"وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ" والقضاء هو : الفصل بين الناس في الخصومات حسمًا للتداعي وقطعًا للنزاع بالأحكام الشرعية ، مقيما لأعظم مقاصد الدين ألا وهو العدل. وهو مسئولية عظيمة ، أشفق منها السلف قديما خشية التقصير ، و قد روي عن أبو عمر بن يوسف ،أن: "يزيد بن حاتم" أراد أن يولي "حيوة بن شريح" القضاء فامتنع فدعا له بالسيف، فلما رأي ذلك أخرج مفتاحًا كان معه وقال: هذا مفتاح بيتي ولقد اشتقت إلى لقاء ربي، فلما رأى الأمير عزيمته تركه ، أي أن القضاء وزر عظيم ،لو علم من حمل أمانته ثقل تكاليفه، لأشفق على نفسه من حمله ، و لافتدى به حياته ذاتها ! تذكرت ذلك و أنا أستمع في دهشة يخالطها شعور بالحزن و الأسى ، لتصريح" وزير العدل " الزند، الذي يقر فيه بأنه لن يهنأ له بال ،و لن يشفى غيظ صدره ، الا اذا تم القصاص من كل عشرة آلاف من جماعة الاخوان المسلمين ،مقابل كل شهيد من جنود الجيش . و الدهشة مردها أنها لم تصدر من مواطن عديم الصفة ، بل صدرت من وزير يفترض به أن يقيم حدود الله في الأرض ، بعيدا عن أهواء النفس و شطحاتها ، و هكذا تصريح ، لن يستطيع معه الزند أن يفصل صفته كوالٍ للقضاة عن شخصه . و الحزن مرده الجهل بثقل الأمانة التي لن تحمله الا الى احدى الخاتمتين ، «القُضَاةُ ثَلاثَةٌ: قَاضِيَانِ فِي النَّارِ وَقَاضٍ فِي الجَنَّةِ: رَجُلٌ قَضَى بِغَيْرِ الحَقِّ فَعَلِمَ ذَاكَ فَذَاكَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ لا يَعْلَمُ فَأَهْلَكَ حُقُوقَ النَّاسِ فَهُوَ فِي النَّارِ، وَقَاضٍ قَضَى بِالحَقِّ فَذَلِكَ فِي الجَنَّةِ» و ما ذكره الزند من وجوب قتل عشرة آلاف مقابل كل شهيد ، يسمى في الاسلام ب " القتل بالتغالب " و هو قتل جماعة بواحد ، و قد اختلف الفقهاء في وجوب القصاص بين مؤيد لقتل الجماعة كلها ،و بين قتل من قتل تنفيذا لحكم الله { وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس } و في كل الحالات ، يستوجب لتنفيذ حكم القضاء اعتراف القاتل على نفسه و على من اشتركوا معه في جريمة القتل ، أو الاتيان بشهادة شاهدين أو القسامة مع وجود اللوث . فهل استيقن الزند أن كل 10 الاف اتفقوا على ازهاق روح جندي ، و هل أتى بالبينة السليمة و تأكد من تضافر الدوافع و ثبوت الأركان ؟ فإذا كان ما سبق يدخل في علم الزند و لكن غلبت عليه ميوله و عواطفه ، فذلك انحراف للعقل و ترجيح للهوى ، يحاسب عليه ،و ينظر في أمره حاكم المسلمين ، و يعتبر في حكم الاسلام بمنزلة القاضي الجائر ، لما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلا تَظَالَمُوا» فما بالكم بمن يحكم بين الظالم و المظلوم ؟؟ أما لو لم يكن به علم، فتلك كارثة ، يحاسب عليها ولي أمر المسلمين .. ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما: "من تولى من أمر المسلمين شيئًا فاستعمل عليهم رجلاً وهو يعلم أن فيهم من هو أولى بذلك وأعلم منه بكتاب الله وسنة رسول الله، فقد خان الله ورسوله وجماعة المسلمين"، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّا وَاللهِ لا نُوَلِّي عَلَى هَذَا الْعَمَلِ أَحَدًا سَأَلَهُ، وَلا أَحَدًا حَرَصَ عَلَيْهِ» الرقم مهول ، و النتائج مرعبة ، لأنها دعوة ضمنية فيمن يفترض فيه القيام على شئون المسلمين ،على الاسراف في القتل دون بينة ، وقد نهى الاسلام عن ذلك تطبيقا لقول الله تعالى : ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا. و بعيدا عن الاسلام و أحكامه ، تطرق الزند الى موضوعات أخرى غاية في الأهمية ، كملف التصالح مع حسين سالم ، و أنه أوشك على الانتهاء نظرا لجدية الأخير ، مما حفزني على التساؤل بيني و بين نفسي عن ماهية التعويضات الملائمة لسرقة مقدرات شعب أعوام طوال ، و هل تجبَ ما مر به المصريون من أزمات متكررة ،و نهب منتظم، استوجب أن ترضخ مصر تحت ثقل ديون عظيمة للشركات الموردة للغاز المسال ، انتهى مؤخرا بتهرب مصر من سداد الدفعات التعاقدية ، مما أدى الى هروب ناقلة " البريتيش بتروليوم " الى البرازيل دون افراغ حمولتها في مصر . و هل ترجيع التصالح فيه فائدة تقع على الجماعة أكثر من تطبيق حد الافساد في الأرض عليه، و على أمثاله ممن اتوا بأفعال إفساد مماثلة ؟ وقد صرح جمع من أهل العلم أن مجرد قطع الطريق، أو إخافة السبيل ،فهذا إفساد في الأرض ، فكيف إذا نهب شخص مقدرات شعب بأكمله ؟ تلك كانت المبكيات في تصريحات الزند ، أما المضحكات فقد ارتأى أن يختتمها بهم ،مثال ما ذكره أنه لم يعهد على السيسي أن يخنث وعدا ، و هو الذي وعدهم بتنفيذ أحكام القضاء ، لنجد أنفسنا مضطرين أن نسأل وزير العدل ، و ما دخل السلطة التنفيذية في تنفيذ أحكام السلطة القضائية يا سيادة الوزير ؟أم تقول أنكم مؤتمرون بأوامر الرئيس ؟ و عليه ، لم يكن متعجبا أن يذكر في سياق تصريحاته ،كرهه الشديد لتيار الاستقلال في القضاء ، لم لا و هو يرى أن تدخل السلطة التنفيذية في تنفيذ القرارات واجب لابد منه ! و قد استمرأ الزند الحديث عن القانون الذي استباح كرامة المصريات ، و زاد من ثخانة جروحهن بقوله "أقسم بالله كنت عاوز اخليهم 50 ألف دولار عشان الخزينة المصرية تستفيد في جلب عملة صعبة " !! هكذا اذا ، كان في نية الزند أن تتحول المصريات إلى جالبات للعملة الصعبة ، إلا ان الأمور لم تسر كما يشتهي ، و دخلت على الخزانة المصرية عملة محلية من كرامة وشرف المصريات ! و لا أجد خاتمة أفضل من مقولة علي بن أبي طالب رضي الله عنه لرجل كان يقضي بين الناس: "هل تعرف الناسخ والمنسوخ؟ قال: لا، قال: هل أشرفت على مراد الله في أمثال القرآن؟ قال: لا، قال: إذن هلكتَ وأهلكتْ". و الله و الوطن من وراء القصد .