الخارجية تتابع بشكل مستمر احتياجات وشئون المصريين بالخارج    السيطرة على حريق بمنزل دون إصابات بشرية في طما بسوهاج    مصحف بماء الذهب هدية شيخ الأزهر لمحافظ قنا تقديرا لمكانة جده الإمام الببلاوى    الرعاية الصحية تطلق حملة لحماية مرضى السكري من مضاعفات القدم السكري بجنوب سيناء    ارتفاع سعر اليورو اليوم الأربعاء 25 فبراير 2026 بالبنوك المصرية    25 فبراير 2026.. الذهب يرتفع 40 جنيها وعيار21 يسجل 7000 جنيه    محافظ القاهرة يطلق فعاليات «أبواب الخير» بالأسمرات لتوزيع 40 ألف كرتونة    وزير الصناعة يوجه باستكمال المرافق وتقنين المصانع غير المرخصة بمنطقة شق الثعبان    وزير «الخارجية» يبحث إنشاء مجلس أعمال مصري - فلبيني مشترك    الساعات الأخيرة تحسم موقف مبابي من المشاركة أمام بنفيكا    ماركا: تشافي هيرنانديز المرشح الأبرز لخلافة وليد الركراكي في تدريب منتخب المغرب    محافظ الشرقية يهنئ رئيس الجمهورية بمناسبة الذكرى ال1086 لتأسيس الجامع الأزهر الشريف    سقوط 438 تاجر سموم وضبط 195 قطعة سلاح نارى فى حملة مكبرة    الأمن يكشف حقيقة فيديو "السجائر الإلكترونية المخدرة" ويضبط مروجه بالشرقية    موجة برد تضرب الشرقية.. ورفع درجة الاستعداد لمواجهة التقلبات الجوية    دفاع مصور واقعة كمبوند التجمع: موكلي وثق الواقعة بسبب تعرض فرد الأمن للظلم    الداخلية تكشف الحقيقة وراء وفاة نزيل بالجيزة وتضبط ناشر الفيديو الكاذب    صداع «بمب رمضان» ينتهى فى قبضة الأمن.. ضبط 1.5 مليون قطعة ألعاب نارية    وزير الدفاع يشارك عددا من مقاتلي الجيش الثاني الميداني تناول الإفطار (فيديو)    وفاة والد الفنانة مي عمر    وزير النقل يتابع أعمال تنفيذ الخط الأول من شبكة القطار الكهربائي السريع    أطعمة لعلاج تكيس المبايض وتحسين حساسية الإنسولين في رمضان    «مديرة المبادرات الصحية»: «المقبلين على الزواج» تطلق حزمة فحوصات لضمان صحة الأجيال| فيديو    مركز التدريب بدار الإفتاء يعلن تخريج دفعة جديدة من البرنامج الدائم للوافدين    اتصال هاتفي بين وزير الخارجية ووزيرة خارجية الفلبين    وزير الاستثمار يستقبل سفير بريطانيا بالقاهرة لبحث تعزيز الشراكة الاقتصادية والاستثمارية    جامعة القاهرة تنظم مسابقة "اللغة العربية.. هوية وإبداع"    وزير التعليم العالي: الدولة تدعم تطوير الجامعات التكنولوجية    جوتيريش يعلن تعيين مبعوث جديد للأمم المتحدة إلى السودان    قصة حقيقية وراء مشهد المعبر في «صحاب الأرض» يرويها طبيب عيون مصري    كله هيصرف.. وكيل تموينية قنا يطمئن مستحقي منحة رمضان    تجديد حبس المتهمين بقضية التعدي على أب ونجله فى باسوس 15 يوما    الطفولة والأمومة: خطة متكاملة لحماية الأطفال من المحتوى الضار إلكترونيا    عدوى وجفاف.. القصر الملكى النرويجى يعلن أخر تطورات الحالة الصحية للملك    رئيس وزراء باكستان يجري محادثات مع أمير قطر في الدوحة    1 مارس.. منال محيي الدين تحيي أمسية موسيقية رمضانية بقبة الغوري    أسلحة القوة الناعمة التى لا تُقهر    الجناح الناعم ل«تنظيم الدم».. كيف كشف «رأس الأفعى» استغلال الجماعة الإرهابية للنساء؟    