لأن الفتيل يأتي صغيراً على الدوام ليشعل حريقاً كبيراً، فقد كان طبيعياً أن تنقدح شرارة التغيير في مكان قصي، صغير الحجم كبير الشأن هو تونس الخضراء، أعاد الله تعالى إليها خضرتها ونضارتها السياسية والعلمية، لتصل الشرارة إلى مكان الاشتعال الكبير الذي يأكل اليابس ويدع الأخضر، والذي ما إن بدأ حتى يلتهم ما حوله. بالأمس أنسى شباب مصر العالم أسطورة جيش إسرائيل الذي لا يقهر، وصحح صورة العرب في أعين العالم حرباً، واليوم أنست لوحتهم في ميدان التحرير ذاكرة العالم لوحة ميدان تيانامين في عاصمة الصين، وصححت صورة العرب في أعين العالم سلماً، واصطفت بهم في ركب الأمم النابضة من جديد. لقد كان صنيعكم أيها الشباب حجراً كبيراً يلقى لا في مياه العرب الراكدة فحسب، بل في كل بركة راكدة في العالم، سيسجله يراع التاريخ في صفحتنا نحن العرب والمسلمين، وستنحت منه الأيام اشتقاقات بألسنة الأمم وتدخل في معاجمها، فمثلما قيل جدار برلين، وربيع براغ، سيقال ميدان التحرير كناية عن هبة الشعب وإسقاط الديكتاتور. ولأن مصر وشبابها قد نالهم من النياشين ما هم أهل له من الأدباء والأقلام المرموقة، فقد وددت أن تأتي تحيتي لصنيعهم العظيم بديباجة مختلفة، وبصيغة الواثق من أن شيئاً كبيراً قد حدث، في مكان كبير، وبتداعيات كبيرة، لكن كان لابد من تحية عطرة آنية قبل أن تخلى الميادين بالكامل ويؤوب الجمع إلى منازلهم وذويهم وأرزاقهم، وأعد بأن أعود إلى هذا الموضوع من زاوية أخرى إن شاء الله. لقد ألقت مصر ظلالاً كثيفة على الوطن العربي في ثورة يوليو 1952، وهي ملقية ظلالاً هذه المرة لا محالة بمآلات ثورة يناير 2011، وهذه المآلات هي القطاف الحقيقة للثورة وليس شيئاً آخراً، لذا فهي أثمن ما يحرص عليه حريص. إن المثل المشهور القائل:"راحت السكرة وجاءت الفكرة" لهو حقاً عنوان هذه المرحلة الدقيقة، وإنه يراد للسكرة أن تنصرف سريعاً لينفسح الطريق للفكرة، وللتأمل في الحدث الكبير من مكان قصي وراء خطوط حدوثه، ومدّ النظر إلى مكان قصي وراء نتائجه استشرافاً لمآلاته وحرصاً عليها. حمى الله مصر وأهلها، وصرف عنها وعن بلاد العُرب والمسلمين كل سوء