كما تخذلني أمريكا، فإنها في نفس الوقت تجعلني استعيد جانبا من الثقة فيها. الأسبوع الماضي وقفت أمريكا على أصابعها، ووقف العالم معها، فهي فعلا إذا عطست يُصاب العالم بالزكام، بذلك التقرير الذي أعده مجلس الشيوخ عن التعذيب خلال حقبة الرئيس السابق بوش الإبن. خذلتني أمريكا عندما تم الإقرار بشكل رسمي بحدوث تعذيب بشع ومنهجي تجاه المعتقلين، وهم كلهم من العرب والمسلمين، من جهاز الاستخبارات "سي آي إيه"، وهذا ما لايجب أن يحدث في أمريكا حاملة لواء الدفاع عن قيم الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان في العالم، تلك القيم تتعرض مرة أخرى لطعنة نافذة لاتشفى منها أمريكا سريعا، ولا تستعيد بسهولة صورتها البراقة عند المؤمنين بأنها تاج العالم الحر، وعند الحالمين بأن تسير بلدانهم على هديها، أو تكون قريبة منها. لكن وبعد الخذلان، نجد أن أمريكا ذاتها هي من تصلح بنفسها صورتها، وترمم هيئتها، وتبث رسائل استعادة جوانب من الثقة فيها بكونها مازالت جديرة بتمثال الحرية كرمز للحرية والتحرر الإنساني، ذلك أن الذي أعد التقرير الكاشف الفاضح هو مجلس الشيوخ الأمريكي، وهو الغرفة الثانية في التشريع وهو أعلى قدرا ورصانة ورزانة من الغرفة الأولى، وهو مجلس النواب. كما مارست أمريكا التعذيب، فإن أمريكا أيضا هي من اعترفت على نفسها، وأدانت نفسها بكل شفافية في الحالتين، في التعذيب، وفي الاعتراف والإقرار بوقوع الجريمة. هكذا هي المجتمعات القوية، ترتكب أخطاء، لكنها لا تداري، ولا تغطي، ولا تصر على الإنكار، بل تكشف وتقول ماحدث، وتتعظ وتأخذ دروسا مما حصل، ولذلك لا تخشى أمريكا شيئا لا سرا ولا علنا، هي من ارتكبت الفضيحة، وهي من اعترفت بها، وهي من تتعهد بعدم تكرارها. هل تتذكرون فضيحة سجن أبوغريب في العراق، حيث التعذيب الوحشي للمعتقلين العراقيين، والاستهانة بآدمية وكرامة الإنسان، الذي فعل ذلك هم الجنود الأمريكان، والذي كشفهم هو الإعلام الأمريكي، وهكذا في كثير من الأخطاء والتجاوزات والجرائم والشنائع والفظائع التي ترتكبها أمريكا، تكشفها وسائل وآليات وأجهزة أمريكية أيضا. لم تتحدث أمريكا عن مؤامرة يتحالف فيها الروس مع الإيرانيين والسوريين والكوبيين والكوريين وفريق أعداء أمريكا لدمغها بالتعذيب، أو بتضخيم وقائع التعذيب لإسقاط الدولة الأمريكية، ولم تخشى أمريكا على نفسها من التفتت، ولا من اهتزاز صورة أجهزتها الاستخباراتية، ولا مخاوف تعرض جيشها للتحلل، ولا سقوط هيبة شرطتها، ولا شيء من شعارات دول العالم الثالث الخائفة المذعورة دوما حتى من خيال الظل. على المستوى الشخصي عندما اعترف بأنني ارتكبت خطأ أشعر بالراحة النفسية، وبالتخلص من عبء ثقيل، كما أشعر بالثقة بالنفس، وهكذا البلدان القوية المتماسكة تفعل دوما، تصحح مسارها بأن تقر بالخطأ، وتحاسب، وتستفيد من الدرس. نعم خذلتني أمريكا مهما صحح مجلس الشيوخ من الخطيئة الكبرى، وهذا جرح أمريكي ينزف على تمثال الحرية، فلا يجب عليها أن تكون نسخة دميمة من أنظمة الاستبداد، ولا يجب عليها أن تظل عنصرية، وهي من اختارت أول رئيس أسود في تاريخها، لتزيل إرث العنصرية الثقيل، لكن العنصرية لازالت معششة في نفوس بعض الأمريكيين، ولدى بعض الجهات والهيئات الأمريكية، وما جرى من قتل شابين أسودين وتبرئة قاتليهما من ذوي البشرة البيضاء دليل دامغ على أن دعوة مارتن لوثر كنج لم تكتمل، وأن الحقوق المدنية لم تتساوى، وأن العنصرية البغيضة لم تصبح من التاريخ بعد. من أمريكا إلى عواصم بلدان العرب والمسلمين التي استقبلت معتقلين من واشنطن، لانتزاع اعترافات منهم، وفق أساليب معروفة في القسوة، لماذا لم يخرج تصريح واحد من أي من تلك العواصم يكشف حقيقة ما جرى بكل ثقة بالنفس، واعتبار لقيمة الإنسان، أم أن ذلك ليس من قيم وسياسات تلك العواصم؟. الأمريكان أقروا بالذنب، لكن العواصم المعنية تتدثر بالصمت، ليس خجلا حيث لا يعنيها أن تُتهم بالتعذيب، لأنه السلوك المعتاد والروتيني عندها، إنما تصمت كنوع من الاستغراب أن يجري الأمريكان تحقيقا يدينهم ويجعل خصومهم يشمتون فيهم. تلك العواصم لم تعرف بعد شجاعة الاعتراف، والاعتذار، وطلب الصفح من شعوبها، ومن الإنسانية. ليت تلك البلدان تتبع أمريكا في العلم والابتكار والإبداع والإنتاج والتفوق الصناعي والعسكري ونزاهة الانتخابات وتداول السلطة، لكنها تتبعها في أحد أسوأ الجوانب الإنسانية على الإطلاق، وهو تعذيب البشر، وسحق البشر، وانتهاك حرمة وآدمية الإنسان الذي كرمه الله جل في علاه. يبقى أن ماحصل هو فعلا عار أمريكا، وعار لأمريكا، ولن يُمحى بسهولة لأن التاريخ سجل نقطة أخرى سوداء في ثوب أمريكا. عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.