رغم أن الحديث عن داعش قد فرض نفسه على جميع المحافل والتحليلات والدول والمجتمعات لدرجة أن احدي الفضائيات العربية استحدث برنامجا أطلقت عليه عصر داعش، إلا أن إسرائيل لم تعلق على هذا الحدث الكبير، وهذا قد يعنى أحد أمور ثلاثة وهى أما أن إسرائيل طرف خفى فى معادلة داعش، أو أن إسرائيل فى مأمن من خطر داعش، أو أن إسرائيل تفهم جيداً قواعد اللعبة وأنها مادامت تفتك بالدول العربية وتمثل أكبر تهديد لإيران وتحرك المنطقة ضد بشار الأسد وتدمير سورياوالعراق فهذا يكفيها حتى يعرف الغرب أن إسرائيل هى واحة الاستقرار والتقدم والديمقراطية وأن العالم العربى يسهل التلاعب به واثارته ولا يعتمد عليه، ثم أن دماء المسلمين تراق بأيدى المسلمين مما يصرفهم عن إسرائيل والمسجد الأقصى. ولعل موقف إسرائيل المعلن من داعش هو صورة مكررة من موقفها من القاعدة التى تعلن فى كل مناسبة أنها ضد النصارى واليهود، وهذا بالطبع لا علاقة له بالاسلام الذى يتجاور مع اليهودية والمسيحية طرقاً إلى السماء. ولو قدر لداعش هذه أن تصيب إسرائيل بأى أذى لأدى ذلك الى خلط الأوراق فى المنطقة ولتحولت الشعوب العربية جميعاً إلى دواعش مادامت قد فقدت الثقة فى قدرة حكامها على انصافها من المشروع الصهيونى الذى يجسد سطوة الغرب وجبروته. ولذلك لفت نظرى أن إسرائيل تمعن فى ممارسة قواعد اللعبة وتبالغ فى استخفافها بملايين العرب والمليارات من المسلمين وتحاول أن توظف كل شئ لصالحها خاصة داعش التى يفزع منها العرب والمبادرة العربية للسلام التى يفخر بها العرب ويتمسكون بها. أما استغلال إسرائيل للمبادرة العربية فله سجل طويل وهى تعلم أن المبادرة أعلنت من حالة الضعف والعجز العربى فى قمة بيروت العربية عام 2002 وكان ياسر عرفات محاصراً فى بيته ولم يتمكن من المشا ركة فى هذه القمة التى تقرر مصير فلسطين بعيداً عن أهلها. وبذلك كان رد شارون على القمة فى اليوم التالى مباشرة أى فى 29 من مارس باجتياح مدينة جنين وارتكاب أحدى مجازره فيها حتى يوم 12 ابريل بعد أن مارست إسرائيل أعلى درجات الكفاءة الدبلوماسية لتغطى أعلى درجات الاجرام الإسرائيلى فى غيبة العرب . ولذلك كان طبيعياً أمام اصرار العرب على المبادرة أن تحاول إسرائيل استغلالها فطالبت بأن يعترف العرب بها أولاً وقدمت دعوة لوزير الخارجية السعودى رئيس لجنة الاتصال العربية بشأن المبادرة لزيارة إسرائيل والتفاوض حول المبادرة. أما أحدث فصول التلاعب بالمبادرة فهو المقال الذى ظهر فى عدد أكتوبر 2014 من الدورية الشهرية المعروفة بأسم INSIGHT الصادرة عن المعهد الدولى للدراسات الاستراتيجية فى إسرائيل INSSتحت عنوان عكس الاتجاه reversing the directionحيث اقترح أن تكون المبادرة العربية للسلام جبهة تضم مصر والسعودية وإسرائيل للتحالف ضد حماس وداعش، خاصة وان الإعلام الإسرائيلى يضم حماس إلى قائمة داعش ولما لا فكلهم مسلمون. هذه الفكرة لم تأتى من فراغ وإنما تم التمهيد لها خلال عملية الابادة الإسرائيلية لغزة لأكثر من خمسين يوماً فى أغسطس وسبتمبر 2014 ولا تزال غزة تلعق جراحها والاعمار فيها تحيطه شكوك كثيرة ما دامت اسرائيل تغلق الافاق السياسية. إذا كانت داعش منظمة إرهابية باجماع العالم، فإن حماس هى الأخرى منظمة إرهابية من جانب أصداقاء إسرائيل على الأقل ويحاول المقال أن يغمز فى قناة تركيا فيتهم تركيا بأنها قريبة من داعش وصديقة لحماس. على أن محاولات التحالف بين العرب وإسرائيل على عدو مشترك والقفز على حقوق الفلسطينيين ليست أمراً مستحدثاً. فنحن نذكر أن وزير الخارجية الأمريكى عام 1981 كان قد أجرى جولة فى الشرق الأوسط تحت شعار تحالف إسرائيل والعرب ضد الاتحاد السوفيتى دون أن يقدم شيئا للفلسطينيين لأنه أراد أن يقنع العرب أن موسكو السوفيتية هى الخطر الأكبر