الداخلية المصرية تعلن :إيقاف عدد من خريجي معهد معاوني الأمن وإحالتهم إلى المحاكمة التأديبية بسبب احتفالات "غير منضبطة" بعد احتفالات تخرجهم.    رئيس تنشيط السياحة يبحث مع شركات الطيران الدولية والإسبانية زيادة الحركة الوافدة لمصر    الجريدة الرسمية تنشر قرار تصنيف مناطق الإيجار القديم فى مطروح    مصلحة الجمارك المصرية تكشف عن حالة وحيدة تمنح المسافر حق الإعفاء الكامل من رسوم الهاتف المحمول عند دخوله البلاد    كاتب فلسطيني: إسرائيل تستهدف استبعاد حماس من غزة بشكل كامل وليس عسكريا فقط    الكرملين: بوتين يلتقي الشرع في موسكو غدًا    الرئيس الجزائري يستقبل كبير مستشاري ترامب    مستوطنون يطلقون النار صوب منازل الفلسطينيين جنوب نابلس    زلزال بقوة 5.7 درجات يضرب سواحل إندونيسيا    ثنائي ليفربول يغيب عن مواجهة كاراباج بدوري أبطال أوروبا    مروان عثمان: سعيد بأول أهدافي مع الأهلى والقميص الأحمر مسؤولية كبيرة (فيديو)    الأهلي: محمد شريف مستمر معنا    ايقاف 6 من خريجي معهد التعاون وإحالتهم للمحاكمة بقنا    العمل الثقافي وبناء الدول.. ندوة بمركز أبوظبي للغة العربية بمعرض الكتاب    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    مقتل 3 أشخاص وإصابة 25 في أوديسا بأوكرانيا جراء هجوم بمسيرات    حلم الحركة يعود.. توجيهات رئاسية تخفف الألم عن ملايين الأسر    أسامة الدليل: مصر تفرض معادلة «فلسطينى مقابل فلسطينى» فى معبر رفح    رين يتمسك بمهاجمه ويرفض عرض الهلال لضمه رغم الإغراءات المالية    استشاري بالصحة النفسية يحذر: إدمان الألعاب الإلكترونية والمراهنات خطر يهدد المراهقين    معرض القاهرة للكتاب يسجل رقمًا قياسيًا بتجاوز مليوني زائر في 5 أيام    ختام ناجح لتصفيات شمال أفريقيا المؤهلة لبطولة للمدارس    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    جامعة كفر الشيخ تشارك في ملتقى متطوعي وحدات التضامن الاجتماعي بالوادي الجديد    معرض الكتاب يناقش إشكاليات الترجمة الأدبية بين البولندية والعربية    أسعار البترول تواصل صعودها عالميًا.. وخام برنت يكسر حاجز ال 66 دولارًا للبرميل    طقس الإسكندرية اليوم.. عاصفة ترابية وأمطار متفاوتة تضرب المحافظة    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    القصة الكاملة لفتاة قنا.. قرار جديد من جهات التحقيقات وتفاصيل مثيرة    رئيس الوزراء يتفقد مشروع إنشاء مُستشفى هليوبوليس الجديدة..وافتتاح مستشفى كليوباترا التجمع    علاج النسيان وعدم التركيز بالأعشاب الطبيعية    الأوقاف: تخصيص 30 مليون جنيه قروضًا حسنة بدون فوائد    جامعة أسيوط تشارك في مؤتمر حوادث السفن وسلامة البيئة البحرية بالإسكندرية    عاجل- رئيس الوزراء مستشفى هليوبوليس الجديدة: 42 ألف م2 و400 سرير لخدمة مليون مواطن    نائبا وزيري خارجية أمريكا وطاجيكستان يزوران المتحف المصري الكبير    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    التايكوندو يعلن تشكيل لجنة السلامة وإدارة المخاطر    شقيق حنين أشرف طالبة الإسكندرية التي ألقت بنفسها من "ميكروباص": ما زالت فاقدة للوعي    