الرئيس الأمريكى إبراهام لنكولن هو أشهر رؤساء دول الغرب محاربة للعبودية وسعيًا لتحرير العبيد، وتنديده بالطبقة المالكة للعبيد فاتهمه خصومه بمحاباة الزنوج والعداء لاسترقاق الرقاب، واستجابت له ولايات الشمال فيما رفضت ولايات الجنوب وتمسكت بكل نصوص وهوان العبودية، خاصة بعد قرار منع استيرادهم من إفريقيا. وبعد نشاط كبير له فى الحزب الجمهورى ترشح لانتخابات الرئاسة عام 1860 وفاز بها، لكنه لم يحصل على أصوات مؤيدة فى ولايات الجنوب رغم مناهضته للعبودية، والكثير من الساسة ورجال الإعلام وكبارات المجتمع هدّدوا بالانفصال فى حال فوزه، وانحازت الصحافة بسبب مصالحها إلى العبودية وأخذت تناهض الحرية والدعوة إلى المساواة. وفى سبتمبر 1863 خلد لنكولن اسمه فى التاريخ البشرى بإصدار "إعلان التحرير"، الذى قضى بمنع الرق فى بعض الولايات، وكان يطمح إلى اجتذاب العبيد للتحرّر من قبضة الملاك، إلا أن هناك شريحةً من السود كانوا من ضمن معارضيه فى دعوته لإنهاء العبودية، وبعضهم قاتل مع البيض ليبقى عبداً إلى الأبد، وفى إبريل عام 1865 أطلق أحدهم عليه النار وهو يشاهد عرضاً مسرحياً فأرداه قتيلاً. اليوم يعتبره الجميع من أعظم الرؤساء فى التاريخ الأمريكى، ويجمع الجمهوريون والديمقراطيون على اعتباره المؤسس الثانى للولايات المتحدة، وصنعوا له تمثالاً أمام الكونجرس، نقشت فى قاعدته كلمات من خطبه التاريخية، ويعتبره الرئيس الزنجى باراك أوباما قدوته الكبرى. هذه القصة التاريخية تذكرنى بما نراه الآن وما تمر به مصر، فقامت ثورة صنعها أطهار الشعب وانحنى أمامها العالم لتطيح بنظام فاسد ظالم يهوى التفرقة والرق والفساد والإفساد حتى حل الظلم فى البر والبحر، وأصبح أمامنا لنكولن جديد تمثل فى عدة مرشحين للرئاسة، فهرول المنتفعون ورافضو الحرية نحو من يحلل الرق ويستبيح الدماء والرقاب، وفى الإعادة تم اختصار المرشحين إلى مرشح للثورة ومرشح للثورة المضادة. وإعمالاً بمبدأ التاريخ يعيد نفسه نجد الكثير من الساسة ورجالات الصحافة والإعلام وكبار المجتمع يميلون لمرشح رئاسى هدفه كبت الحريات وبناء دولة جديدة من الفساد قائمة على أطلال بقية المفسدين واسترجاع الذكريات والأيام الخوالى مع مبارك ورفاقه، وإن لم يكن هذا ليس جديداً على المنتفعين من نظام المخلوع إلا أنه مفاجأة بالنسبة لطوائف متوسطة المستوى ومن فقراء شعب ذاق مرارة المرض وويلات البطالة وانكوى بغلاء الأسعار وإهانة الكرامة فى الشوارع والأقسام، ولعق سواد التفرقة بين مؤيد للنظام ومعارض له، فنجد من هذا الشعب من ينادى بعودة مبارك ويقولها بملء فيه "شفييييييق"، وكأن هذا الشفيق سقط علينا من السماء منجدا ومخلصاً بأمر من الله محمولاً على جناحى جبريل، فلم يلحظ أحدهم "دوخة الترامادول وغيابة العقل" التى تهز رأسه يميناً وشمالاً عند الحديث مع عمرو أديب ومنى الشاذلى ومعتز الدمرداش، ولم يستذكر أحدهم التاريخ أو يلقى نظرة على "سى فى" المفسدين. هؤلاء مثل الزنوج الذين رفضوا لنكولن، فكلاهما ينقصه الوعى والبصيرة التاريخية، فهم عاشوا عبيداً ولا يسوءهم أن يورّثوا لأبنائهم العبودية والقيود، ومنهم فقراء معدمون، وبعضهم عاش آباؤهم خدماً حتى هرموا، ومنهم من لا يجيد صنعةً ولا يحسن الاعتماد على النفس، ومنهم من يؤمن بأنه لو خرج من بيت سيده لجاع وضاع فى زحمة الحياة. إن نجح مرشح الثورة الدكتور محمد مرسى فى جولة الإعادة ربما يلتف الشعب المصرى حوله وتخطو البلاد خطوات نحو الديمقراطية، وإن تآمروا عليه العبيد فسيواجه اتهامات وانقلابات وتكالبات من المنتفعين والمرتشين والفاسدين والمأجورين، ربما تكون سببًا فى رحيله عن الحياة السياسية؛ لكن التاريخ مستقبلاً سينصفه، كما أنصف لينكولن، وإن نجح "مبارك2" سيذكر التاريخ أيضاً أننا شعب رفض الحرية وأبى أن يكون سيد قراره فعاد للخلف ليقع فى بئر الظلام، وأننا بحق ننتمى لفئة الزنوج الأفارقة الذين رفضوا فرص التحرر، التى وفرها لهم لنكولن، وراودت أخيلتهم بيوت أسيادهم، التى تربوا فيها، أما الحر فى هذا البلد حتماً وقتها سيرحل، والعبد يقيناً سيفرح بقيد كبل أقدام والداه وأجداده. [email protected]