يحزن الشخص عندما يعلم أن كثيرا من مناهج التعليم في جامعاتنا أمست لا تواكب التطورات العلمية والتكنولوجية العالمية المتسارعة. فمازال هناك استخدام لمناهج كانت سائدة منذ عدة عقود، مع تعديلات طفيفة وتغييرات شكلية؛ بقصد تسويقها سواء على الطلاب بالمؤسسات الجامعية والمعاهد العليا، أو على الجمهور من أجل الربح!!. أضف إلى ذلك "أن بعضًا من أعضاء هيئة التدريس بالجامعات يلجؤون إلى استخدام وسائل غير مشروعة من الترغيب والترهيب؛ لإجبار الطلبة على شراء كتبهم أو مذكراتهم الجامعية أو المقررات التي يعدونها؛ مما جعل من الكتاب الجامعي في بعض الحالات مأساة علمية وأخلاقية" (كما أشار محمد عادل التريكي في دراسته ظاهرة التسليع التربوي التعليمي). بالإضافة إلى ذلك، فإن بعضا من المناهج الدراسية هي في الأصل مستوردة، وعلى الرغم مما بُذل ويُبذل من جهود من أجل تكييفها مع المجتمع الجديد فإنها مازالت بشكل عام، بتنظيمها وفلسفتها ومحتواها مغتربة ومنعزلة إلى حد ما عن واقع الحياة.. كما أن جهود تطوير المناهج الدراسية تتعثر في بعض الأحيان بحجة عدم توافر القدرة المادية على تغطية تكاليفها، وتتحطم كثير من محاولات تحديث المناهج بسبب "المنطق المالي" الذي يحكم هنا ويحول دون تحقيقها؛ لأنها عملية ذات تكلفة مالية عالية، ولذلك يُضحى بمكاسب عقلية وفكرية ومهارية مهمة جدًّا؛ نتيجة ضعف الإمكانات (يزيد عيسى السورطي: السلطوية المتمثلة في التسليع التربوي). ويعد الكتاب الجامعي والمذكرات التي يعدها أعضاء هيئة التدريس للطلاب، من أهم العوامل التي أسهمت في إضعاف مستوى الخريجين، وإضعاف العملية التعليمية برمتها في الجامعات. فإذا كان من أهداف المرحلة الجامعية تفجير طاقات الأفراد، وتمرين الطلاب على البحث والتقصي والحصول على المعلومات من خلال الرجوع إلى المصادر الأصيلة وغيرها من مصادر المعلومات؛ بحيث يتكون لدى الطلاب القدرة على المعرفة والقدرة على الانتقاء والفرز والتجنيب، وتكوين تفكيرهم الناقد القادر على الرصد والتحليل والاستقصاء والتركيب والاستشراف والإبداع، فإن الكتاب الجامعي أسهم بصورة كبيرة دون تحقيق ما سبق. إن عدم تطبيق نظام قائمة المراجع والكتب والمصادر العلمية المختلفة من خلال إعداد "قائمة القراءات المفتوحة" لكل مقرر في الجامعات، والتقيد بما يسمى الكتاب الجامعي والمذكرة الجامعية، أسهم في إيجاد خريج يعتمد على الحفظ والاستظهار، في ظل عالم مفتوح، أصبح الحصول فيه على المعارف والمعلومات من السهولة بمكان، وكان الأولى الاعتماد على القراءات المفتوحة للطلاب والتي تسهم في إيجاد خريج قادر على الفهم والتحليل والتركيب والاستقصاء والاستشراف والإبداع، في ظل حرية أكاديمية تمكنه من الانفتاح ومواصلة التعليم، بعيدًا عن الحدود الضيقة للمذكرة الجامعية والتي تحصر نطاق معارف الطالب في حدود معينة لا يتخطاها، وسرعان ما يفقد كثيرا مما درسه عقب أدائه الامتحان. إن عدم تصدي إدارة الجامعات لظاهرة الكتب والمذكرات العلمية والتي يتخذها بعض أعضاء هيئة التدريس وسيلة للتجارة -وأحيانا وسيلة للثراء السريع خصوصا في الكليات التي تتسم بكثرة أعداد الطلاب فيها- وإضاعة كثير من الوقت في توزيعها بالترغيب تارة، والترهيب تارة أخرى، قد أسهم في انتشارها على مستوى الجامعات. كما أن تحول المنهج في بعض الجامعات إلى مجرد "مذكرات" يروجها "مؤلفوها" بهدف الربح السريع، جعل الكتاب الجامعي عند البعض أداة للاسترزاق، ووسيلة لحل المشكلات المادية لبعض أعضاء هيئة التدريس –مع احترمنا الكامل للسادة أعضاء هيئة التدريس الشرفاء وهم كُثر- ولم يعد نافذة يطل من خلالها الطالب على آفاق رحبة للعلم والمعرفة، بل تحول إلى عامل يسهم في أن تفرز المؤسسات التعليمية إلى المجتمع "صناديق" قد تمتلئ بالمعرفة، لكنها غير قادرة على تطوير المجتمع، كما أن المتاجرة في الكتب الجامعية جعلت بعض أعضاء هيئة التدريس يظهرون أمام طلابهم كأنهم أصحاب حوانيت لبيع الكتب والمذكرات، مما شوه صورتهم وأضعف مركزهم كقدوة لطلابهم، أضف إلى ذلك أن كثيرا ما يلجأ بعض أعضاء هيئة التدريس إلى استخدام وسائل