تفاصيل اعترافات المتهم بقتل أم وأطفالها الثلاثة فى فيصل قبل الحكم.. فيديو    كشف ملابسات واقعة سرقة معدات موقع صرف صحي بالشرقية    اسكواش – رباعي مصري يحسم تأهله لنصف نهائي بطولة الأبطال    اندلاع حريق داخل مصنع إسفنج فى البدرشين    إطلاق «المكتبة العربية الرقمية» بالشراكة بين مركز أبوظبي للغة العربية    سعر طبق البيض بالقليوبية الثلاثاء 27 - 1 - 2026.. الأبيض ب117 جنيها    رئيس جامعة المنوفية يلتقي بمقرري الأسرة المركزية الجدد لطلاب من أجل مصر    معرض الكتاب.. الشاعر الأردني "محمد جمال عمرو" ضيفا في جناح الطفل وحفل توقيع كتابه "أحلام صغيرة"    محافظ القاهرة يصدر حركة تنقلات محدودة لرؤساء الأحياء    لطلاب الدمج.. تعرف على ضوابط ومواصفات امتحان الثانوية العامة 2026    التعليم تعلن فتح باب التقديم لشغل وظائف مديري ووكلاء المدارس المصرية اليابانية    منع الزيارة عن الفنان سامح الصريطي وزوجته ترافقه داخل العناية المركزة    استشهاد 4 فلسطينيين بقصف للاحتلال الإسرائيلى شرق مدينة غزة    كامل الوزير: نتطلع لزيادة عدد المصانع الأمريكية بمصر في مختلف المجالات    شوبير: الأهلى رفض نزول ناشئى بيراميدز التدريب حتى بت المحكمة الرياضية    سكاي نيوز: وفاة مصري في غارة إسرائيلية على جنوب لبنان    مصر تنافس على المركز الأول في صادرات الملابس بأفريقيا ب 3.4 مليار دولار    نيابة عن رئيس الوزراء.. خالد عبدالغفار يشارك في احتفال سفارة الهند بالذكرى ال77 لعيد الجمهورية    حين تفتح أبواب السماء.. 7 أسرار نبوية للدعاء المستجاب    أمين الفتوى بدار الإفتاء: المأذون شريك في الحفاظ على استقرار الأسر المصرية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الصّديقُ العزيزُ مُصطَفَى لَبِيبٍ
نشر في الشعب يوم 28 - 04 - 2016

مِنْ بعيدٍ تعارفنَا. أنا في غُربتي الغربيّةِ وهو في غُربتِهِ الشّرقيّةِ. وفي ساحاتِ الفكرِ تقاربنَا، وفي ميادينِ الثّقافةِ تلاقينَا.
عِندما تتلاقَى الأرواحُ، وتنسجمُ النّفوسُ، تتصاغرُ قيمةُ الأجسادِ، وتتضاءلُ أهمّيّةُ اللِّقَاءَاتِ.
مرّتِ السّنونَ كلمحِ البصرِ، قبلَ أن يرحلَ عَنْ عالمنَا الصّديقُ العزيزُ، والعالمُ الجليلُ مصطفى لبيبٍ. وَبَعْدُ.
قصّةُ حياتِه تُذكّرني بقولٍ لصديقي العَالمِ محمّدِ منصورٍ، أستاذِ التّحكّمِ الآليّ في جَامعةِ زيورخَ، الّذي قالَ: «إِنّ مَن يبرعُ ويتفوّقُ في مجتمعٍ متخلّفٍ، فَهُو لَا محالةَ أقوى من الظّروفِ المحبطةِ المحيطةِ بِهِ».
كثيرًا ما تألّمتُ من الأحوالِ المزديّةِ الّتي يعيشُ فِيها عُلماؤنا، ويعاني منهَا بَاحثونَا في مصرِنا الحبيبةِ.
وَقَدِ اضطرّتنَا - نَحنُ المصريّينَ - الظّروفُ الصّعبةُ الّتي طالما ابتلانَا البارئُ تعالَى بهَا إلَى تَطويرِ فَنٍّ للتّأقّلمِ والتّعايشِ مَعَ أيّ ظروفٍ تواجهُنا، وأيّ محنٍ تقابلنَا.
ولنتأمّلْ مثلًا البعدَ السّياسيّ لقولِ المعتزلةِ إنّ مرتكبَ الكبيرةِ «في منزلةٍ بينَ المنزلتينِ». فهُم لو قالوا - مثلُ الخوارجِ - إنّ مرتَكِبَ الكبيرةِ كافرٌ، لكانَ هذا إعلانَ حربٍ على السّلطةِ، ببطشِهَا، وقمعِهَا، وخساستِهَا، وغرورِهَا.
