الممسكون علي جمر القصيدة الأصيلة قليلون جداً. يبدعون القصيدة "المقفاة" ويسعون من خلالها إلي التجديد. بدون تمرد علي هذا الشكل الموروث منذ حوالي ألفي عام. فيضعون أنفسهم في تحدي الحرص علي التراث القديم. والتواصل مع الزمن الحديث والزائقة العصرية لقراء اللغة العربية في زمننا هذا. يقف الشاعر أحمد غراب في صدارة هذه النخبة من الشعراء الذين اختاروا الموقف الأصعب. وما أقل عدد هؤلاء الشعراء. بحيث لا يستطيع المتابع إلا تذكر اعداد قليلة جداً منهم. مثل محمد التهامي الذي يقترب من عامه المائة أطال الله عمره والدكتور عبداللطيف عبدالحليم "أبو همام" وأحمد مبارك ومحجوب موسي وبدر بدير ومحمد سليم الدسوقي ومحمد سليم بهلول.. مع أفراد قلائل متناثرين في شتي الأجيال الشعرية. علي الرغم من أن "اللواء مهندس" أحمد غراب كان يملأ الساحة الأدبية وجوداً إبداعياً ووجوداً شخصياً طوال ثلاثة عقود. وكان ممن احتفت بهم إصداراتنا في دار التحرير سواء في المساء أو الجمهورية. فإنه في السنوات الأخيرة مال إلي العزلة. وآثر الانسحاب والصمت إلا من ومضات شعرية راقية ومتوهجة يطلقها من حين لآخر علي "الفيس بوك". لِمَ هذا الانسحاب؟! وماذا ينتج الآن من إبداع أو فكر بعد عدد كبير من الدواوين والجوائز؟ وكيف يقيم الواقع الأدبي الآن. وخاصة عقب ثورة 25يناير وامتدادها في 30 يونيه؟! * يقول أحمد غراب: أنا لم أنسحب بالمعني المعروف للانسحاب. بل أنا موجود بإبداعي الشعري. الذي أنتجه. وأنشر بعضه ولو علي النت.. وفي الفترة الأخيرة اتجهت اتجاهاً جديداً بإصدار كتابين في علم العروض: "موسيقي الكلمات" و"موسيقي الشعر".. وللمرة الأولي قننت القصيدة التفعيلية داخل منظومة موسيقي الشعر.. وكانت من المفاجآت المؤسفة والظالمة والبشعة. أن يكون لدينا ثروة موسيقية كبيرة من 84 بحراً. ما بين بحر ومجزوء بحر ومقلوب ومقطوع. ونهملها أو نجهلها. ونحبس أنفسنا كشعراء في أربع تفعيلات فقط: فعولن. مفاعيلن. متفاعلن. مستفعلن!! والكلام هنا أوجهه لشعراء القصيدة التفعيلية. فهذا ما فعلوه فعلاً: إهدار كل هذه الثروة: جهلاً أو تعمداً والاقتصار علي هذه التفعيلات الأربعة من الرجز والمتدارك والمتقارب. ولا يستطيع أحدهم الإفادة من البحر البسيط مثلاً باستثناء بدر شاكر السياب. فقد أخذ البسيط وطوعه في كتابة القصيدة التفعيلية ونجح.. بينما نري أسماء تظن نفسها كبيرة. بينما هي عديمة القيمة: إنها لا كبيرة ولا حتي صغيرة!! مجرد فراغ أجوف. وبعضهم نال جائزة الدولة ومحصوله الإبداعي ديوان ونصف!! هذا كلام فارغ!! أما الكبار: عطاءً وإبداعاً فهم مدفونون في الرمل!! يضيف غراب: الموجة الحديثة لشعر التفعيلة ليس فيها واحد كبدر شاكر السياب. بما في ذلك صلاح عبدالصبور حتي عبدالمعطي حجازي.. لكن ما يذكر لصلاح عبدالصبور ليس قصائده بل مسرحه الشعري.. وعلامات استفهام كبري مازالت مطروحة حول هؤلاء: فمن قدمهم ومن ضخمهم واحتفي بهم؟! ** صاحب الفضل في تقديمهم لويس عوض أولاً ثم نقاد آخرون كرجاء النقاش. * لويس عوض كان صاحب غرض!! كان يكره الثقافة العربية والتراث العربي. من منطلق شعوبي.. واذكر أنني ذهبت إليه يوماً. وقدمت له ديواني: "الملاك الرمادي" فاستقبلني بحفاوة. وبعد أن تصفح الديوان قال لي: بس ده شعر عمودي!! ليه شعر عمودي؟! ده مالوش قيمة!! ولن أكتب عنه!! فانسحبت وقلت له: أعطني ديواني!! ولم أترك له النسخة.. لقد خرب لويس عوض والحداثيون أجيالاً من الشعراء. وكان يشجع الشعوبية والإقليمية والتفتت. ** كثيرون جداً من شعراء التفعيلة كانوا ومازالوا قوميين ودارسين للتراث العربي ومحافظين عليه وليسوا شعوبيين!! * مصر فيها خصلة فريدة لا وجود لها.. فمن يتصدرون الساحة واستولوا علي مواقع الثقافة الرسمية أنصاف متعلمين وأرباع مثقفين!! بينما الأدباء في البلاد العربية الأخري كلهم مثقفون. ومنهم محمد الماغوط. وهو مثقف كبير.. أما أدونيس فهو شعوبي لكنه مثقف. وإن كنت لا أفهمه!! وقلت له في لقاء معه: أنت تكتب وأنت في غيبوبة!! فقال لي: أنت لم تفهمني!! فقلت له: بل أنت لم تفهم ما تكتب. ** كتابات أدونيس ومن لف لفه لا تدخل في سياق القصيدة التفعيلية التي طفرت بالقصيدة العربية مسافات إلي الأمام وأعادت إحياءها.. كتابات أدونيس تغريبية مبهمة.. * أتحدث عن كون هؤلاء الأدباء العرب مثقفين لا كالنماذج التي نراها تطفو الآن علي السطح لدينا.. حتي انني اظن شوقي لو عاد اليوم فلن يستطيع أن ينشر قصيدة في هذا الجو الأسود الملوث!! ** أهذه هي أسباب انصرافك عن الساحة الأدبية؟! * أين هي الساحة الأدبية التي تسألني عنها؟! لقد كنت منذ زمن أتجول من الأهرام إلي "المساء" للجلوس معكم في القسم الأدبي. ونتناقش في شتي القضايا فأخرج من مثل هذه الجلسة الثرية بقصيدة جديدة. وأتحرك كذلك لأمر علي الوفد وألتقي بسليمان جودة. وأجد حياة ونشاطاً في مواقع ثقافية شتي.. اختفي كل هذا. ولم ينصلح الأمر في الواقع الثقافي حتي بعد ثورة 25 يناير و30 يونيه. بل عاد لقيادة العمل الثقافي الرسمي من خربوا الثقافة القومية من أتباع النظام الساقط!!