مركز تغير المناخ: استمرار نشاط الرياح المحملة بالأتربة في هذا التوقيت أمر غير تقليدي    محمد بن سلمان ل بزشکيان: لن نسمح باستخدام أجواء أو أراضي السعودية في أعمال عسكرية ضد إيران أو وِجهة أخرى    ليلة حاسمة في دوري أبطال أوروبا: من يصل إلى دور ال16؟    برتغالي وألماني مرشحان لمنصب المدير الفني لاتحاد الكرة    أسامة كمال يسخر من تيك توك بعد حذف فيديوهات اشتباكات مينيابوليس: شربت شاي بالياسمين    مؤتمر أربيلوا: مورينيو لا مثيل له.. ومباراة بنفيكا حاسمة    الإيقاف يبعد الخيبري عن النصر في مواجهة الخلود بدوري روشن    أبرزها المثلية، المفتي يحذر من دعوات تروج لانحرافات أخلاقية تحت ستار التقدم    زينة تثير الجدل: "باركوا لأبو الولاد اتجوز" .. هل تقصد أحمد عز؟    نقيب الأطباء يحذر من الاعتماد على شات جي بي تي في الاستشارات الطبية: أمر في منتهى الخطورة    الصحة الفلسطينية: استشهاد شاب برصاص الاحتلال في بلدة الظاهرية بالضفة الغربية    أمين الأعلى للشئون الإسلامية: الخطاب الديني الحقيقي هدفه الأخذ بيد الناس للطريق المستقيم    تكريم العاملين بمجلس مدينة شرم الشيخ بعد تصدرها جائزة مصر للتميز الحكومى    سامح عاشور: وعي المحامين هو سر الانتصار على الإخوان    هيئة العمل الفلسطيني: وعود إسرائيلية بفتح معبر رفح غدًا تحت ضغط أمريكي    خبير علاقات دولية: مصر توظف علاقاتها مع تركيا والجزائر لدعم استقرار ليبيا    اليونيفيل تحذر من تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية في جنوب لبنان    إصابة نائب رئيس هيئة قضايا الدولة ونجله في حادث تصادم بطريق أسيوط    السيد البدوي: لم أتحالف يومًا مع الإخوان وتاريخي السياسي يشهد بذلك    محمد عبد المنعم يعلن عودته للتدريبات: دخلت في اكتئاب بسبب الإصابة    مكتبة لكل بيت    مسلسل لعبة وقلبت بجد الحلقة 16.. شريف يتمسك بحق شروق ويوسف رغم الضغوط    مستقبل وطن يناقش خطة عمل المرحلة المقبلة مع الهيئة البرلمانية بمجلس النواب    مفتي الجمهورية: دار الإفتاء تنظر إلى الطلاق بوصفه أحد أسباب ضياع الأسر والمجتمعات    ضمور العصب البصرى و«تعفن الدماغ» وتدهور الوظائف المعرفية.. أبرز الأضرار    مصلحة الجمارك المصرية تكشف عن حالة وحيدة تمنح المسافر حق الإعفاء الكامل من رسوم الهاتف المحمول عند دخوله البلاد    مستوطنون يطلقون النار صوب منازل الفلسطينيين جنوب نابلس    مواقيت الصلاه اليوم الثلاثاء 27يناير 2026 بتوقيت المنيا    زلزال بقوة 5.7 درجات يضرب سواحل إندونيسيا    مقتل 3 أشخاص وإصابة 25 في أوديسا بأوكرانيا جراء هجوم بمسيرات    خالد الجندي: الصمت عبادة من أعظم العبادات المهجورة    ختام ناجح لتصفيات شمال أفريقيا المؤهلة لبطولة للمدارس    معرض الكتاب يناقش إشكاليات الترجمة الأدبية بين البولندية والعربية    للعام الثالث على التوالي.. طب عين شمس تحتفي بتخريج الطلاب الوافدين دفعة 2025 | صور    وزارة الأوقاف: مفيش وقت محدد لصلاة التراويح.. والأمر متروك لظروف كل مسجد    أسعار البترول تواصل صعودها عالميًا.. وخام برنت يكسر حاجز ال 66 دولارًا للبرميل    رئيس الوزراء يتفقد مشروع إنشاء مُستشفى هليوبوليس الجديدة..