والشّيءُ نفسُهُ ينطبقُ على كثيرٍ منَ العلماءِ الأبرارِ الّذينَ يدركونَ ظلمَ الحكّامِ، واستشراءَ الفسادِ في شتّى مستوياتِ المجتمعِ الّذي يعيشونَ فيهِ، لكنّهم مضطرّونَ إلى التّعايشِ معهُ، لكي يواصِلُوا بحوثَهم، ويداوِمُوا دراسَاتِهم، ويظلّوا على صِلَةٍ بالعلمِ الّذي هُوَ لهم مثلُ الهواءِ للمخلوقاتِ جميعًا. وبعدُ.
أَحَبّ الصّديقُ مُصطفى لَبيبٍ العلمَ، وَعَشقَ المعرفةَ. وتميّزَ بالفضولِ الّذي ينبغي أن يكونَ من ثَوابتِ صحيحِ الإيمانِ، إِنْ شِئنَا اعتبارَ الإسلامِ: عِلمًا، وَعَمَلًا، وَأَخْلَاقًا. وَبَعْدُ.
نقلَ الصّديقُ مصطفى لبيبٍ كتابَ المرحومِ هاري ولفسونَ الّذي زاملَ بدورهِ أستاذتِي وصديقتي أنّا ماري شيملَ في جَامعةِ هَارفردَ قبلَ عدّةِ عقودٍ.
أحببتُ هَاري ولفسونَ كثيرًا، عِندمَا اشتغلتُ بتاريخِ المعتزلةِ وعلمِ الكلامِ. أعجبنِي أسلوبُ تحليلِهِ الدّقيقُ، وفضّلتُه عَلَى مُعظمِ مُستشرقِي ألمانيَا الّذينَ يميلُونَ إلى عَالمِ الخيالِ، عِندمَا يكتبونَ عنْ تاريخِ الإسلامِ.
كَانَ ولفسونُ هَذا عالمًا فذًا صَبورًا. قَالتْ لي أنّا ماري شيملَ إنّها كانتْ تراهُ جَالِسًا فِي مكتبةِ جامعةِ هارفاردَ طوالَ الوقتِ، يقرأُ، ويتأمّلُ، ويكتبُ.
تَركَ لنَا ولفسونُ، ضِمْنَ مَا تركَ، ثَلاثةَ كتبٍ فَريدةٍ حقًّا، لُم يدركْ أهمّيتهَا مُعظمُ مُعَاصِرِينَا. فَهو قَدْ خَصّ علمَ الكلامِ الإسلاميِّ بدراسةٍ وافيةٍ، وكرّسَ حياتَه لدراسةِ عَلَمينِ من جَهابذةِ العُلماءِ اليهودِ، هُمَا سبينوزَا وَفِيلونُ الإسكندرانيّ.
يَقِينًا نستطيعُ أن نقولَ إنّ العالمَ كانَ ولا يزالُ قريةً صغيرةً.
فالعالمُ الأمريكيّ ولفسونُ كرّسَ حياتَه للكتابةِ عن ثلاثةِ علماءَ وموضوعاتٍ لها علاقةٌ بَعَالَمِنَا العربيِّ الإسلاميِّ وبمصرَ بالذّاتِ.
فَفِيلونُ الأسكندرانيّ كانَ مصريًّا يهوديًّا، واسبينوزَا ينحدرُ مِن أُصولٍ أسبانيّةٍ-برتغاليّةٍ، أيْ مِنِ الأندلسِ الإسلاميّةِ، قبلَ أن تهاجِرَ أسرتهُ إلَى هُولندَا، وَيتخصّصَ هُو في نقدِ الكتابِ المقدّسِ. مع الإشارةِ إلى تقزّزي الشّديدِ منْ تجاهلِ اسبينوزا الإِشَارَةَ إِلَى فَضلِ ابنِ حَزمٍ القُرطبيّ عليهِ.
وَعِلمُ الكلامِ هو جزءٌ أصيلٌ منَ العقيدةِ الإسلاميّةِ. وَبَعْدُ.
تولّى الصّديقُ مُصطفى لبيبٍ نقلَ مَوسوعَةِ ولفسونَ عنْ «فلسفةِ الكلامِ» إِلَى العربيّةِ. فقدّمَ بذلكَ خِدمةً جليلةً للقارئِ العربيّ المعاصرِ، وَالباحثينَ العربِ.
فنظرًا لفسادِ منظومةِ التّعليمِ في عالمنا العربيّ الإسلاميّ ظلّتْ صورةُ المعتزلةِ وعلمِ الكلامِ مشوّهةً في أذهانِ النّاسِ جميعًا.
