طرحت بعض الصحف علي أمس سؤالا ، عن المستفيد من التحول الحاد والمتشنج داخل جماعة الإخوان في مصر ، لم تكن الإجابة في حاجة إلى كثير وقت لمعرفتها ، لأن النخبة الحاكمة والمهيمنة في مصر هي أكثر الناس إفادة بهذه النتائج ، لأنها تعني انسحاب الإخوان من الفعل العام المنغص عليها ، والمؤكد أنه يعني انسحابها من مواجهة استحقاقات حساسة ومهمة يتم الترتيب لها الآن ، لأنه ليس للجماعة مصلحة في مواجهتها ، وإن كان للوطن مصلحة ، ولكن مصلحة الجماعة وفق رؤية العقل السري الانعزالي أهم من أي مصلحة أخرى ، وسوف تتحول الجماعة مرة أخرى إلى "ملف أمني" يتم التعامل معه وفق المعايير الأمنية المحضة ، المدهش أن بعض الأصوات من داخل الجماعة راحت تدافع مبكرا عن هذه الرؤية الانعزالية ، وتقول بأن الجماعة لم تربح شيئا من مشاركتها في العمل العام والتفاعل مع هموم الوطن السياسية ، وأنها خسرت من سمعتها ومن ترابطها وأيضا تعرضت بسبب ذلك لاعتقالات ومحاكمات قاسية ، وعلى الرغم من أن المحاكمات أو الملاحقات الأمنية لم تنقطع عن الجماعة ولا عن غيرها من الجماعات منذ نشأتها ، إلا أن التحديات الأمنية التي تواجه الجماعة في العمل العام أهون كثيرا من تلك التي واجهتها أو تواجهها عندما تدخل في سراديب السرية والفكر الانعزالي العقيم ، والتاريخ خير شاهد ، أما أن الجماعة لم تستفد شيئا من مشاركتها في الشأن العام ، فهذا هراء ، لأنه لولا تلك الجهود الجديدة التي نشطت لها الأجيال الجديدة الإصلاحية التي رأت الانفتاح على المجتمع والمشاركة واقتحام العمل العام ، لما سمع أحد عن الإخوان المسلمين في مصر طوال الأربعين عاما الماضية إلا في صفحات الحوادث كل عدة أسابيع ، فالذي جعل للجماعة اسما طوال هذه الفترة وحضورا على كل الأصعدة الرسمية والشعبية وحتى الدولية هو العمل العام وخروجها من أنفاق السرية بقدر كبير ، وكانت تنجح كلما اقتربت من روح العمل العام ومشاركاته وانفتاحه ، وكانت تفشل وتخسر كثيرا كلما اقترب سلوكها من الآخرين بمنطق الريبة والسرية وترتيب الأمور بليل ، وبدون أي قصد مني للإساءة إلى أحد ، ولكن مجرد تساؤل ضروري يفرض نفسه في هذا السياق ، ما هي قيمة الدكتور محمود عزت وأهميته وحضوره في الشأن المصري أو العربي أو الإسلامي أو الدولي؟ ، الرجل وسيرته مجردا لا يتعدى وصف أمير لخلية دينية سرية ، تتلاقى وتنشط بين البيوت والمزارع والزوايا والمكتبات ، لا أكثر ، ولكن قيمته المضافة هي من قيمة الجماعة التي نشطت في العمل العام وتحالفت مع أحزاب كبرى واقتحمت البرلمان وخاضت معترك النقابات بقوة واخترقت مؤسسات إعلامية حزبية وخاصة وتقاطعت مع هموم الوطن كل الوطن وغير ذلك من وجوه النشاط العام ، هذا هو الذي ميز الإخوان عن أي خلية أو تنظيم ديني سري يشبه تلك الخلايا التي يهيمن عليها الدكتور عزت ويحكم من خلالها قبضته على جسم الجماعة ونخبتها ومفكريها ، والغالبية الساحقة من أعضاء مكتب الإرشاد الجديد من تلك النوعية شديدة التعصب والانغلاق الحزبي ، ولا تطيق فكرة الرأي الآخر أو الجهد الآخر أو الرؤية الأخرى ، وتاريخهم داخل مصر وفي بلاد المهجر شاهد والشهود كثيرون ، وهؤلاء هم الذين سيقودون الجماعة في المرحلة المقبلة ، ولا أتفق أبدا مع من يرى أن هذا التحول يتفق مع توجه المجتمع المصري إلى المحافظة ، أبدا ، المجتمع المصري اليوم يتحول أكثر من أي وقت مضى إلى الانفتاح والبحث عن الحرية والشفافية والعدالة والحوار والمعرفة واقتحام الهم الوطني العام ، والأجيال الجديدة تتجه بأشواقها ومشاعرها إلى هذا الوجهة مدفوعة بامتلاك المجتمع منابر وأدوات للمعرفة والتواصل والحضور والمشاركة لم تكن مألوفة من قبل ، وأخشى أن تكون وجهة الإخوان الجديدة تمضي عكس هذا التيار الوطني العام . [email protected]