وافتتاح مستشفى كليوباترا التجمع    علاج النسيان وعدم التركيز بالأعشاب الطبيعية    جامعة أسيوط تشارك في مؤتمر حوادث السفن وسلامة البيئة البحرية بالإسكندرية    الأوقاف: تخصيص 30 مليون جنيه قروضًا حسنة بدون فوائد    عاجل- رئيس الوزراء مستشفى هليوبوليس الجديدة: 42 ألف م2 و400 سرير لخدمة مليون مواطن    نائبا وزيري خارجية أمريكا وطاجيكستان يزوران المتحف المصري الكبير    طلاب زراعة قناة السويس يشاركون في الدورة الأربعين مصريًا والأولى أفرو-عربيًا بجامعة القاهرة    كشف ملابسات واقعة سرقة معدات موقع صرف صحي بالشرقية    التايكوندو يعلن تشكيل لجنة السلامة وإدارة المخاطر    غيوم ورياح مثيرة للأتربة.. تقلبات جوية فى محافظة بورسعيد.. فيديو وصور    تفاصيل اعترافات المتهم بقتل أم وأطفالها الثلاثة فى فيصل قبل الحكم.. فيديو    اندلاع حريق داخل مصنع إسفنج فى البدرشين    رئيس الاتحاد الإسباني: نهائي كأس العالم 2030 سيقام في إسبانيا    اسكواش – رباعي مصري يحسم تأهله لنصف نهائي بطولة الأبطال    إسرائيل تتلف مئات أشجار الزيتون وتوقف بناء 20 منزلا فلسطينيا بالضفة    معرض الكتاب.. الشاعر الأردني "محمد جمال عمرو" ضيفا في جناح الطفل وحفل توقيع كتابه "أحلام صغيرة"    سعر طبق البيض بالقليوبية الثلاثاء 27 - 1 - 2026.. الأبيض ب117 جنيها    بمشاركة 439 طالبًا.. جامعة أسيوط الأهلية تشهد انطلاق دورة للتربية العسكرية والوطنية    منع الزيارة عن الفنان سامح الصريطي وزوجته ترافقه داخل العناية المركزة    كامل الوزير: نتطلع لزيادة عدد المصانع الأمريكية بمصر في مختلف المجالات    مصر تنافس على المركز الأول في صادرات الملابس بأفريقيا ب 3.4 مليار دولار    نيابة عن رئيس الوزراء.. خالد عبدالغفار يشارك في احتفال سفارة الهند بالذكرى ال77 لعيد الجمهورية    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الإمام الفذ والبحث الهدية(2/2)
نشر في المصريون يوم 20 - 01 - 2011

عرضنا في المقال السابق رؤية الإمام الفذ لأزمتين كبيرتين وكيف عرض القرآن الكريم حلولا لهما من خلال تقديم حادث الهجرة كمنهج واستراتيجية لإدارة الأزمات وكان قد بقي أزمتان كبيرتان هما :
• أزمة الاستضعاف والتخلي عن أداء الدور في المجتمع الإسلامي الجديد .
• والأزمة الرابعة كانت أزمة التردد والقلق عند التحدي الكبير عندما أعلن الرسول في غير مواربة وعلى غير العادة أنه متوجه إلى قتال الدولة العظمى في ذلك الوقت دولة الرومان في تبوك، فكيف عالجهما القرآن الكريم من خلال الحديث عن الهجرة ، وكيف عرضهما شيخنا الإمام الشيخ محمد الغزالى رحمة الله عليه ؟
• الأزمة الثالثة:
أزمة الاستضعاف والتخلي عن أداء الدور في المجتمع الإسلامي الجديد.