الرئاسة التركية تكشف حقيقة تخطيط أنقرة لاحتلال أراض إيرانية حال وقوع هجوم أمريكي    بث مباشر مباراة النصر والنجمة اليوم في الدوري السعودي.. الموعد والقنوات الناقلة والمعلق وتشكيل العالمي    وزير الصحة يبحث تفعيل تقنية الروبوت الجراحي لتعزيز المنظومة الطبية..والبداية من «معهد ناصر»    إنجاز طبى.. هوجو أول طفل بريطانى يولد بعد زرع رحم من متبرعة متوفاة (صور)    بشرى: المرأة قوية ولا تنتظر رجلًا ليقرر استقرارها    ترامب: الولايات المتحدة تعمل بجد لإنهاء النزاع في أوكرانيا    تصريح صادم من «ترامب» حول العاصمة الأمريكية: «خالية من الجريمة»    يارا السكري: مشهد "موت أيمن" في "علي كلاي" الأصعب بالنسبة لي    يارا السكري: مبحسش إني قلقانة على نفسي وأنا بشتغل مع أحمد العوضي    إدارة الأهلي تتحرك مبكرًا لصفقات الموسم الجديد قبل انطلاق الميركاتو الصيفي    رغيف واحد أفضل من عبادة سبعين عامًا.. قصة من أسرار الصدقة    30 دقيقة تأخر في حركة القطارات على خط «القاهرة - الإسكندرية».. الأربعاء 25 فبراير 2026    حكم إلزام الطفل بصيام رمضان.. وما السن الواجبة لأداء الفرض؟    مع سابع أيام رمضان.. موعد أذان الفجر اليوم الأربعاء 25فبراير 2026 في المنيا    أمين البحوث الإسلامية يهنئ أحمد الطيب بالموافقة على إنشاء كلية القرآن الكريم للقراءات وعلومها بالقاهرة    كبار القراء ونجوم دولة التلاوة يحيون سابع ليالي رمضان بتلاوات ندية وابتهالات روحانية عطرة    حرس الحدود يفوز علي إنبي بالدوري    منتخب مصر للكرة النسائية يواجه الجزائر وديًا    محمد صبحي يخوض تدريبات منفردة بعد مواجهة الزمالك وزد    رسميا.. الزمالك وبيراميدز ينضمان للأهلي وسيراميكا في مجموعة تحديد بطل الدوري    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بكائيات سقوط الخلافة ، ويوم مات كبيرنا..!!
نشر في الشعب يوم 20 - 08 - 2010


بقلم عبد الرحمن عبد الوهاب


(1) دائما يرمز بيت العائلة للراحة النفسية والاستقرار الذهني، يتفق على هذا التصور كل منا، وهو تصور يرتبط بمشاعر غامضة من الطمأنينة والقوة ..فكل بلاطة وكل حجر لها معك من الذكريات الكثير، هنا حبوّت و هنا درجت، وتعلمت على الطبلية أبجديات الحياة, كان هنا أبيك الذي كان يحميك كبرعم صغير حتى تشب عن الطوق وتستوي رجلاً، وإخوانك الذين يكفلون الرعاية، اجل بيت العائلة عادة يكون كالصدَفة التي تحميك، والمحضن الذي يؤويك انه يشبه الى حد ما كيان الخلافة على نحو مصغر. في بيت العائلة أبيك الذي يدفعك في خطواتك الأولى إلى المسجد المجاور فيأخذك بيده إلى بيت الله لتتعلم الخضوع والانكسار للخالق الأعظم، وتأخذ من البكاء في المحراب القوة والاستعانة بالله والوقود لمكابدة الحياة, لتتعلم السير والجرأة في مواجهة الصعاب، وتعلمك أمك أبجديات الرجولة والشمم قائلة لك: لا تهادن ظالما ولا ًتقّبل يوما يدا لحاكم.. في