لم تصدق عينيها عندما قرأت الخبر عبر مواقع الإنترنت، أعادت النظر مليا حتى تتيقن من الأمر، كان الخبر يتحدث عن الإنفجار الهائل الذى حدث أمام مديرية أمن القاهرة بباب الخلق وأسفر عن خسائر كبيرة من بينها تدمير واجهة المتحف الإسلامى وبعض محتوياته الأثرية، توقفت عند هذه الكلمة، وجرت إلى غرفتها، تناولت ألبوم صورها وأخذت بأناملها الرقيقة تقلب صفحاته، انهمرت دموعا ساخنة على وجنتيها وهى تتأمل صورة لها مع صديقتها ،ومن ورائهما بدت بعض القطع الأثرية الهامة من أيام العصر المملوكى، تذكرت كيف جابت أنحاء هذا المتحف الرائع إعجابا وفخرا به كشاهد على الحضارة العربية الإسلامية، بكل ما فيه من كنوز من دول كالهند و إيران وتركيا، والأندلس والجزيرة العربية. أخذهما الوقت وكان لابد من المغادرة قبل أن تنتهى الجولة التى حملتها إلى أعماق التاريخ العظيم، شعرت أن هذه الجولة لن تكون الأخيرة. مرت عدة أيام وذكريات جولتها فى المتحف الإسلامى لا تفارق مخيلتها، الأمر الذى دعاها لإتخاذ قرارا بتغيير مسار دراستها الجامعية لتدرس التاريخ الإنسانى بدلا من الهندسة الطبية. *** توقفت كثيرا عند قصة سارة، تلك الفتاة المصرية المغتربة بالولايات المتحدة وهى رمز لنبض الشباب المصرى المثقف الذى يفارق وطنه وقلبه معلق به، وربما يضع وطنه فى مكانة أعلى وأجمل بكثير من مكانته فى قلوب الشباب الذى يعيش على أرضه، وتساءلت ماذا سيكون شعورها وهى ترى آيادى الإرهاب الآثم تنال من رموز وطنها الغالى وليس وطنها فحسب بل رموز و تذكارات تاريخية تخص الإنسانية كلها وليس مصر فقط. منذ عشر سنوات كتبت مقالا فى جريدة الأهرام تحدث عن نفس الموضوع هنا ، وذكرت فيه كم الكنوز الغارقة التى لدينا، فكم من متحف نالته آيادى الإهمال والتقصير، وتحدثت عن المتحف الزراعى كمثال لأول متحف فى العالم من نوعه ، وأهمها – على افتراض ما كان يجب أن يكون- بما يحويه من نماذج لآلات زراعية قديمة إستخدمها الإنسان المصر القديم عندما عرف الزراعة وبرع فيها منذ آلاف السنين، وأستقر بفضلها على نهر النيل وأسس حضارته العريقة. هل نتظر أن نفقد شيئا فشيئا رموزا من تاريخنا الثمين؟ ألا نسمع عن هذه المتاحف إلا عندما تحترق بنيران الكراهية والخيانة؟ إن بمتاحفنا كنوزا لو وجد القليل منها فى دولة أخرى لأقامت لها الإحتفالات والمهرجانات السنوية، ولروجت لها ترويجا لجذب السائحين إليها من كل مكان. إن الإهتمام الذى تناله متاحفنا لا يناسب ما تستحقه منا، بل أن معظم هذا الإهتمام يكاد يكون منصبا على المتاحف الفرعونية وحسب، فمتى تجد متاحفنا الباقية كالمتحف الإسلامى والزراعى والقبطى ومتاحفنا الأدبية والثقافية والصناعية وسائر المتاحف العناية والإهتمام اللائقين بها ؟ ليس فقط من ناحية التأمين ، ولكنى أقصد الترميم و التجديد والإصلاح والترويج لها عالميا، كنوزنا تنادى فهل من مجيب؟