يقول الشيخ الإمام :
"الهجرة من مكة إلى المدينة كانت انطلاقا بدعوة محبوسة مضطهدة إلى مكان جديد أو وطن جديد تستقر فيه وتحاول الانطلاق منه، ولذلك كان فرضا على كل مسلم أن يترك مكة إن كان يعيش في مكة، وأن يترك جنوب الجزيرة إن كان يعيش في جنوب الجزيرة، وأن يترك شمالها إن كان يعيش في الشمال، وأن يلتحق بالإسلام الذي أسس مجتمعا جديدا له في المدينة كي يدعم هذا المجتمع الجديد ويعلي فيه راية التوحيد، ويرد عنه عدوان الشرك ويجعل قوى المؤمنين في هذا الوطن تتماسك وتتلاقى ، ومن هنا فإن البقاء في ظل المظالم اعتبر جريمة دينية ، واعتبر القرآن الذين يؤثرون الضعف في أرضهم حطب جهنم واستثنى القرآن أصحاب الأعذار الحقيقية الذين لا يستطيعون الضرب في الأرض ولا التنقل من مكان إلى مكان، فقد عذر هؤلاء ، لكن صيغة العفو عنهم جاءت مقلقة ، ومع أن الرجاء في الله محقق الوقوع إلا أن القرآن قد اختار صيغة بتعبير دقيق " عسى الله أن يعفو عنهم" والتعبير بعسي جاء قاطعا لدابر اختلاق الأعذار لأن صاحب العذر الحقيقي لا يدرى إن كان سيغفر له أم لا ، وجاءت الآية على هذا النسق حتى لا يختلق أحد عذرا فتأمل كيف عالج القرآن تلك الأزمة وقدمت فيها الهجرة ليست كحادث انتقال من مكان إلى مكان آخر وانتهي الأمر ، وإنما قدمها كاستراتيجية لإدراة أزمة الاستضعاف الحقيقي والاستضعاف المدعى بشكل عام .قال الله تعالى فيهم : {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا} {إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً . فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا غَفُورًا} ( 98 99) سورة النساء
• الأزمة الرابعة
غزوة تبوك وأزمة التردد والقلق عند التحدي الكبير.
فرز الشرائح المختلفة وتصنيفها
وسبب هذه الغزوة أنه قد بلغ المسلمين من الأنباط (الفلاحين) الذين كانوا يتنقلون بين الشام والمدينة للتجارة أن الروم قد جمعت جموعا وأجلبت إلى جانبها لخم وجذام وغيرهم من نصارى العرب الذين كانوا تحت إمرة الرومان ووصلت طلائعهم إلى أرض البلقاء فندب النبي صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج وكان ذلك في شهر رجب سنة تسع من الهجرة وكان الفصل صيفا وقد بلغ الحر أقصاه والناس في عسرة من العيش وكانت ثمار المدينة في الوقت نفسه قد أينعت وطابت.
• فمن أجل ذلك أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم عن الجهة التى سيتجهون إليها وذلك على خلاف عادته في الغزوات الأخرى فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا وليأخذوا استعدادهم ،
• وكانت الرحلة في هذه الغزوة ثقيلة على النفس فيها أقسى مظاهر الابتلاء والامتحان
• وفي السنة التاسعة من الهجرة أعلن النبي يصلى الله عليه وسلم النفير العام لملاقاة الروم ، والروم أو الرومان كما يذكر اسمهم في التاريخ، كانوا يومئذ الدولة العظمى في العالم.
• كانوا أشبه بأمريكا اليوم، كانت دولة مرهوبة الجانب عظيمة السلطان باطشة بالشمال الأفريقي كله وبأسيا الصغرى كلها ، وكانت قد خرجت من حرب حققت فيه نصرا تجرجر أذياله فخرا على دولة الفرس ، أي أن الأمجاد كلها قد تلاقت لتكلل هامات الرومان.
• ،دولة هي الأعظم ومنتصرة وتبسط نفوذها وسيطرتها على أغلب بقاع الأرض ،وفي هذه اللحظات قيل للمسلمين تحركوا إلى دولة الروم لتقاتلوها.
• وقع الرعب في قلوب الناس، وقع التخاذل والقلق ، وقال المنافقون : انتهى محمد وانتهى دينه، سيشتبك مع الدولة الأولى في العالم، وسيتلاشى تماما ، وأخذ نفاق المنافقين يعلن عن نفسه هنا وهناك فيقولون مثبطين "لا تنفروا في الحر " ومنهم من يقول ائذن لى ولا تفتني.
• وعسكر عبد الله بن سلول مع فئات من أصحابه وحلفائه في ضاحية بالمدينة فلما سار النبي صلى الله عليه وسلم تخلف بكل من معه، ونزل القرآن الكريم يعطى توصيفا عاما للأزمة ويصف المخلفين بما قالوا دون أن يذكر الأسماء، قال تعالى:" {وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ } (49) سورة التوبة
{فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلاَفَ رَسُولِ اللّهِ وَكَرِهُواْ أَن يُجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَالُواْ لاَ تَنفِرُواْ فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ}
(81 82) سورة التوبة.وكانت تلك طائفة.