احد الاركان كان يجلس ابيك صباحا ويرتل القرآن.. هنا تشكل العقل والذهن ابتداء، سواء من آية قرآنية معلقة في إطار على الجدار. او حتى مع لون دهان البيت أوحتى مع الأشكال البسيطة التي قد تنجم من تساقط الدهان الجيري فتنمو ذهنية وخيالات الإنسان.. كان البيت القديم به مساحة مكشوفة من السقف تجلس على الطبلية تستذكر الدروس تستشعر الأنس والدفء بجوار وابور الكاز.. وترمق عبر حديدات المساحة المكشوفة من السقف بها حواجز حديدية لمنع اللصوص..وكيف يتحرك القمر في السماء من بين السحب والغيوم.. لا شيء يحد أو يعيق الخيال.. انه الانسجام أن تذاكر وهناك القمر ترقبه ما رفعت عينيك لأعلى، والى جوار الكتاب والدفتر، لمبة الكاز نمرة 10، يلازمك في بيت العائلة تحديدا شعورا غامضا، لم استشعره في أي مكان آخر، واذا تجنبنا سياق قدسية المكان..
(2) فلم اجد إلا مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ففي مسجد رسول الله تحس إحساس غامض من القوة, انك مطمئن أو (مسنود) فإذا كنت مكسور الظهر من عاديات الأيام وحادثات الليالي.. ففي مسجد رسول الله ينشد الظهر، وتحس انك تأوي إلى ركن شديد، انه شعور بالقوة والارتياح أحيانا يعجز القلم عن التصوير، ولكن عندما سألت أصدقائي المقربين عن هذا الشعور، اقر بالفعل.. انه فعلا يستشعر ذلك في المسجد النبوي، تحديدا، ربما وجدها فاروق جويدة في مسجد الحسين، يقول الشاعر:
ان صرت ياولدي غريبا في الزحام
اوصارت الدنيا امتهانا في امتهان
او جئت تطلب عزة الانسان في دنيا الهوان
ان ضاقت الدنيا عليك
فخذ همومك بين يديك
واذهب الى قبر الحسين
وهناك "صلي" ركعتين
(2) أما عند الكعبة، هناك تستشعر روعة الروحانيات العالية في هيبة وشموخ الكعبة وما تحمل من ذكريات لركب الأنبياء الكرام صلوات الله عليهم.. في المسجد النبوي ما أروع أن تجلس في الروضة، أو حتى على الرصيف المجاور للمسجد النبوي، كما لو كانت أرضك خاصة التي لا ينافسك فيها احد، وارض أجدادك.. هنا رصيدك من المجد.. ولا يمكن ان تنتمي هذه الجدران وهذا الرصيد من الروحانيات والوجدانيات لأوقاف أي نظام كان.. إنها خاصتك أنت.. حيث انك كمسلم تنتمي إلى هذا النبي العظيم والكريم الذي يرقد في هذا المكان الشريف – صلى الله عليه وسلم. انه نفس الشعور لأحد السلف الذي كان لا يسير في المدينة المنورة الا حافي القدمين.. لأنه تراب مقدس، سواء مشى عليه المصطفى يوما. أو دفن فيه المصطفى، فاكسبه عبيرا وقدسية.
(3) اجل بيت العائلة هو ذاك هو الشعور الغامض المتوطن في جينات العربي الوراثية, منذ الفرزدق حينما تحدث عن بيتهم:
حينما قال:
بيت زرارة محتبي بفناءه ومجاشع وابو الفوارس نهشل
ولا يفوتنا في هذا السياق أن نذكر بيوت المجد المؤثل، كمثل بيوت عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه سلم حيث قال:
لا ينزل المجد إلا في منازلنا كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
فبيوت عبد المطلب وبني هاشم بيوت المجد بلا منازع ، بيوت نزل فيها جبريل عليه السلام دون بيوت العالمين.
