تشهد الجامعات المصرية هذه الآونة ثورة استثانية تأتي بالتوازي مع أحداث المشهد السياسي الملتهب بفعل إصدار قانون الحق في تنظيم التظاهرات والمواكب والاجتماعات المعروف إعلامياً بقانون التظاهر ، وبفضل حالات المد والجزر للظهور الإخواني بين طلاب الجامعات ، وأخيراً بسبب عوامل مجتمعة في سلة واحدة مثل المحاكمات العسكرية للمدنيين ، والعبارة التي أصبحت أكثر شهرة من المصريين أنفسهم وهي مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصر الأساسي للتشريع ، ومقتل طالب كلية الهندسة أثناء تظاهرات جامعة القاهرة . وكافة ممارسات المشهد في مصر اليوم تؤكد على أن الثورة المصرية لا تزال سياسية وتأبى أن تنتقل إلى مرحلة التثوير التي تعني البناء الكامل والرصين لمؤسسات الدولة ، وإيقاظ الهمم والنفوس والسواعد للإعمار والتشييد والبناء ، وكم مصر من الغرائب منها أن تظل ثورتنا تحتفظ بالطابع السياسي من خلال قوانين تتعلق بممارسة الحياة السياسية من خلال التظاهر ، ومن خلال قانون يفرض وقت الحاجة يسمى الطوارئ ، ومن خلال إحداثيات وقتية تنقضي بانقضاء المهمة مثل حظر التجوال وإعداد الدستور والانتخابات الرئاسية والتشريعية ، وكأن من قدر هذه البلاد والعباد أن يظلا في حالة انتباه ووعي وأعين شاخصة إزاء الرصد السياسي الراهن . وبالتأكيد أن الثورة المباركة في يناير 2011 جاءت لترسخ الديموقراطية وقواعدها في مصر وبين شبابها الطلاب الجامعيين اليافعين ولتبصير الشعب بدوره في امتلاك الحدث والفعل ، لكن هؤلاء يصرون على احتراف السياسة بقواعدهم هم فقط والتي تكاد تخلو من شرائط اللعبة المعروفة تنظيرياً في كتب وردهات السياسة ، وظناً منهم بأن خروج الطالب في تظاهرة بالحرم الجامعي أو بأحد الشوارع الرئيسة هو بمثابة صك حقوقي للقب ثوري أو ناشط أو صانع للحدث الثوري . ولا شك أن الفعل الثوري لدى طلابنا يؤكد وعياً سياسياً ينمو ، وأن ثمة تحولات وتغيرات قائمة بالفعل في المجتمع هي التي تدفع الشباب إلى حمى العمل السياسي الذي يتمثل عادة في أشكال غير رسمية بعيدة عن المؤسسات والتي يمكن أن يطلق عليها مسميات مثل حركة أو حملة أو ائتلاف . ومن كرامات الثورة المصرية أنها فجرت ينابيع الحراك السياسي الذي صُبِغَ بصبغة طلابية بالجامعات ، وأن هذا الحراك قرر ألا يهدأ وربما يأبى الهدأة والسكون ، ورغم ذلك فإن حراك طلاب الجامعات المصرية السياسي لم يأخذ في معظم الأحيان الوجهة الإيجابية المتمثلة في طرح سياسي واجتماعي وثقافي يسهم في تطوير ونهضة الوطن ، لكن أخذ هذا الحراك اتجاهاً آخر سلبياً وإن صح التعبير اتجاهاً صوتياً ، اقتصر على حد التظاهر والامتعاض السياسي تجاه تصرفات الحكومة ، واجترار الأحزان التي واكبت بعض الأحداث السياسية التي شهدها المشهد المصري مثل أحداث مجلس الوزراء ومحمد محمود وماسبيرو والاتحادية ورابعة ، لعدوية . وهذا يدفعنا إلى سبر أغوار هذا الحراك السياسي الذي لم يواكبه ويلازمه حراك ثقافي ومجتمعي بنفس قوة الفعل السياسي غير ا الرسمي ، وربما هذا الجموح والجنوح نحو السياسة وذاك التقصير والتخاذل نحو الثقافة والمجتمع من جانب الحركات الطلابية الثورية أقرب في المعنى لما جاء في قصيدة الشاعر الماتع والرافض دوما أمل دنقل والمسماة ب ضد من ، والتي يقول فيها : " ضد من ؟ ومتى القلب في الخفقان اطمأن بين لونين : أستقبل الأصدقاء الذين يرون سريري قبراً وحياتي دهراً وأرى في العيون العميقة لون الحقيقة لون تراب الوطن " . فطلابنا الذين بحق استطاعوا أن يحركوا المياه السياسية الراكدة بثورة استثنائية في تاريخ مصر يصرون بعض الوقت على أن يروا مصر حاضراً وماضياً فقط دون مستقبل لذا فهم يمثلون حركة رد الفعل الدائبة وربما أُرهقوا بفضل ما أنجزوه من إسقاط نظام سياسي عتيد ، وحالة الخفقان التي تعتريهم ليل نهار والمتمثلة في حالات التظاهر والاعتراض والرفض الممتزج بالغضب لا تعبر نحو شاطئ الاستقرار والذي ينبغي أن تصل إليه مصر في القريب ، ولعل مفاد ذلك أن الثورة السياسية تأبى أن تتحول إلى ثورة ثقافية أو مجتمعية ، وأن فعل الكلام اليوم صار الملمح الطاغي على الممارسة السياسية دون الاكتراث بالجوهر من وراء هذا الفعل ، فنجد طلاباً مغرقين في المناقشة السياسية والتظاهر الصوتي والحشد الجسدي إزاء الدستور الذي لا أظن أنه ينال رضاً شعبياً مطلقاً ، وتجاه ممارسات حكومة الدكتور الببلاوي ، وكذلك تجاه بعضهم البعض حيث إن فئة الطلاب الجامعيين تحولت إلى طوائف وفصائل عدة متنازعة ومتشاحنة ، وكان من الأحرى أن يتحول هذا الهوس السياسي إلى هوس ثقافي يتمثل في طرح فكري متميز وليس جملة من الاعتراضات ، ولكن يبدو أن حالة الفوضى التي تكرست في المجتمع منذ اشتعال ثورة يناير واستقرارها النسبي بإسقاط نظام مبارك تحول بين الجامعيين ووصولهم الطبيعي إلى محطة الوهج الثقافي العام . ومن قبيل العبث أن يقوم البعض بقياس حالة الطلاب الثقافية بحالات أخرى متباينة كالأجيال المصرية الثقافية لأن الق اس والمقارنة لا تنضبط إلى وفق شرائط وضوابط متماثلة في التوقيت والحالة والحدث نفسه ، لكن كان من المتوقع أن جيلاً كهذا انفرد بالحصول على مكتسبات التكنولوجيا بيسر وسهولة ، وتميز باقتناء المعرفة دون اقتناصها كالسابقين أن يأتي بمنتج ثقافي مغاير أكثر تميزاً ، وربما هؤلاء سيكتشفون أنهم خسروا كثيراً بسبب حالة الانغماس في الحدث السياسي غير الرسمي ، وأنه كان عليهم استغلال الحدث الثوري والمشاهد السياسية المتراكمة بقوة في الولوج إلى عوالم الثقافة من شعر وقصة وصناعة أفلام تسجيلية وتأليف وقراءة واطلاع عميق ، وتسجيل هذا الحراك السياسي في صورة مكتوبة ، لكن فكرة قصر التسجيل للأحداث عن طريق بيانات تصدرها الحركات الطلابية سرعان ما تنقضي أهميتها ودلالتها لأن الحدث السياسي في مصر بطبيعته غير مستقر ، وكل صباح يستيقظ المواطن على فعل سياسي رسمي وغير رسمي ربما غير متوقع لذا فتلك البيانات لن تكون كفيلة لرصد الحالة الثقافية عند هؤلاء الشباب . ناهيك عن دور الجامعة والأساتذة الأكاديميين في تهميش البعد الثقافي لدي هؤلاء ، فبين أستاذ وضع جل اهتمامه في تدريس مقرره الجامعي الباهت والسطحي وغير المتوافق مع طبيعة الحدث والعصر ، وبين أستاذ قرر أن يجعل قاعة المحاضرات ميداناً للثورة ، وبين ثالث رأى الجامعة مسرحاً لعرض شعاراته السياسية الصاخبة التي تدغدغ أسماع طلابه ، يمكن توصيف حالة الطلاب الثقافية وما يتوقع من أداء فكري ينتج عنهم في المستقبل ، فغياب الدور الثقافي للجامعة اليوم وعدم استغلالها للحدث الثوري الذي مر بمصر منذ ثلاث سنوات سيدفعنا جميعاً إلى بالتنبؤ إلى مصير الأجيال الثقافية المقبلة في مصر والتي دونما شك ستتسم بالسطحية الثقافية والافتقار إلى سمات التفسير والتحليل والتأويل والتفكير العميق ، لاسيما وأن اشتغالهم وانشغالهم بالعمل السياسي غير الرسمي سيكسبهم فهماً مباشراً بغير عمق ، وسيدربهم على أن يكونوا مجرد رد فعل للآخر رغم أنهم صانعو حدث في الأساس .