أخطر ما تواجهه بلادنا الآن ، ونحن على أعتاب مرحلة شديدة الحساسية من مراحل تاريخها الحديث ، هو تجييش الدولة للأديان السماوية ، من أجل خدمة المهيمنين على " العرش " و " اللابدين " فى الكراسى ، ولتأبيد بقائهم على سدة الحكم لأبد الآبدين ! . فبينما يتبارى فضيلة المفتى وفضيلة شيخ الأزهر ، وغيرهما ، من أركان المؤسسة الدينية الإسلامية ، لمبايعة الرئيس مبارك ، مشددين على ما أسداه للبلاد وللإسلام من خدمات ! ، وما أعطاه للشعب من منح ومزايا ! ، منددين – فى ذات الوقت – بخصومه ، وبالمظاهرات الشعبية التى تعترض على سياساته ، وبقادة حركة ( كفايه ) ومناضليها ، الذين نزلوا بشجاعة إلى عرض الشارع لإعلان رأيهم ، دون أن يهتز جفن أى من الشيخين الجليلين ، أو زملائهما الكرام لإنتهاك أعراض الفتيات من حركة ( كفايه ) ، أو لسحل عناصرها فى الشوارع وحملهم " هيلا بيلا " بين ركلات و " شلاليت " هلافيت الأمن لهم [ وبينهم أساتذة وعلماء أجلاء ومثقفين أفاضل ] !، يسارع – كذلك – ( قداسة ) البابا شنودة ، رأس الكنيسة القبطية المصرية لدخول الحلبة ، فيعلن فى الجرائد ( القومية ) وفى التليفزيون عن مبايعة الأقباط (!) للسيد الرئيس حفظه الله ، لمدة خامسة جديدة ، مشيدا ً بما تحقق فى عهده من ( إنجازات ) ديمقراطية باهرة ! ، ويتهجم على المظاهرات الشعبية أيضا ً ، تهجما ً شديدا ً ، والأكثر دهشة من ذلك أنه يتطوع ، حين يسأله صحفى بأخبار اليوم ، ( 6/8/2005 ) ، عن موقفه من الأستاذ " جورج اسحق " الوطنى المعروف ، ومنسق حركة ( كفايه ) ، فيحرمه من بركاته (!) ، أى أنه وقّع عليه عقاب الطرد من الملة ، بما يعنيه ذلك من مخاطر هائلة عليه وعلى أسرته وأولاده ، وبما – يمثله ذلك من عقاب ضخم ، بغير جريمة ارتكبها الاستاذ المربى الجليل جورج اسحق ، سوى أنه ساهم مع أخوته من المسلمين والأقباط الآخرين ، فى محاولة رفع الأذى عن الشعب ، وإزالة البلاء من فوق كاهل الوطن ، حينما هتف معهم : " لا للتمديد . . . لا للتوريث . . . كفايه " ! ، وهى الصيحة التى كان لها أبلغ الأثر فى تحريك المياة الراكدة فى المجتمع ، ودفع قطاعات عديدة من أبناء الأمة للتحرك طلبا ً للحق والإنصاف ، ومن أجل تأسيس دولة العدل والحرية ! . * * * إن هذا الأمر – بالفعل – يمثل كارثة سياسية ووطنية شديدة الوقع ، فانحياز الممثلين الرسميين للدين ، ( الإسلامى والمسيحى ) ، فى مصر ، لصالح المسئول الأول فى الدولة ، فى معركة الانتخابات ، واندفاعهم لحشد الاتباع من أجل مبايعته لمدة رئاسية جديدة ، هو خروج عن مقتضيات مناصبهم الرفيعة ، التى يفترض فيها النزاهة والرفعة والحيادية والبعد عن المظنة ، فالمؤسسة الدينية الرسمية لها فضاءها الخاص الذى ينبغى أن تحافظ عليه ، وأن تحرص على ألا تُجبر على تجاوزه ، بدفع الدين السامى إلى حلبة السياسة ، بما يكتنفها من صراعات حادة ، وخلافات شديدة ، وتناقضات دامية ، لخدمة أغراض رجل أو فئة اجتماعية أو طبقة سياسية ، ليست بالضرورة هى الأصح أو الأنقى ، وعلى حساب مصالح الأمة والشعب ، كما أن هذا الأمر يضر ضررا ً بالغا ً بقضية الديمقراطية ذاتها ، التى تعانى من " ولادة متعسرة " فى بلادنا ! . ثم ماذا يعود على المنتمين إلى المؤسستين الدينيتين الرفيعتين القدر ، إن فاز أحد منافسى الرئيس مبارك ( مثلا ً يعنى ) بالرئاسة ، وعمد إلى مخاصمتهم ومؤسساتهم ، بسبب انحيازهم – غير المبرر – لمنافسه السابق ؟! ، وبالأساس ما الذى تستفيده المؤسسة الدينية من الدفاع عن عهد مليء بالفساد والاحباط والسرقات والمساخر ، يثقل كاهل الأمة ، ويثير الإحباط والبائس فى النفوس ، ويتمنى الجميع – فعلا ً – لو رحل الآن الآن قبل الغد ! . * * * " أفضل الجهاد قولة حق فى وجه سلطان جائر ً ، هكذا علمتنا الأديان السامية وممثليها العظماء . . فإذا جاء وقت أصبح فيه َهَّم رموز الأديان منافقة الحاكم ، ومبايعة السلطان ، وجب علينا أن نقول : " لكم دينكم . . ولى دين " ! " . أحمد بهاء الدين شعبان [email protected]