بيوت انطلق منها الشعاع الأول وانبثق منها ضياء السماء الباهر فملأ كل آفاق الكون.
وبعد مجيء محمد صلى الله عليه وسلم تحولت يابسة الكون.. منذ الفتوحات الأولى والتي انطلق عليها الأذان بكلمة لا اله الا الله محمد رسول الله.. أن تحولت الأرض التي ارتفع عليها الأذان إلى وقف إسلامي.. وميراثا لأجدادنا من الفرسان. وها قد حكم الإسلام الأرض. وكانت روعة الإسلام أن تحققت الخلافة الإسلامية لقرون.. كملاذ لعباد الله.. وترفع راية لا اله إلا الله محمد رسول الله.. تذود عنها وتضحي في سبيلها.. وتدافع عن المستضعفين.. ويوما ما قاد المعتصم جيشا لجب لصرخة امرأة قالت وامعتصماه.. حملها جهاز الاستخبارات إليه في سويعات.. فما أشرفها مخابرات المعتصم.
(4) انتقل والدي إلى رحمة الله.. قد كنت غائبا عن الساحة فقد كنت في بلاد الاغتراب، وشقيقي الأصغر في اغتراب هو الآخر. وأخي الأكبر يناديه من خارج الغرفة المتوفي بها، بأن يرد عليه، ويستحلفه أن يرد عليه، اجبني يا والديفلا يجيب ..!!
كانت وفاة الوالد مؤلمة، وبالرغم من بعد مروري الى الخمسين عام، ما زالت افتقده كصغير يفتقد إلى من يحميه من عاديات الدهر وحادثة الليالي كما لو كنت احتاج لزيارة للمسجد النبوي حتى ينشد الظهر في ازمنة االانكسار..
كان حالي بعد وفاة الوالد كما قال نزار: "كيف أواجه سيف الزمان وسيفي انكسر" انه نفس الشعور المتبادل من بين الآباء والاجداد والاحفاد ساعة الفراق على العموم. فمازالت أتذكر يوم ان غرق طفل من القرية المجاورة في الترعة. فنزل القوم يبحثون عن جثته ومن بينهم جده وكان شيخا مسنا، وفجأه عثر عليه جده المسن.. فحمله الشيخ المسن عاريا.. وانكب عليه يبكيه بكاء مرا.. بكاء ينتفض معه جسده وتنهمر دموعه.. بالرغم ان المسافة العمرية بين الجد والحفيد متناهية في الطول.. ولم تكن رفقة الصغير مع الجد إلا القليل من الأعوام .. ولكنها الرحمة والعاطفة التي يقذفها الله في قلب الأجداد للأحفاد. أو الآباء للأبناء .. ولكن اعتقد أن العكس ليس صحيح في هذه الفترة من الزمان. يوما ما قد حلل لي الوالد تلك النقطة ان ادم كان اب وليس ابنا..