الذى يهددهم كما يهدد إسرائيل فى الوقت الذى كانت فيه العلاقات بين موسكو وإسرائيل أشد ازدهاراً من العلاقات العربية السوفيتية. ثم أن واشنطن لا تزال حتى هذه اللحظة تقنع نفسها بما تريد إسرائيل وهو أن العرب وأسلحتهم وأموالهم وقيادتهم حزمة واحدة وأن إسرائيل يجب أن تفوق هذه الحزمة فى القوة والقدرة العسكرية. صحيح أن داعش تهدد العرب والمسلمين ولكن داعش هى من صنع العرب والمسلمين ولابد أن يكون لإسرائيل يد فى نشأتها مادامت تحقق أهداف إسرائيل فى تمزيق العالم العربى وفى القضاء على سوريا واستزاف إيران وحزب الله. ولا نظن أن إسرائيل تقف علاقتها بداعش بمجرد أن الحظ يبتسم لها أو أن الله عصمها من أعدائها وأنهم شعب الله المختار الذى لن يتركهم خالقهم فى أيدى وحوش العرب فإنما سلط عليهم من يرفع شعارات الإسلام ويريق دماءهم ويستنزف أموالهم. ولذلك فاننا نظن أن داعش والقاعدة من صنع إسرائيل والولايات المتحدة وبعض العرب كل لهدف يريده . فدول الخليج شجعت داعش والقاعدة ومولتهما مادام هدفهما هو اسقاط الاسد فى سوريا ولا ضير أن تتعاون هذه الدول مع إسرائيل لتحقيق الهدف الأسمى. وبهذه المناسبة لم أفهم حتى الآن سبباً واحداً يدعو بعض دول الخليج إلى المبالغة في العداء للرئيس بشار الأسد تماماً، كما لا أفهم دوافع تركيا لهذا العداء المميت رغم الصداقة الشخصية الحميمة السابقة بين أردوغان وبشار الأسد، حيث صار الجناح المعادى للأسد ملكياً أكثر من الملك. وربما السبب الظاهر الذى قد يفسر ولكنه لا يبرر هذا العداء الخليجى لبشار وهو الرغبة فى استنزاف حزب الله وإيران حتى تضعف شوكتهما فى البحرين واليمن وفى السعودية مع الشيعة. كما نستطيع أن نتفهم أن معاناة السنة فى العراق على يد عصابات الشيعة الإرهابية والتطهير العرقى والطائفى الذى جرى بمعرفة إسرائيل والولايات المتحدة وهى النقطة الجامعة بينهما وبين إيران قد دفع دول الخليج لمساندة السنة وكذلك تركيا لعل ذلك يحدث توازناً فى الموقف، كما نتفهم أن هيمنة إيران على العراق بعد هيمنة الشيعة العراقيين بتخطيط امريكى تحت ستار الديمقراطية الزائفة واضطهاد نظام البعث الذى كان عدواً لدول الخليج هو الذى أحدث بدايات الخلل للمعادلة الاقليمية. ولعل القارئ لعنوان المقال لابد أن يلحظ أن الصلة بين داعش وإسرائيل صلة طبيعية وليست مفترضة ولو كانت داعش فعلاً ضد إسرائيل، وهى للحق لم تزعم ذلك، لقلبت المعادلة بالكامل ولحصلت على دعم جميع الشعوب العربية كما أشرنا. أما محاولة انشاء حلف يضم السعودية ومصر وإسرائيل ضد داعش وحماس فهذه فكرة قاصرة لأنه إذا كانت داعش تهدد السعودية وتهدد مصر نسبياً ونظرياً إلا أن مثل هذا التحالف ضد حماس يبذر بذور بطلانه لأن الخلاف بين النظام فى مصر وبين حماس يرتبط بموقف النظام من الإخوان المسلمين ولابد أن تسوية ستحدث بينهما أن أجلا أو عاجلاً ولو عاش عبدالناصر أطول من ذلك لكان أجرى هذه التسوية ولكن السادات لم يفعل ذلك ولكن كان يسير على عكس ما كان يسير عليه عبدالناصر فقرب الإخوان والجماعات الدينية الأخرى على حساب التيارات العلمانية التى كانت تشكل أساس نظام عبدالناصر. والطريف أن عبدالناصر عندما انقلب على الاخوان كان يعادى أيضاً السعودية التى أوتهم وخاصة الملك فيصل، فى إطار العداء العام الذى توج بحرب اليمن وانهت مأساة يونيو 1967 هذا الباب من تاريخ المنطقة. لقد حاول صدام حسين خلال غزو الكويت ان يخلط الاوراق ليبدد الاجماع ضده فوجه بعض الصواريخ صوب اسرائيل وفشلت المحاولة بسبب الفارق بين داعش وصدام والفوائد الكبيرة التي حصلت عليها اسرائيل ولان العرب اجمعوا علي ان تحرير الكويت هو المقدمة لتحرير فلسطين خاصة وان اللفتة لم تكن جدية.وعلي اية حال فان داعش وغزو الكويت مصائب عربية لايمكن العبث بشانها.