الشيوعى المصرى, الذى لم يستمر معه طويلا فقدم استقالته، ولكنه ظل محافظا على ماركسيته، وبعد تخرجه فى الجامعة بعدة سنوات سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للحصول على درجتى الماجستير والدكتوراه، ولكن قبل سفره وأثناء عضويته فى الحزب الشيوعى حدثت واقعة استوقفته طويلا, ففى هذه المرحلة تعرف على طالبة "زوجته فيما بعد" وأراد الإقتران بها، وكشيوعى مخلص أراد أخذ رأى الحزب الشيوعى.. وبعد حوارات رفض الحزب هذه الزيجة تحت دعوى أن طليعة الطبقة العاملة يجب ألا تقترن بالبرجوازية، وذهب د. عبد الوهاب إلى والدته وسألها عن رأيها فى هذه الزيجة, فقالت له: وهل يشعر قلبك بالبهجة حين تراها؟
وهنا كانت الوقفة وأحس د. عبد الوهاب بالتناقض الغريب بين الفكر الماركسى المادى الذى يحلل كل شىء نسبة إلى المادة، وبين الفكر الدينى الفطرى الذى تمثله والدته. وبعد عدة سنوات حدثت واقعة أخرى استدعت وقفة أخرى ومراجعة أخرى فى حياته، إذ رزق بابنته الأولى، ورغم أن هذه الحادثة تحدث آلاف المرات أمامه إلا أنه بدأ يفكر فى دلالاتها، وبدأ يتساءل: هل عملية الإنجاب هذه نتاج طبيعى لالتقاء جينات فحسب!، أم أن المسألة أكثر دقة وأوسع علما من النظرة المادية للأشياء؟.
كانت هاتان الحادثتان إشارتان لعقله بأن يعيد التفكير فى فكره المادى الماركسى، وفى هذه المرحلة بدأت مراجعته الفكرية بعد أن ظهرت أسئلة أخرى، وبخاصة أنه كان فى قلب الولايات المتحدة, والتى كانت تسمى مركز العقلانية والاستنارة، ولكن لفتت انتباهه ظواهر مثل ظاهرة الإمبريالية، هذه الظاهرة المتوحشة التى تدمر الشعوب والبنى الحضارية للأمم، والعنصرية التى توجه الإمبريالية، وظاهرة تأييد الغرب وأمريكا لإسرائيل، وهو تأييد ليس عقلانيا بالمرة، فهم يطالبون بفصل الدين عن الدولة, فكيف يؤيدون قيام دولة تستند إلى أساطير توراتية وعنصرية وتقوم أساسا على الدين؟
وأثار انتباهه خلال تواجده فى أمريكا ظاهرة اهتمام الأمريكان بالجنس، وكيف أنه وهو الرجل القادم من الشرق المكبوت يكون اهتمامه بالجنس أقل من اهتمام الأمريكان به عشرات المرات، رغم أن الجنس لديهم مباح بجميع أشكاله.
وبدأت المراجعة الفكرية لهذه المنظومة المادية، وبدأ فى نقدها نقدا شديدا، وبدأ د. عبد الوهاب المسيرى فى تحوله من المادية والماركسية إلى الإسلام، وبدأ يدرك قصور وخطورة وحدود "العلم", وفكرة "التقدم", فالتقدم فى الغرب يتصورونه لا نهائى نتيجة أن العقل وقدراته لا نهائية، ولكنه بدأ يكتشف أن المصادر الطبيعية لا تكفى للتقدم اللانهائى، وبدأ يدرك أن العقل غير قادر على الرؤية الكاملة، وأكبر دليل على ذلك الكوارث الطبيعية والبيئية.
ويقول د. عبد الوهاب المسيرى عن هذه المرحلة من مراحل مراجعاته الفكرية: (إذا كانت الرؤية المادية تجد شرعيتها من خلال العلم والتقدم العلمى، فحينما بدأت هذه الأمور تتآكل، ونرى الجوانب المظلمة فيها، كل ذلك جعلنى أعرف حدود الإنسان, وحدود عقله, ومن ثم جعلنى أتحول إلى الإيمان بقوة أكبر).
واستمرت هذه المرحلة من التفكير والتعمق فى الدراسة والتحول الإيمانى من أواخر السبعينيات حتى منتصف الثمانينيات، وعندها تحول د. عبد الوهاب المسيرى إلى الإيمان الكامل بالله، وبقدرته على كل شىء، وبأهمية الإيمان بالغيبيات كما نؤمن بالمعلوم وبالمادة.
وعندما تحول د. عبد الوهاب المسيرى إلى الإسلام, وإلى الإيمان الكامل بالله, كان قد قارب على الانتهاء من موسوعته "اليهود واليهودية والصهيونية" ولكنه توقف وبدأ فى إعادة صياغتها من جديد وفقا لرؤيته الإسلامية، واستمر منذ ذلك التاريخ حتى صدرت عام 1999، وبعد مراجعاته الفكرية، فإن الدكتور عبد الوهاب المسيرى يرى أننا الآن فى نهاية مرحلة من تاريخ العالم، وهى مرحلة الحداثة الغربية المنفصلة عن القيم، وهذا يترجم نفسه فى محاولة الوصول إلى رؤية عامة للكون بلا أخلاق، ومن ثم فإن الإسلام مرشح لوضع آلية، وفكر ينهض بهذا العالم، ولكنه يرى أن هذه المسألة فى نهاية الأمر متروكة للعالم الإسلامى، وهل يأتى بهذا البديل أم لا؟ وهل يترجمه عمليا بحيث يأتى بحداثة إنسانية تنقذ الإنسان مما هو فيه الآن؟
رحم الله عادل حسين.. ورحم الله د. عبد الوهاب المسيرى.. أستاذان وعالمان قل أن يجود بهما الزمان.
http://alkarket.maktoobblog.com/
جميع الحقوق محفوظة لدنيا الوطن © 2003 - 2017


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.