مات والدي.. أي كبيرنا مات،، وعندما يموت كبير العائلة، ترى العجب العجاب,, أحيانا لا يهتم الإنسان بصغائر الأمور او الحطام الزائل مهما إن كان. عفاء على الدنيا كلها بعد رحيل أبي, فليس هناك من بعده ما يستحق البكاء عليه.. الا انه في أعقاب الدفن ظهرت مؤشرات لانتهازيات القوم فكانت على المحك لتظهر لك منهجية التفكير وكيف يفكر القوم وتعلقهم بالحطام وليس تعلقهم بالأصول التي إن غابت تغيب الكثير من الأشياء ليقول لي اخي الاكبر لاول مرة أحس إنني فقط منكسر بعد وفاة ابي هذا بالرغم انه مليونير.. إذن القضية ليست معايير مادية فهي متوفرة.. إلا أن هناك أشياء أهم بكثير.. ما اسوأ الاحساس باليتم وانت مثلا في سن الخمسين.. بالفعل لم تكن وفاته هلكة رجل واحد ولكن بنيان قوم تهدما.. انه احساس الابن تجاه الاب ودائما لا تختلف تصوراتك تجاه ابنك سواء اصغر ام كبر.. انه الابن المحتاج للرعاية.. منك، وعند الله سبحانه خير العزاء.. فهو نعم الخليفة في الاهل.. الآخرين لم يبكوا عليه حق البكاء.. فليست النائحة كالثكلى، اللهم الا انها كانت دموع تماسيح.. أن انقض على بيت العائلة هجوم كاسح حيث جاء أولاد وغلمان الأقارب والاغراب.. هذا يعبث بمحتويات خزائن الكنب الاستانبولي العتيقة( نسبة اللفظ إلى الأستانة عاصمة الخلافة يوما ) التي بها الأوراق المهمة وأرشيف العائلة وصور الذكريات وصكوك ملكية.. ويأخذ ما فيها.. وهذا يحمل تلفازا والآخر مروحة.. والأخر اباجورة. ويمضون بها إلى بيوتهم، وتحول البيت إلى قاعا صفصفا.. إنها حالة مأساوية كيوم سقوط بغداد. يحكي لي احد الاقارب ان هناك كتاب لي اسمه متخلف عن ركب موسى بن نصيرا وهذا الكتاب كنت قد الفته في الغربة وارسلت منه نسخة مهداة الى الوالد.. وهو عبارة عن احدى وعشرون رسالة الى الخليفة.. كان الكتاب طريحا ومجندلا في احد الاركان.. يبدو انه لم يلتفت له احد.. او انه غير ذو قيمة.. في زمن يعشق ذبح الفرسان منذ 61 هجرية الى اليوم..
أفاطم لو خلت الحسين مجندلا وقد مات عطشانا بشط فرات
اذن للطمت الخد عنده فاطم واجريت الدمع من وجنات
كان بالبيت مكتبة كبيرة منها ما هو اثري وموروث ومنها ما قد اشتريته مع والدي من دار الوفاء بالمنصورة ومنه الكتب الثرية التي كنت قد اشتريتها من سور الازبكية وسور الازهر في الثمانينات .. ومنه ما كنت قد اشتريته من سيمون جوتزي والانجلو ايجيبشان ..ايام الجامعة، بعد عودتي من الغربة، قالوا لي أن المكتبة ضاعت أو حرقت.. وصودف ان وجدت كتابا لي وقد كتب عليه اسم لشخص غريب عرفت يومها أن دمنا قد تفرق بين القبائل.. وأتساءل منذ متى ضاع دمنا بين القبائل هل منذ سقوط الخلافة ؟ أم منذ أن مات أبي ؟ اذكر يوما كتبت رسالة إلى الخليفة.. قلت فيها " سيدي متى تعود ؟! سيدي يكفى ُكحّتك وسعالك في قصر الخلافة فترتج قوى الكفر منا، ويعمل الكفر لنا ألف حساب ..!! فأصبح يتندر بها صديقي حلمي خشان مع محمد حيده..في جلساته بالدار العالمية للكتاب الإسلامي.
(5) ولو سألونى.. ما هو الأثير لديك في كل تلك الصفقة مما انتهبه القوم.. لقلت لهم رؤية القمر عبرالمنور، وأريد المكتبة والطبلية ووابور الكاز وبعض أشيائي الخاصة مثل محاولات الترجمة الأولى لنشرات أخبار، ربما يفتقد الإنسان إلى أشياء خاصة بسيطة كنت اهتم بها وأنا في مقتبل العمر، ولكنها كبيرة بقيمتها المعنوية..!! يعنيني مثلا.. ترجمة لبيكتال لمعاني القرآن ذات تجليد فخم.. ومجموعة كتب تعلم الألمانية من صوت ألمانيا.. ومجموعة المؤلفات الكاملة بالانجليزية لجبران ومنها قصة حياة جبران بقلم ميخائيل نعيمة حيث انني اجهزت عليه قراءة في ليلة واحدة. ولم اجده بالاسواق الى الان.. وماكبث لشيكسبير.. يعنيني كتاب الإسلام وأوضاعنا السياسية لعبد القادر عوده وهو أول كتاب أهداه لي الوالد يوم أن كنت في الخامسة عشرة كان له الاثر في تحولاتي الفكرية.. ليس بقيمتها المادية تتحدد الأشياء ولكن بقيمتها المعنوية وما تحمل من ذكريات. كان هناك كم من القواميس وكتب الأدب وبعض الدواوين الشعرية والرواية والمسرح.. كل هذا ذهب إدراج الرياح..

