دأبَ المتحدثون من المثقفين والإعلاميين، وكثيرٌ من المسئولين على الدعوة إلى تجديد الخِطاب الديني، وقبل الخَوضِ في الحديث عن الخطاب الديني يجب التَعرف على الفرق بين كلمة تجديد، وكلمة جديد. فكلمة تجديد تعني تحديث ما هو قديم بالتعديل والترميم والتقويم، أما كلمة جديد فهي تعني حديث مُبتكر لا علاقة له بسابقه، وإنما له علاقة بالواقع ومتغيرات العصر الحديث، مع الحفاظ على الأسس الراسخة، والمبادئ الجوهرية العامة ذات الصلة. وتجديد الخطاب الديني يتعارض مع مدلوله ومفهومه الصحيح، فالخطاب الديني له مَصْدران أساسيان: أما المصدر الأول وهو أساس الخطاب الديني ما جاء في القرآن الكريم، والسنة المطهرة، من عبادات ومعاملات وأحكام شرعية متنوعة ومتكاملة، وهو مصدر غير قابل للتجديد أو التحديث لأنه دستور إلهي متكامل، ونسيج سماوي مترابط، صالح لكل زمان ومكان. أما المصدر الثاني فهو مُجْمَل آراء التابعين وتابع التابعين من الفقهاء والعلماء الراسخين في العلم، والمجتهدين المُخْلِصين، وعامة المتحدثين العارفين بما يستجد من أمور تتعلق بمتغيرات الحياة العصرية، ومدى توافقها أو تباينها مع آراء السابقين من العلماء والفقهاء والأئمة. والخطاب الديني في العصور السابقة لا يجوز تجديده أو الوقوف عنده للتقويم والتعديل، لأنه يتناسب مع كل عصر من تلك العصور، ويتكيف مع ظروف الحياة الاجتماعية، والضرورات الاقتصادية، وأدوات كل عصر، كما يلبي حاجات الناس بسهولة ويسر، ويتوافق مع العادات والتقاليد السائدة في تلك العصور، ويناسب الثقافات المختلفة من مكانٍ إلى مكان، ومن زمانٍ إلى زمان. كما أن الخطاب الديني في تلك العصور هو تراث الأمة الزاخر بالمعارف والعلوم التي يجب الحفاظ عليها، وتقديرها والاعتزاز بها. وإذا أردنا التحدث عن الخطاب الديني في العصر الحديث ينبغي علينا أن ندعوا إلى صياغة خطاب ديني جديد ومُتَجَدد، يحافظ على أصول الدين الشرعية، وقيمه الروحية، ويعزز المبادئ الأخلاقية، ويتناسب مع أدوات العصر العلمية والتكنولوجية، ويتوافق مع متغيراته الثقافية والإعلامية والفنية، ومستجداته الفكرية، كما يتناسب مع الحياة العملية العصرية، ومتطلباتها الاقتصادية. وتُعَد خُطْبَة الجمعة واحدة من أهم أنماط الخطاب الديني المتميز، فهي جزء رئيس من فريضة صلاة الجمعة التي لا تتم بدونها، وصلاة الجمعة من أهم العبادات في الإسلام، والعبادات ضرورة لتقويم المعاملات، وتهذيب التعاملات بين الناس، وهدايتهم إلى ما ينفعهم في حياتهم، ويُصْلِح أحوالهم في دينهم ودنياهم، ويُؤَمِن مستقبلهم نحو حياة أفضل. وكما جاء في صحيح البخاري عن قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه "حَدِثوا الناسَ بما يَعرِفون، أتريدونَ أن يُكذَّبَ اللهَ ورسولَه". د. بلال محمد علي ماهر أستاذ جامعي