وأنا شَخصيّا لم أتعلّمْ، ولم أفهمْ أصولَ علمِ الكلامِ، إلّا عندما رحلتُ عن العالمِ العربيّ، والتحقتُ بالجامعاتِ الأوروبيّةِ.
ترجمةُ الصّديقِ مصطفى لبيبٍ لكتابِ هاري ولفسونَ عنْ «فلسفةِ الكلامِ» هو إنجازٌ عظيمٌ مشكورٌ، يَنبَغِي أَنْ يُدركَه النّاسُ فِي مصرَ والعالمِ العربيّ.
لكنّ لا قيمةَ للعلمِ عندَ العربِ المحدثينَ، للأسفِ.
فهذه التّرجمةُ المحترمةُ الّتي أنجزَها الصّديقُ مصطفى لبيبٍ، طَبعوها طباعةً رخيصةً، ركيكةً، لا تليقُ بالمترجمِ، ولا بالمؤلّفِ، ناهيكَ عنْ موضوعِها الخطيرِ. وَبَعْدُ.
اهتمّ الصّديقُ مصطفى لبيبٍ أيضًا بالفكرِ الغربيّ الحدِيثِ.
وعندما علمَ بصداقتي لِكَبيرِ عُلماءِ اللّاهوتِ المعاصرينَ هَانسَ كُينجَ، سَارعَ يعرضُ عليّ المشاركةَ بدراسةٍ عنْهُ في مؤتمرٍ دوليّ ساهمَ في تنظيمِهِ سنةَ 2006م في جَامعةِ القَاهرةِ عِنِ «المشتركِ بينَ الثّقافاتِ».
وبالفعلِ حَرصتُ على نَقلِ صُورةٍ أمينةٍ عنْ فِكْرِ هانسَ كينجَ للقَارئِ العَربيّ والباحثِ المسلمِ، بدراسةٍ مستفيضةٍ عنهُ، نشرُوهَا في كتابِ المؤتمرِ لاحقًا.
وعندمَا شرعتُ أنقلُ كتابَ صدِيقي هانسَ كينجَ «لماذا مقاييسُ عالميّةٌ للأخلاقِ؟» إلَى اللّغةِ العربيّةِ، كانَ الصّديقُ مصطفى لبيبٍ من أوائلِ المرحّبينَ بالفكرة، والمشجّعينَ لهَا.
بلْ إنّه أوصَى بعضَ تلامذتِه بِدراسةِ فكرِ هَانسَ كينجَ، والإسهامِ في تقديمهِ للمثقّفِ العربيّ. وَبَعْدُ.
مرّتِ السّنونَ كلمحِ البصرِ. وَكانَ الصّديقُ مصطفى لبيبٍ يحرصُ عَلى إرسالِ إبداعاتِه الجديدةِ لي، مثلمَا كنتُ أحرصُ على تقديمِ أيّ جديدٍ أنشرُه لَه.
فكانَ من أوائلِ الأصدقاءِ الّذينَ تلقّوا كتابي: «الإسلامُ في عيونِ السّويسريّينَ»، قبلَ أكثرَ منْ عشرِ سنواتٍ.
كما أنّه تلقّى كتابي عَن صديقتي أنّا ماري شيملَ الّتي كانَتْ لا تُوقّعُ خطاباتِهَا لِي، إِلَّا بعبارَةِ: «الفقيرةُ إِلَى رَحمةِ اللّهِ، أُمُّ هريرة»، حيثُ كانتْ تعشقُ القططَ !!
والتقتْ نفوسُنا جميعًا، شيملَ ولبيبًا وَأنا، عَلى حبّ الصّوفيّةِ، ومقتِ الفكرِ الحنبليّ، الوهّابيّ، السّلفيّ المزعومِ.
فأنا في أطروحتي للماجستيرِ أوضحتُ جمودَ الفكرِ الحنبليّ، وفي أطروحةِ الدّكتوراةِ أظهرتُ العواقبَ الوخيمةَ لهذا الفكرِ الهدّامِ على الحضارةِ الإنسانيّةِ. وَبَعْدُ.
كانَ الصّديقُ مصطفى لبيبٍ يحرصُ على لفتِ الانتباهِ إلى سفاهةِ المدعوّ محمّد بنِ عبدِ الوهّابِ، وتافهتهِ، وكثيرًا ما ذكّرني أنّ شقيقَه كانَ من أوائلَ من فضحوهُ.