• هنالك طائفة أخرى أحست بالخوف والفزع وركنت إلى متاع الحياة وتباطأت في تلبية النداء، فالجو حار وثمار المدينة قد أينعت ودان قطافها ، ثم إن العدو في هذه المرة ليس قرش وليس أحد القبائل التى اعتاد المسلمون قتالها، إنهم الروم وما أدراك ما الروم ، القوة الأعظم في ذلك الوقت ، وهكذا تردد صدى الخوف والرعب في نفوس بعض المسلمين فنزل القرآن ليحسم الأمر ويعالج الأزمة ببيان عاقبة التخاذل وأثر ذلك في ضياع الأرض والعرض وانتهاك الحرمات فقال تعالى :" {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انفِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ ،إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (38 39) سورة التوبة
• ثم يستدعي حادث الهجرة بعد تسع سنوات من وقوعه ويذكرهم بالنبي البطل الفرد الذي تكالبت عليه مكة وهي يومئذ أم القرى وعاصمة الجزيرة العربية .
• إن الرجل الوحيد الذي خرج معه صاحبه يؤنسه ويخدمه ، هذا الرجل ماذا حدث له، خذله الناس وطلبوا قتله وجندوا لذلك كل شباب مكة فماذا حدث له؟ {إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُواْ السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (40) سورة التوبة
• ثم كان هناك بجانب تلك النفر الذين ترددوا وارتابت قلوبهم كان هناك الإيمان الصادق الذي أخذ يعلن عن نفسه أيضا في صدور أصحابه فقد أقبل المؤمنون على رسول الله صلى الله عليه وسلم من كل صوب، وكان قد حض على الإنفاق وتقديم ما يتوفر لديهم من الدواب للركوب فجاء الكثيرون منهم بكل ما أمكنهم من المال والعدة،
• وجاء عثمان بثلاثمائة بعير بكل ما تحمله من زاد وعتاد وبألف دينار نثرها بين يدي النبي فقال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يضرعثمان ما فعل بعدها"
• روى الترمذي عن زيد ابن أسلم عن أبيه قال سمعت عمر بن الخطاب يقول : أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نتصدق ووافق ذلك عندي مالا ، فقلت اليوم أسبق أبا بكر ، إن سبقته يوما قال: فجئت بنصف مالي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أبقيت لأهلك ؟ قلت : مثله ، وأتى أبو بكر بكل ما عنده . فقال يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك ؟ فقال أبقيت لهم الله ورسوله ، قلت : لا أسبقه إلى شئ أبدا " 1
• وأقبل رجال من المسلمين أطلق عليهم(البكاؤون) يطلبون من رسول الله صلى الله عليه وسلم دواب يركبونها ليجاهدوا معه ، فقال لهم النبي " لا أجد ما أحملكم عليه" فخرجوا وعيونهم تفيض من الدمع حزنا لأنهم لا يجدون ما يقدمونه في تلك الغزوة ، وتخلف عن النبي نفر من المسلمين من غير شك ولا ارتياب ، مهم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع ، وهلال بن أمية وأبو خيثمة .
• غير أن الأخير لحق برسول الله صلى الله عليه وسلم في تبوك بعدما عاد إلى داره وكان له زوجتان فلما عاد وجد كلتاهما قد فرشت له خيمتها وأعدت أطيب الطعام والماء البارد فلما وقف على الخيمتين ونظر إلى امرأتيه وما صنعتا له فقال : رسول الله في الشمس والريح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وطعام طيب وامرأة حسناء في ماله مقيم ؟ ما هذا والله بالعدل ووالله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله،
• وارتحل أبو خيثمة حتى أدرك رسول الله في تبوك ، كان الجو غائما ومغبرا والرؤية تكاد تكون منعدمة ، وأحس المسلمون بركب قادم ولما دنى من المسلمين ، قالوا هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كن أبا خيثمة ، فقالوا يارسول الله هو والله أبو خيثمة فلما أناخ أقبل إلى رسول الله فقال عليه الصلاة والسلام أولى لك يا أبا خيثمة ؟ .. ثم أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فدعا له بخير.
