الملك عريان، هكذا هتف الصغير ببراءة معبرًا عما تراه عيناه، متحديًا غرور الملك ونفاق وزرائه الذين التفوا من حوله يمتدحون حلة الملك الجديدة المغزولة من خيوط القمر.. أو هكذا أراد تولستوى فى واحدة من روائعه القصيرة أن يعبر بنا إلى معنى من معانى الفجوة بين الأجيال. والقصة لمن لم يقرأها هى أن الملك المغرور أمر بمكافأة عظيمة لمن يصنع له حلة منسوجة من خيوط أشعة القمر، ولم يجد من شعبه من يجيب طلبه إلا ذلك النصاب الذى أحضر نولا وأخذ يغزل أشعة القمر وينسج منها الحلة الوهمية، ليلبسها للملك الموهوم، فيخرج بها مزهوًا وسط شعبه وثناء وإعجاب الكبار والوزراء بحلة الوهم القمرية، حتى يفيق الجميع على هتاف الصغير "الملك عريان". ولعلى أستطيع أن أختصر قصة تولستوى فى معنى التناقض بين الحرية والخوف فالإنسان خُلق حراً، والإنسان الطفل يعبر عن حريته الفطرية بالتعبيرات الصادقة والتصرفات التلقائية إلى أن يتولى الكبار عملية تكبيل هذه الحرية بكل ما يحملون فى صدورهم أو عقولهم من قيود أو نفاق حتى يكبر الصغير على هذه المفاهيم ويصبح مغرورًا، أو خائفًا، أو منافقًا مثل الكبار وهكذا يفقد حريته تدريجيًا، وربما إلى الأبد، ما لم تحدث فى حياته استفاقة قوية على الحقيقة ويبصر "الملك عرياناً". ما حدث فى مصر فى العام الفائت هو تراجيديا حقيقية تجسد حقيقة "صراع الأجيال" أو "الفجوة بين الأجيال"، كما اتفق على تسميتها المشتغلون بعلم الاجتماع. لقد كنا جيل الشيوخ مستائين من قمع الحريات، ومن تحالف السلطة مع رأس المال وما ينتج عنه من نهب منظم للقوت من بطون الفقراء إلى كروش الأغنياء ولا أنكر أن البعض منا دفع من حريته ثمنا للحرية، وأن رموزا محترمة حركت المياه الراكدة وألهمت الشباب روح الثورة. لكن الثورة نفسها لم يقم بها إلا الشباب وحده، لأن القوة الثورية القادرة على تغيير واقع الحياة لا تتأتى إلا ببذل الحياة حتى الموت ثمنًا للحرية، وهذا هو الثمن الباهظ الذى لم يقو على دفعه إلا الشباب، ولولا تدافع الشباب بالمئات إلى ساحة الموت مستهينين بالموت بعفوية وشجاعة تلقائية يتحدون فيها الموت بالموت من أجل حياة أفضل لغيرهم لما حدث التغيير ولما كانت الثورة. الشيوخ منا يقولون إنهم حماة الثورة، و لولانا لما نجحت الثورة. وهذا الكلام غير صحيح بالمرة. فلقد وجه جيش القذافى مدافعه إلى الثوار فى ليبيا، ونجحت الثورة وهكذا حدث أيضًا فى سوريا ومازالت الثورة مستمرة، ووقف الجيش إلى جانب الثوار فى تونس، ولم يحدث للتونسيين ما حدث لشباب مصر من آلاف القتلى والجرحى والمسجونين والمسحولين فى الشوارع.. الجانب الآخر من تراجيديا صراع الأجيال فى ثورة 25 يناير أنه على الرغم من الثمن الرهيب الذى دفعه الشباب من أجل الثورة والحرية والتغيير؛ فقد تعامل الشيوخ مع الشباب بنفس ذهنية شيخ القبيلة مع شباب القبيلة، يمنون ويمنحون، أو يحرمون ويمنعون، ناسين أن عصر شيوخ القبيلة قد ولى، وأن هؤلاء الشباب هم شباب الفيس بوك والإنترنت والستالايت الذى يتابع ما يحدث فى العالم كأنه قرية صغيرة. لقد تقاسم الشيوخ فينا بينهم، على اختلاف توجهاتهم وهوياتهم - تقاسموا كل شيء وتركوا الشباب، دافعى ثمن الثورة بالدم، مثل الأيتام على موائد بلا طعام. كنت أتابع على شاشة البى بى سى الحوار الذى أجراه المذيع الشاب المصرى خالد عز العرب، مع واحد من الشخصيات المحترمة من جيل الشيوخ، حول الانتخابات. قال الشيخ الموقر: إن هنالك فارقاً بين الكلام الذى تقوله حتى تجمع الناس حولك فى الانتخابات، وما سينفذ بعد ذلك على أرض الواقع. فأجابه المذيع الشاب: فإذن كنتم تخدعون الناس. لقد اعترض الشيخ على رد الشاب طبعًا، رغم أن المذيع لم يصل بسؤاله إلى عمق التحول الحادث فى أساليب شيوخ الشعب وقادته، الذى تجاوز الخداع إلى الكذب الممنهج.. هذا هو جوهر صراع الأجيال فى ثورة 25 يناير. لقد رفض الشباب استبداد جيل الشيوخ فى عصر مبارك وثاروا عليه بدءًا بحملة "كلنا خالد سعيد" التى أعلنت تحديها للقهر والقمع والبطش الذى مارسته آلة القمع التى اعتمد عليها النظام السابق. ومن المؤكد أن هؤلاء الشباب الذين أشعلوا شرارة الثورة لن يصمتوا بعد اليوم على خداع الشيوخ وأكاذيبهم، وها هم يصرخون فى وجوهنا بقوة "كاذبون". ما كنت أتمنى أن أعيش حتى أرى اليوم الذى يرفع فيه شباب مصر فى وجه شيوخها لافتة كتبوا عليها "كاذبون" فأنا بحكم الواقع أنتمى لجيل الشيوخ، ولكن ضميرى يؤرقنى ويصرخ فى أذنى "كاذبون". هذا هو صراع الأجيال الذى يفتح طاقة للمستقبل وآن للماضى أن يفسح له الطريق.. الأنبا مكسيموس رئيس أساقفة مجمع القديس أثناسيوس