وكانتِ الصّديقةُ شيملُ تعشقُ التّقرّبَ إلى البارئ تعالى من خلالِ الأدعيةِ الصّوفيّةِ الجميلةِ الّتي تفيضُ حُبًّا وَإِيمانًا.
وأتذكّرُ أنّ وهّابيّةَ السّعوديّةِ جَعلوا يتردّدونَ طويلًا، قبلَ أن يقرّرُوا تكريمهَا عَلى مضضٍ.
فهمْ قدِ اطّلعوا على كتاباتي عَنها. فأُعجبوا بِحَماسِهَا للإسلام، لَكِنَّهمُ اعترضُوا على مُيولهَا الصّوفيّةِ.
حكتْ لي شيملُ أنّها تلقتْ مكالمةً من السّفارةِ السّعوديّةِ في بونَ، عندمَا كانتْ عاصمةَ ألمانيا الغربيّةِ، وبعدَها أرسلوا إليها سيّارةً أخذتهَا إلى المطارِ، وَدسّوها في طائرةٍ إلى السّعوديّةِ، ومن المطارِ إلى أحدِ القصورِ الملكيّةِ، حيثُ استقبلوهَا بحفاوةٍ وترحابٍ، قبل أن يعيدوهَا إلى ألمانيا، بدونِ أيّ صخبٍ إعلاميّ!! وَبَعْدُ.
اهتمّ الصّديقُ مُصطفى لبيبٍ بالفكرِ الصّوفيّ، وبالعلماءِ المصريّينَ الّذين درسُوا الصّوفيّةَ في الجامعاتِ الغربيّةِ، وكتبوا دراساتٍ قيّمةً عن أعلامِ الفكرِ الصّوفيّ.
اهتمامُنَا المشتركُ بالصُّوفيّةِ جَعلنا نلتقي منْ جديدٍ عندَ تراثِ العالمِ المصريّ أبي العلا عفيفي الّذي درسَ في بريطانيا، وكانَ له إسهاماتٌ متميّزةٌ في تعميقِ فهمِنَا للفكرِ الصُّوفيِّ.
أتذكّرُ أنّ الصّديقَ لبيبًا قد بعثَ لي بترجمتِهِ لأحدِ أعمالِ عفيفي، دُونَ أن تسمحَ الظّروفُ بعقدِ مناقشةٍ عميقةٍ عنْ هذا العالمِ الفذِّ. وَبَعْدُ.
عِنْدَمَا درستُ تاريخَ العلمِ، سارعَ الصّديقُ العزيزُ مصطفى لَبيبٍ بمساعدَتِي بإرسالِ بعضِ كُتبِهِ القيّمةِ عنْ تاريخِ العلمِ عندَ العربِ لِي.
وَفي السّنواتِ الّتي أمضيتُها في دراسةِ المخطوطاتِ الطّبيّةِ العربيّةِ، كنّا لا نتوقّفُ عنْ مناقشةِ إسهاماتِ كبارِ الأطبّاءِ العربِ في تطويرِ العلمِ الإنسانيِّ. وبعدُ.
فِي السّنواتِ الأخيرةِ عندما أبلغتُ العزيزَ مصطفى لبيبٍ بمشروعي المتواضعِ لدراسةِ فكرِ العملاقِ هيلموتَ شميدتَ، لم يتردّدْ في تَشجيعي، برغمِ استغرابِهِ مِنْ تحوّلاتِي، وَتَنَقُّلَاتِي!!
فأنا بَدأتُ بعلمِ الكلامِ، ثمّ انتقلتُ إلى الصّوفيّةِ، قبلَ أن أدرسَ اللّاهوتَ المسيحيّ، وَالدّيانةَ اليهوديّةَ، لأصلَ إلى التّاريخِ الألمانيّ وَالأمريكيّ الحديثِ، وَمازلتُ أشقّ طريقي بحثًا عن المعرفةِ الّتي ينبغي أن تكونَ ضالةَ المؤمنِ.
بعثتُ إلى الصّديقِ مصطفى لبيبٍ بمسودةِ ترجمتي كتابَ: «قَرننا هذا» للمرحومِ هيلموتَ شميدتَ وصديقِهِ فريتسَ شترنَ.
كنتُ أودّ نشرَ التّرجمةِ مع التّعليقاتِ، مِثلمَا فعلتُ مع ترجمةِ هانسَ كينجَ. لكنّي أدركتُ أن التّعليقاتِ ستستَغرقُ المزيدَ من الوقتِ، فقرّرتُ إصدارَ التّرجمةِ أوّلًا، حتّى انتهيَ من التّعليقاتِ.
