أعود مرة أخري للكتابة عن اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية. التي تم توقيعها الأسبوع الماضي في القاهرة. خلال زيارة العاهل السعودي الملك سلمان لمصر. وأكرر مرة أخري ما بدأت به مقالي السابق. وهو انه بصرف النظر عن مضمون الاتفاقية. أو الجدل الدائر حولها. فإنه لا شيء. ولا أحد يمكن أن يقنعني أو يقنع كثيرين غيري. بأن التوقيت الذي تم فيه الإعلان عن هذه الاتفاقية وتوقيعها كان التوقيت الأنسب. ولا الطريقة التي جري اخراج الموضوع بها كانت الطريقة الأفضل. لا يمكن في لحظة. تغيير واقع أو عقيدة أو صورة ذهنية ترسخت لدي الرأي العام علي مدي خمسة وستين عاماً.. ذلك يحتاج إلي تمهيد وتهيئة تدريجية. ولو لعدة شهور وليس لأعوام. ولا يجوز في لحظة "فرح عام" بلقاء مصر والسعودية. جناحي الأمة العربية والتضامن العربي. علي مستوي القمة. أن نضرب. بأيدينا "كرسياً في كلوب" فرحنا. ثم نتهم الآخرين بإفساده أو نلقي باللائمة علي مؤامرت الداخل أو الخارج. لابد من الاعتراف بعدم التوفيق في اختيار اللحظة. وفي استخدام عنصر المفاجأة للرأي العام. لأنها مفاجأة غير سعيدة. إنني ضد مواجهة الأمر من جانب البعض بالتظاهر في الشوارع. أو برفع شعارات ضد الدولة. أو محاولة استغلال الأمر لشق الصف الوطني. وتوسيع فجوة ضعف الثقة بين قطاعات من الرأي العام والدولة. لكني أرجو في نفس الوقت أن تتنبه الدولة إلي انها ليست علي صواب علي طول الخط. أو في ما تتخذه من قرارات أو خطوات. كما ان من يعارضونها ليسوا جميعاً. أو دائماً علي خطأ علي طول الخط في كل ما يعارضونه. هذه المرة مثلاً. بعض من عارضوا. سواء في الإعلام. أو في مظاهرات الشوارع. وطنيون لا شك في وطنيتهم. ومدفوعون بغيرتهم علي أرض بلادهم وهي غيرة حميدة ومحمودة وليس بتحريض من عناصر داخلية أو من قوي خارجية. خاصة إذا وجدنا بعض كبار العسكريين المتقاعدين. الذين هم حجة ومرجعية لمن يريد أن يفهم أوضاع المناطق الحدودية. قد ظهروا منقسمين في وسائل الإعلام حول تبعية جزيرتي تيران وصنافير. فعندما يصحو مواطن من نومه ليفاجأ بمن يقول له ان جزءاً من مسكنه الذي يقيم فيه لمدة 65 سنة ليس ملكه. وانما مملوك لجاره الذي تركه في عهدته وسيسترده الآن. فلابد أن يشعر بالصدمة. ومن الطبيعي أن يعترض. وأن يجادل. حتي لو قدمنا له عشرات الوثائق التي تؤكد ذلك. لأن سؤاله البديهي وقتها سيكون: ولماذا لم تظهر هذه الوثائق إلا الآن.. ولماذا لم يطلعني عليها أحد من قبل. إنني أدعو الله. وأرجو أن نعمل جميعاً علي أن تمر "عاصفة تيران وصنافير" علي خير. وألا تفسد للود قضية سواء بين الرأي العام المصري والدولة. أو بين مصر والسعودية. علي أن تتعلم الدولة منها درساً في أصول اختيار التوقيت المناسب للقرارات الكبري. وتهيئة الرأي العام تهيئة كافية لتقبلها.