سنظل فى ذكرى ميلاده (10/1938م) وذكرى وفاته(7/2008م) نذكره ونتذكر ما فعله بنا ولنا.. وكلما زادت سنوات بعاده عنا بالموت زدنا له عرفانًا وحبًا ووفاءً.. مازلت إلى الآن أذكر الليلة، التى دخلت فيها منزلى ليخبرونى أن د.عبد الوهاب المسيرى اتصل بك ويطلب منك الاتصال به قبل ظهر الغد.. وما كان لمثلى أن ينتظر ضحى الغد فأخذت الرقم الذى تركه وطلبته فى الحال.. وبدأت صداقة من أجمل وأزهى وأكرم الصداقات.. كان تلاميذه كثر لكن تلاميذه الأصدقاء كانوا قليلين.. الجميل أن صداقات تلاميذه اكتسبت فى حياته وبعد انتقاله عبقًا خاصًا ينضح بعطر المسيرى. كنا فى ندوة بالمركز الثقافى باتحاد الأطباء العرب احتفالا بحصوله على جائزة الدولة التقديرية ودعوت صديقنا د.عمار على حسن.. ولم تكن بينهما سابق معرفة.. وإذا بعمار يلقى كلمة من أعمق وأرق الكلمات، التى قيلت فى هذه الليلة متحدثًا عن المسيرى المثقف الموسوعى والمفكر الدءوب والرائد الحنون.. وكان تأثره بكلمات عمار كبيرًا.. وتعددت لقاءاتنا فى منزله وكان يعرب لى كثيرًا عن ندمه لتأخره فى معرفة عمار والتواصل معه.. وكان يقدره كثيرًا كأهم باحث فى الاجتماع السياسى، وهو كذلك بالفعل.. تقدير المسيرى لمن حوله كان يعكس أستاذية حانية عطوفة لا تلك الأستاذية الصماء، التى تجدها عند كثير من المفكرين والمثقفين.. ووصف (عبقرى) كان أقل وصف يصف به تلميذ أو تلميذة من تلاميذه.. الأفكار الغافية التى أيقظها فينا المسيرى كثيرة بعضها تلقيناها منه مباشرة من خلال لقاءات الصالون وبعضها من خلال ما تركه لنا فى كتبه وأسفاره.. على رأس هذه الأفكار النظر إلى إسرائيل وإلى اليهودية كدين وقومية فى آن واحد.. هذه الأفكار مهمة للغاية فى تحديد إستراتيجية النظر والتعامل مع هذا الكيان الإحلالى العنصرى.. وقصة التعامل مع إسرائيل أكثر عمقا من الالتزام بالمعاهدات الدولية كم يصرح السياسيون.. فإسرائيل فى حقيقة الأمر تأخذ طريقها إلى الزوال بخطى متسارعة وذلك من خلال تكوينها الذاتى المركب على نحو غير قابل للتركيب وأيضًا من خلال نزع فتيل الإحساس بالخطر والتهديد.. (الحرب) على إسرائيل من خلال إغراقها فى بحيرة (السلام الإقليمى)..أكثر فاعلية من خلال (الحرب) عليها بالقتال.. لكن ذلك يستوجب الحذر التام من تقبل إسرائيل على كل المستويات فإسرائيل، كما يقول المسيرى، (هى رأس الحربة للثقافة الغربية المتمثلة فى نشر(القيم الفردية) التى تبحث عن اللذة والمتع الدائمة، والتى تجعل الإنسان (مرجعية ذاته)، والتى هى فى نهاية الأمر(عبادة الشيطان).. تذكروا الآية 60و61 فى سورة يس(ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين * وأن اعبدونى هذا صراط مستقيم) عبادة الشيطان ليست بتلك الطقوس المثيرة، التى يصورها الإعلام السطحى.. (عبادة الشيطان) بمرجعية القرآن ثم بتلك الإشراقات لمفكرين من أمثال المسيرى هى مرجعية الإنسان لذاته وتمركزه حولها فى لهاثه نحو المتع واللذات التى لا تنقطع.. ولا ترتوى. وأنا بكل التقدير والاحترام أرجو من كل من يتعرض (للشأن السياسى) أن يكون مستوعبًا استيعابًا تامًا (لمنهج النظر) الذى أرساه المسيرى فى مسألة اليهود واليهودية والصهيونية.. وأزيد من الشعر بيتًا وأدعو كل من يمارس(السياسة) أن يكون على وعى فكرى ومعرفى جيد.. فالوقوف على ثقافة (اتحاد الطلبة) مع بعض(الإيقاعات الحركية) و(الطقطقة الإعلامية) لا تصنع فى حقيقة الأمر ساسة عظام يصنعون التاريخ.. ولعل ذلك ما دفع المسيرى لأن يقف خلف عدد من الشباب الذين عشقوا فى السياسة بعض (مظاهرها).. فساندهم ودفعهم للأمام ووقف ظهيرًا لتجربتهم على أمل أن ينطلقوا هم فى (ممارسة) السياسة بعمق معرفى وتاريخى مقبول.. لكنهم للأسف ظلوا على(جدبهم) مع قدر مثير من الجرأة والتبجح والطنطنة.. والتى هى عمليًا كل رأسمالهم للاستمرار والاستمرار فقط! أحد الكتاب الأمريكيين قابل ماوتسى تنج الزعيم الصينى فوصفه بأنه مزيج من(سياسى ومفكر إستراتيحى وفيلسوف وشاعر جيد وقارئ نهم).. وكذلك كان الأفغانى والبنا والنحاس وأحمد حسين وفتحى رضوان.. كان المسيرى يذكرنا دائمًا بأهمية وضرورة استكمال المقدرة على الحوار مع الذات ومع الآخر.. على أن يكون (البعد المعرفى) قائمًا وموجودا وبشكل راسخ.. مع إدراك واعى للثوابت الإسلامية ومعرفة بالحداثة الغربية ومزاياها ونقائصها.. (الظاهرة الإنسانية) أحد الأفكار الغافية التى أيقظها فينا المسيرى وكثيرا ما تحدث عنها وعن مدى تركيبتها ناسبًا الفضل فى هذه الفتح الفكرى إلى العلامة على عزت بيجوفيتش، الذى عرفته وأحببته من خلال حب المسيرى له، بل إن المسيرى مدين له_على قوله_بتحوله من ضيق المادية إلى رحابة الإنسانية والإيمان من خلال كتابه (الإسلام بين الشرق والغرب). ولعل (النماذج التفسيرية) ذات المرجعية الإسلامية الصامتة - كما كان يقول- هى أحد تجليات الفهم العميق لكتاب بيجوفيتش.. مات المسيرى تاركًا لنا هذا الميراث الضخم من (المعرفة) الجديرة بأن تعلق على أستار الزمان.. وكثير من الذكريات الودودة، التى تسرى فينا سرى النسيم الرحيب.