وَبِالمُناسَبَةِ فإنّني نوّهتُ بفضلِهِ في مقدّمتي كتابَ: «قَرنُنا هَذا»، معَ سائرِ الأصدقَاءِ.
كنّا نتشاورُ كثيرًا في موضوعاتٍ شتّى، وكانَ لا يتردّدُ في تقديمِ النّصيحةِ السّديدةِ، أو الإشارةِ المفيدةِ، إلى مرجعٍ مهمّ، أو ترجمةٍ قيّمةٍ. وَبَعْدُ.
جمعَنَا أيضًا الاهتمامُ بالعملاقِ المصريّ عبدِ الرّحمنِ بدويٍّ الّذي سَعَى بعضُ أشقّائِه إلَى إعادةِ نشرِ أعمالِه في القاهرةِ، دونَ أن أسمعَ شيئًا عن نتائجِ عملِهمْ.
فأنا كنتُ على صلةٍ غيرِ مباشرةٍ بالعملاقِ بدويٍّ عندَما كَانَ يَعيشُ في باريسَ، وَالصّديقُ ليببٌ كانَ عَلَى صِلَةٍ مباشرةٍ بعائلةِ بدويٍّ فِي القَاهرةِ.
جَمعنا أيضًا عشقُ اللّغةِ العربيّةِ. وَشَاءَتِ الأقدارُ أن يلتحقَ الصّديقُ لبيبٌ بمجمعِ اللّغةِ العربيّةِ في السّنواتِ الأخيرةِ، حَيثُ سمعتُ أنّه ارتبطَ بعلاقةِ صداقةٍ مَع رئيسِهِ المحترمِ. وَبَعْدُ.
عِنْدَما زَارَ ألمانيا مؤخّرًا، كُنْتُ أُريدُ مقابلتَهُ شخصىًّا في فرانكفورتَ، لَولا انشِغَالِي بِالإعدَادِ لِرِحلَةٍ إلَى الأندلسِ.
وعدتُه أنْ أبعثَ إِلَيْهِ بصديقي الصّوفيّ الشّيخِ عثمانَ الّذي أوصيتُهُ بتكريمِ عالمنا لبيبٍ، ودعوتِهِ إلى العشاءِ في «مطعمِ أيفوري» الشّهيرِ.
لكنّ الشّيخَ عثمانَ لمْ يتمكّنْ منْ زيارةِ الصّديقِ لبيبٍ في فرانكفورتَ، فأهدرَ فرصةً ثمينةً لمعرفةِ عالمٍ جليلٍ. وبعدُ.
عِندما مرضَ، لم أتوقّفْ عنِ السّؤالَ عنهُ، وتشجيعِه عَلَى مُواصلةِ الكفاحِ، والإصرارِ عَلى العودةِ متألقًا. كنتُ أقولُ لَهُ: «نحنُ بحاجةٍ إلى إبداعاتِكَ، وأعمالِكَ الجميلةِ».
لكنّي أعترفُ أنّني لم أكتشفْ بعدُ حكمةَ البارئِ تعالى في تقريرِ لحظةِ الفراقِ، وحسمِ ساعةِ الرّحيلِ.
يقنيًا نحنُ نتألّمُ كثيرًا، ونبكي طويلًا، على فرَاقِ أحبائِنَا وأصدقائنَا. لكنْ علينا أيضًا أن نتذكّرَ أنّ الصّديقَ مصطفى لبيبٍ كانَ عاشقًا للصّوفيّةِ، ومؤمنًا بالفكرِ الصّوفيّ الأصيلِ.
والصّوفيّةُ في الإسلامِ تؤمنُ بالحبّ الإلهيّ، وتعتقدُ أنّ ملاقاةَ العاشقِ للمعشوقِ لا يحولُ بينها إلّا الموتُ الجسديّ.
ولذلكَ فهم يعتبرونَ الموتَ «تاجَ المؤمنِ»، لأنّه بالموتِ فقطْ يستطيعُ المؤمنُ أن يتّحدَ بالبارئِ تعالى ويعودَ إليهِ.
ولهذا السّببِ حرصَ جلالُ الدّينِ الرّوميّ على تنبيهِ تلامذتِهِ ألّا يبكوا، عِندمَا يَزورونَ قبرَه، بَلْ ينبغِي أنْ يرقصُوا، ويفرحُوا.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.