الصحافة الكويتية تمثل حسب التصنيف الدولي ثاني أكثر صحافة حرة بعد لبنان ، وهي ملاحظة صحيحة لمن يطالع الصحافة الكويتية ومشاكلها ومعاركها وتغطياتها لشؤون الدولة والبرلمان والمجتمع ، كما بعض الصحف الكويتية الكبيرة مملوكة لأطراف نافذة أو قريبة من بيت الإمارة ، وبعضه مملوك لرجال أعمال كبار وغير ذلك ، رئيس تحرير صحيفة القبس "وليد النصف" وهي واحدة من صحف الكويت العريقة تكلم أمس في إحدى ندوات "الملتقى الإعلامي العربي" حديثا صريحا للغاية ، وأعتقد أنه كاشف لنا هنا في مصر لبعض الأبعاد التي قد تخفى على المواطن العادي المفعم بالبراءة وهو يتابع صولات وجولات بعض مدعي البطولة في سوق الصحافة الخاصة ، وليد النصف قال بهدوء أنه لا يخاف كثيرا من السلطة وتدخلها وغضبها ، ولكنه يخاف أكثر من كبار رجال البزنس والشركات المعلنة ، مؤكدا أنه يمكنه بسهولة أن ينتقد شخصيات حكومية رفيعة ويغضبهم ويستفزهم ويتحداهم ، ولكنه لا يستطيع أن يفعل ذلك مع شركة تقدم لصحيفته ربع مليون دينار كويتي إعلانات مثلا ، وتحدث بفكاهية عن شركات السجائر مثلا ، وقال : أنا لا يمكنني أن أنشر موضوعات تقول أن السجائر تتسبب في سرطان الرئة أو تؤدي إلى الموت ، في الوقت الذي أتلقى فيه نصف مليون دينار إعلانات من شركات السجائر ، وضحك وهو يقول : ممكن أنشر موضوعا يقول أن السجائر تتسبب في "كحة" زائدة ، وهذا هو سقفي الممكن !!، رغم بشاعة المعادلة ، إلا أني احترمت صراحة الرجل وتواضعه "المهني" أمام الحقيقة ، فهو لا يدعي بطولات كاذبة وزعامة سياسية مصطنعة للتغطية على انحناء قامته أو قامة صحيفته أما نفوذ بعض الجهات غير الرسمية ، والمعنى أن الخطر على استقلال الصحافة والإعلام ليس من جانب السلطات السياسية الرسمية وحدها ، بل ربما تكون هذه الجهات هي الأقل خطورة على حرية الإعلام ، ويمكنني أن أستأسد وأنا أناطحها وأنتقدها وأتحدث عن الفساد والتوريث ، بينما يقوم "بطل" هذا المشهد التمثيلي بممارسة الانحناء والركوع أمام بعض المليارديرات الذين يسيل لعابه أمام مبالغ طائلة يضخونها في جيبه تتحول إلى عدة ملايين سنويا ، وهذا البطل المغوار مثلا لا يجرؤ على أن يمس "طرف" ولي نعمته بكلمة أو نقد ، ولو أتى له أحد صحفييه بمثل جبل أحد تلال وثائق فساد فلن ينشر منها شيئا ، وهذا مع الأسف ما يجعلنا ننبه إلى أن بعض الصحفيين "الفاسدين" في مصر يتخذ من اللهجة الساخنة والساخرة في الحديث عن السلطة وفساد بعض رجالها والتوريث وخلافه ، يتخذ منها قنابل دخان يفجرها باستمرار ليستتر فيها بانحرافاته وفساد ذمته ودناءة نفسه وركوعه وسجوده أمام جهات فاسدة أخرى وربما أكثر فسادا ، يكون معها وأمامها كأرنب مستأنس ضحوك بشوش خفيف الظل، لأنها تشتريه بأموالها ومنابرها وفضائياتها ، وهذا الذي يحدث في سوق الصحافة الخاصة للأمانة جعل كثيرا من المهمومين بالإعلام المصري والصحافة بشكل خاص يراجعون حساباتهم في الموقف من ملكية الصحف القومية ، وأن وضعها الحالي كصحف تابعة للدولة وتعمل في ظل سقفها المحدود هو أرحم كثيرا من فكرة خصخصتها ، لأنها ستقع تحت أحذية مليارديرات لهم أجندتهم الخاصة ، بعضهم له حسابات طائفية بحتة ، وبعضهم له حسابات خارجية تمثل خطرا فادحا على الأمن القومي للبلد ، وبعضهم له حسابات تتصل "بالتكويش" على السلطة والثروة ومعها الإعلام ، على الأقل فأمراض الصحافة القومية بوضعها الحالي تنحصر في تلميع رأس الدولة ومصالح وجاهة ونفوذ نفر قليل حوله ، وهو هوان وبؤس وإساءة للإعلام فعلا ، ولكنه أقل خطورة بكثير من أن تكون تحت أحذية بعض من أشرنا إليه ، حيث تترك مساحات كبيرة للاختلاف والاجتهاد والعمل الجاد في الصحافة القومية مع مستوى من المسؤولية معقول جدا في القضايا الفكرية والدينية والاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية ، وهو ما ينعدم تقريبا في كثير من الإعلام الخاص الآن ، حيث يبدو وكأن رسالته هي تدمير الوطن وتفتيت كل ثوابته وبيعه لأجندات طائفية أو صهيونية أو أمريكية ، حسب جهة الشراء ، أو الوسيط . [email protected]