غير مشروعة من الترغيب والترهيب لإجبار الطلبة على شراء كتبهم أو مذكراتهم التي أعدت على عجل، مما جعل من الكتاب الجامعي في بعض الحالات مأساة علمية وأخلاقية –كما سبق- وقد أدى لجوء بعض أعضاء هيئة التدريس إلى تقرير الكتب الجامعية وفرضها على طلابهم، وسعي بعضهم إلى الصراع على التدريس لتسويق المذكرات (يزيد عيسى السورطي: السلطوية المتمثلة في التسليع التربوي). وهكذا تسبب ما يسمى بالكتاب الجامعي والمذكرات الجامعية في تقديم معارف هشة في كثير منها، فضلا عن إسهامها في تنميط عقول الطلاب، من خلال الاعتماد على الحفظ والاستظهار، وإضاعة الفرصة على الطلاب للتجول في صنوف المعرفة على تنوعها واتجاهاتها ومدارسها، عبر القراءات المتعددة في موضوع المقرر الدراسي، وبما يتفق مع مواهب الطلاب واهتماماتهم وفروقهم الفردية؛ حتى أمسى الكتاب الجامعي تحديا كبيرًا يضاف إلى التحديات التي تواجه التعليم الجامعي في مصر. وبناء على ذلك نقترح الاستفادة من الخبرات الدولية في ذلك، من خلال المقترحات التالية: - يقرر الكتاب الجامعي في أضيق الحدود، وفي مقررات معينة وقليلة، وذلك كأن يكون مثلا في المقررات العامة التي تقررها الجامعة على كل طلابها، على أن يقوم بإعداده نخبة من كبار الأساتذة المتخصصين في المادة العلمية، بالإضافة إلى خبراء في المناهج والتربية وعلم النفس وأيضا خبراء في اللغة، بحيث يكون الكتاب مصدرًا أصيلا للمعرفة التخصصية، ومراعيًا للفروق الفردية بين الطلاب، ويكون من آليات تنمية اللغة الصحيحة والتفكير الصحيح لدى الطلاب. ويراعى في الكتب التي تقرها الجامعة أن تكون كتبًا إرشادية، تفتح المجال أمام الطلاب والباحثين لتوسيع دائرة البحث والتقصي. - الاعتماد في المقررات الدراسية على: o قائمة القراءات المتعددة والمفتوحة في موضوع المادة الدراسية، والتي يعدها أساتذة المادة مجتمعين. o التطبيقات العملية لمحتوى المقرر الدراسي. o عمل الأبحاث وأوراق العمل في موضوع المقرر الدراسي. o عقد مناقشات عامة للطلاب يعرض فيها كل طالب رؤيته وما توصل إليه من معلومات جديدة، ومن ثم تعم الفائدة بين جموع الطلاب، وأيضا نضمن تدريب الطلاب على الإلقاء، والنقاش، وإلقاء المحاضرات، والعصف الذهني. o إقرار نحو 20 % من المادة الدراسية كقراءات مفتوحة باللغة الأجنبية، شريطة أن تكون قراءات حديثة لم يمر على نشرها أكثر من ثلاثة أعوام، بحيث يحرص الطلاب على تطوير لغتهم الأجنبية، وفي الوقت نفسه مساعدتهم على متابعة آخر ما وصل إليه العلم الحديث في تلك الموضوعات، وبالتالي نضمن تكامل المعرفة وتشابكها واشتراك أكثر من قسم في تدريس المقرر الواحد. - رفع مرتبات أعضاء هيئة التدريس بما يضمن لهم حياة كريمة، وحتى لا يلجأ بعضهم إلى إعداد المذكرات والكتب الجامعية. ومحاسبة من يقوم بذلك في الجامعات، والتعويل على استراتيجيات التعلم الحديثة مثل: التعلم التعاوني والتعلم النشط والتعلم الذاتي من خلال ترسيخ قائمة القراءات المفتوحة والتي تحددها الأقسام العلمية لكل مقرر. كما نقترح عدة آليات للإسهام في تحقيق ما سبق، على النحو التالي: · إنشاء مواقع وصفحات إلكترونية للأقسام العلمية وصفحات إلكترونية للأساتذة؛ للتفاعل المباشر مع الطلاب عبر هذه الآليات الحديثة. · تحميل قوائم القراءات المتعددة المفتوحة ومساراتها وامتداداتها على هذه الصفحات بحيث يستطيع الطالب أن يتفاعل مع الأساتذة ومع المقررات الدراسية المتعددة والمتنوعة ليختار منها ويضيف إليها؛ بحيث تكون ركائز أساسية للمنهج تساعده على التجول داخل دوائر المعلومات والموسوعات العلمية الإلكترونية وغيرها. · إنشاء مجموعات بريدية عبر البريد الإلكتروني للتواصل السريع بين الطلاب والباحثين والأساتذة. · إنشاء بنك أفكار وبنك معلومات (إلكتروني) في موضوعات التخصص، يشترك الطلاب والباحثون والأساتذة في إعداده، وتنميته وتغذيته بصورة دورية، ليكون رصيدا يضيف إليه ويغذيه الطلاب الجدد في السنوات التالية.
* عضو اتحاد كُتَّاب مصر – المدير التنفيذي لرابطة الجامعات الإسلامية عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.