(6)عندما سقطت الخلافة كان الوضع مماثلا – كيوم أن مات كبير العائلة.. أصبحت بعدها ارض الوطن الكبير مصيبة فحواجز ومخافر وكلاب كما قال نزار.. وأصبحت الأرض ملكا مشاعا ومضاعا.. بلا صاحب لكل الانتهازيين من الاستعمار.. ربما كان أكثر الكتاب تصويرا لها. الأستاذ مؤمن عبد الرحمن في كتابه المسيرة الإسلامية بين المد والجذر.. يوم ان احست الشعوب كانها ايتام.. على مأدبة اللئام.. استغل اليهود الحال وجاءوا على ارض زعموا إنها أرضهم.. وبالرغم من النهب لارض ليس لهم، ومن الغرابة انهم اظهروا حزنهم أن ليس بفلسطين بترول..( صفاقة) ففي تصورهم كان السطو على الارض غير كاف اذ ينقصه البترول.
تقول جولدا مائير : دعني أقول لك شيئا أنا فيه ضد موسى – عليه السلام – انه أخذنا في الصحراء لأربعين عاما لكي يأتي بنا إلى المكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي ليس به بترول ..
.. Let me tell you the one thing I have against Moses. He took us forty years into the desert in order to bring us to the one place in the Middle East that has no oil!
Golda Meir
ولكن ها هو البترول يصلهم في الحقيقة من عند الأكراد على انقاض العراق العظيم، ناهيك عن الغاز الطبيعي المجاني..

(7) أصبحت الشعوب الإسلامية عشية سقوط الخلافة والى الآن. كيوم مات أبي والانقضاض على محتويات البيت، وما زالت تبحث الشعوب والأدباء عن سيدي الخليفة كي يمسح على رؤوس اليتامي ويحنو على مسن يمشي بلا مأوى يحمل في يده كسرة خبز وفي يده الأخرى قنينة بلاستيكية متسخة ويصب الماء على الكسرة فتخطئها عيناه.. لأنه ضعيف البصر، ناهيك أن كسرة الخبز لا تسمن ولا تغني من جوع.. تبحث الأمة عن سيدي الخليفة ليلملم أطفال المسلمين المتشردين من الشوارع ومن تحت الجسور ويكفل المتسولين عند إشارات المرور فيمنحهم المأوى ووجبة دافئة وتحفيظا للقرآن او يصلي بهم جماعة..

ضاعت الخلافة وكانت هجمة الانتهازيين.. لقد غابت الحواجز الحديدية من الجهة المكشوفة من سقف بيت العائلة فصارت هجمات اللصوص شيئ وراد.. فهناك من يبحث عن بئر بترول أو منجم ذهب أو منجم حديد.. وتحولت ارض الخلافة العامرة إلى زرائب سايكس بيكو والحقوق الأدبية لمصطلح "زرائب " للشاعر الكبير سميح القاسم.. خمسون عاما أتى اليهود كعصابات إجرامية وشنوا حروبا واحتلوا الأرض اعتبروها بلا صاحب.. بالرغم أن لدينا أسانيد من السماء في سورة الإسراء، وقاموا بمجازر لتفريغ المدن ليستوطنها اليهود.. كمجازر كفر قاسم ونحالين ودير ياسين وأسموها يومها حروب الاستقلال ولا مانع في الزمن الحالي أن يهنئهم بعض رؤساء العرب في عيد الاستقلال.