• ومما حدث في هذه الغزوة أن الرجلين والثلاثة كانوا يتعاقبون على بعير واحد وأصابهم جوع شديد بعدما نفد الزاد ، ثم أصابهم عطش أشد حتى فكر بعض المسلمين في نحر إبلهم ليشربوا ماءها واستأذنوا الرسول في ذلك فأذن لهم، غير أن عمر قال يا رسول الله إنهم إن فعلوا قل الظهر ، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم ثم ادع لهم بالبركة لعل الله أن يجعل فيه ذلك ، فأمرهم النبي أن يأتي كل واحد منهم بما عنده فكان الرجل يأتي بحبة من ذرة والآخر بتمرة والآخر بكسرة من خبز فجمعها النبي ودعا عليها بالبركة ثم قال لهم خذوا في أوعيتكم، قال فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في المعسكر وعاء إلا ملئوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت منه فضلة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشهد أن لا إله إلا الله ، وأني رسول الله ،لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فتحجب عنه الحنة"2
• ولما انتهوا إلى تبوك لم يجدوا هناك كيدا ولا قتالا فقد اختفى وتفرق ألئك الذين كانوا قد تجمعوا لقتال المسلمين ثم أتاه يوحنه حاكم أيلة فصالح رسول الله على الجزية وكذلك بقية القبائل جرباء وأذرح ونصر الله نبيه وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا.
• وهكذا انتصر النبي صلى الله عليه وسلم وما استطاع الناس أن يصنعوا شيئا أو أن ينالوا منه شيئا بل لقد تحول على امتداد الزمان والمكان إلى حضارة عمرت المشارق والمغارب بمنطق العقل وأدب النفس وسناء الخلق ، وأقام مجتمعا لا تعرف الدنيا نظيرا له تراحما وتناصرا وإخاء وعدلا ولا عجب في ذلك فإن الأنصار الذين التفوا حوله كان الوحي المشع من السماء يضيئ لهم الطريق ويوضح لهم الغاية فصنع منه الإيمان الذي يزن الجبال ولا يطيش والإيمان بمن ؟ بالله الذي له ما في السموات وما في الأرض وله الحمد في الأولى والآخرة وهو الحكيم الخبير.
• تلك كانت رؤية الإمام الفذ الشيخ محمد الغزالى لحادث الهجرة، قدمتها هدية لقرائنا في جريدة "المصريون" تقديرا وامتنانا :
• تقديرا لوعيهم بمكانة الشيخ الإمام ودوره ورسالته الدعوية وجهوده وجهاده في خدمة الإسلام وقضاياه، وذلك ما أظهروه من خلال تعليقاتهم السابقة.
• وامتنانا لهم واعترافا بفضلهم في تصحيح بعض الصورالذهنية الخاطئة لقلة من الناس حول عظماء أمتنا .
• وما أحوجنا في تلك الظروف الحرجة من حياة أمتنا أن نعرف الفضل لذويه ، وأن نهجر الأفكار الكارثية التى ما برحت تحاول تحطيم كل بناء جاد، وتحاول أيضا أن تنال من كل عظيم، حتى ولو كان قد غادر حياتنا وذهب إلى هناك بين يدي الله حيث لا ظلم هناك.
• هجرة الأفكار الكارثية تحتاج لمزيد من العرض والشرح والبيان حتى لا يظل البعض أسيرا لرؤية وفكرة ضيقة، ففضاء العلم واسع وفسيح ، ووحدة الحقيقة لا تمنع من تعدد وجهة النظر إليها. وقد واجه كل الأئمة الأعلام من قبل صدودا واتهامات، وكان هناك من طعن في إمامتهم بل وطعن في دينهم واستعدى السلطة والسلطان عليهم، وبعضهم سجن وعذب وكان منهم الإمام ابن تيمية .
• خبيث هو ولئيم ذلك المخطط الذي يريدنا أن نعيش بلا رأس ولا رمز ولا مرجعية، بلا رأس تفكر ، ولا رمز نلتقى عنده ، ولا مرجعية تحوِّل اختلافنا إلى ثراء وإضافة وتعددية، ومن ثم تعصمنا من الزلل وتستبقى مع الاختلاف في وجهات النظر أخلاقنا عند حدود الأدب فلا نتعدى على الحرمات ولا نتجاوز.
• رحم الله أئمتنا وعلماءنا ، وغفر الله لنا ولإخواننا من الأحياء ومن سبقونا بالإيمان، وندعوه سبحانه ألا يجعل في قلوبنا غلا للذين أمنوا .
رئيس المؤسسة الأسترالية للثقافة الإسلامية
رئيس إذاعة القرآن الكريم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.