أحيانا يأتي على الإنسان وقت يمل فيه مشاهدة التلفاز أو قراءة الصحف أو حتى سماع نشرة الأخبار، فيلجأ البعض إلى الخروج للتروض والسير في الشوارع على غير هدى، أو إلى زيارة صديق يتجاذب معه أطراف الحديث، ويفضل البعض قراءة قصة يجد فيها السلوة والتسلية. وقد أمسكت بكتاب كليلة ودمنة وهو من أشهر الكتب الأدبية ذائعة الصيت، وضعه الفيلسوف الهندي بيدبا ونقله إلى العربية ابن المقفع، كما ترجم إلى مختلف اللغات. الكتاب ملئ بقصص تتحاور فيها العجماوات وقد أجرى بيدبا على ألسنتها أطاريف البيان. قرأت فيه قصصا كثيرة أنقل منها قصة طريفة ببعض التصرف للتفكه والتسلية. زعموا أن أسدا كان له ثلاثة أصحاب، ممن نسميهم المنتفعين، ذئب وابن آوى وحدأة... ثلاثتهم يعيشون في حمايته وكنفه ويطعمون من فضول صيده، ولا عمل لهم إلا الثؤباء والاسترخاء. ذات يوم مرت قافلة وتخلف منها جمل ضل طريقه، فسار على غير هدى وقادته أقدامه إلى مربض الأسد، فطلب الجمل منه الحماية والأمان، فأمنه. وفي يوم خرج الأسد للصيد فقابله فيل واقتتل معه وعاد الأسد والدم ينزف من جراحه، فلزم عرينه مريضا لا يقوى على الخروج للصيد. بات الأصحاب الثلاثة خماصا وقد فقدوا مصدر طعامهم السهل الوفير. اتفق الأصحاب على أن يزينوا للأسد أكل الجمل، ولكن الأسد رفض أن يتراجع عن وعد الأمان الذي أعطاه للجمل. قالت الحدأة خلوا بيني وبين الأسد، فذهبت إليه تشكو الجوع والهزال الذين أصاباها، بينما الجمل ينعم بأكل العشب الوفير ولا يرجى منه نفع. فهم الأسد ما ترمى إليه الحدأة وعنفها. قالت الحدأة إن النفس الواحدة يفتدى بها من أجل الجماعة، وما عليك فإني سأجد لك مخرجا ميسرا من عهدك للجمل، وانصرفت. أتت الحدأة أصحابها واتفقوا على خطة تحل الأسد من وعده للجمل. تقدم الثلاثة ومعهم الجمل وذهبوا إلى الأسد. قالت الحدأة.. أيها الأسد إنك بحاجة إلى ما يقيم أودك وأنا أهب نفسي لك لتأكلني عرفانا مني بسابق فضلك علي. وفي صوت واحد قال الذئب وابن آوى والجمل للحدأة... إنك لن تشبعيه. فقال ابن آوى- أنا أشبعه، فرد عليه الذئب والجمل والحدأة قائلين أن لحمك خبيث. ثم قال الذئب... أنا للأسد فداء، ولطالما عشت من خيره فلتأكلني أيها الأسد. فرد الجمل وابن آوى والحدأة قائلين من أراد أن يمرض ويموت فليأكل لحم ذئب. أخيرا حل الدور على الجمل وهو على ثقة من أنهم سيلتمسون له مخرجا كما فعلوا. قال الجمل أيها الأسد لقد آويتني وحميتني وأنا لحمي طيب وسيشبعك. فرد المنتفعون في صوت واحد... لقد صدقت أيها الجمل وتكرمت على الأسد وقولك نعم القول.. ثم وثبوا عليه جميعا والتهموه. تمت الحمدلله.