تقول جولدا مائير :
Peace will come when the Arabs will love their children more than
they hate us.Golda Meir
سيأتي السلام عندما يحب العرب أطفالهم أكثر من كراهيتنا..
وقال بن غوريون: لن يكون هناك سلام في المنطقة ما دام الإسلام شاهرا سيفه..
وما زالنا نراوح مكاننا، ليجعلوننا نضن بأبنائنا عن التضحية، ومازالوا يعملون لإجهاض أي نهوض روحي كيلا يشهر الإسلام سيفه..
في غيبة الخلافة تحول قصر الخلافة العظمى في تركيا إلى متحف، وأصبح لكل بقعة جغرافية علم ونشيد.. وثمة قطاع طرق في كل ترانزيت، ولا مانع أن يمسك كل شعب للأخر "شومة" ويقف متحسبا ومستنفرا لأخيه من خلف أسوار سايكس بيكو.. او ياتوا بالاغراب على ظهر الدبابات ليقيسوا حوائط منازلنا وويتلصص الكفر على عوراتنا!! وألغام حدودية تنفجر بالريموت كونترول من قبل الغرب.. فتتحارب الشعوب وتسيل الدماء على مترات مربعة. ولا مانع ان يتحارب العرب مع بعضهم البعض من اجل كرة القدم، وصار الكل ينظر تحت مواطئ القدم وليس إلى راية الخلافة العظمى في الأفق البعيد.. كخلافة عظمى يتيه بها التاريخ ويضج لها الزمان.

(6) والغرب يفهمون ذلك فلقد قال لورنس براون " اذا اتحد العرب والمسلمون في إمبراطورية عربية أصبحوا لعنة على العالم وخطرا، أما إذا بقيوا متفرقين فإنهم يظلون حينئذ بلا وزن ولا تأثير " اليوم طرح سايكس بيكو القائم على أنقاض الخلافة نجم عنه فئات من اللصوص والمجرمين سرقوا كنوز الأمة وأنفقوها في المقامرات وعلى الغواني الحسان.. لينتهي الأمر إلى تجزئة المجزأ وتفتيت المفتت.. كما حدث في العراق. أن صار للأكراد بترول كما أسلفنا، ستصل أنابيبه إلى ميناء حيفا قريبا.. وكل من اراد ان ينهب فهو حلال له.. سواء امريكان او غير امريكان.. سواء اكان نهب مبطن ام نهب معلن.. وانتهى الأمر بأن تصهين القوم.. وهاهو السودان ايضا تم تقسيمه.. أصبح العالم العربي والإسلامي سوقا للحرامية واللصوص في ظل غياب الخلافة. ناهيك عن السطو المسلح الذي يقوم به الغرب في بعض الأحيان كما حدث ايضا في العراق مؤخرا. ومازال القوم يبحثون عن الخليفة ويبثون إليه رسائل بقهر السنين العجاف..عساه أن يعود ..
يوما ما كنت اركب السيارة الى جوار صديق لي.. فوجدنا مجموعة من الشباب المستهتر في ازمنة القرن الواحد والعشرين.. فقلت له.. هل يمكن لهذه النوعية من الشباب الناعم المترف ان تحرر فلسطين والمسجد الاقصى؟ او يصمد في ميدان قتال ضد الاعداء ؟! فقال لي ما يدور في ذهنك لا يفكر به القوم..
اخبرتهم نصحي بمنعرج اللوى فلم يستبينوا النصح الا ضحى الغد
سقى الله زمان الخلافة والفرسان يوم أن كان ينتفض كبيرنا غضبا يتهدم العالم وترتعد اوصال الكفر.. وتبا لأزمنة الانكسار التي انتهب فيها الغلمان أرشيف وصكوك الملكية من خزائن الكنب الاستانبولي..


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.