كان يوما طويلا وباهتا وحزينا بدءا وختاما، فأجأنا المذياع صباحا ونحن في الطريق بوقوع تفجير في طنطا، وصلنا العمل بنفس مرهقة، ودموع متحجرة، وأنفاس مكتومة، لم نعهد أن تتحول ساحة الجهاد من العدو الصائل إلى العابدين في صلواتهم وبيعهم. كل شيء يتحرك محملا بلفحات من الغم المكظوم، ما لك يا وطن! ما الذي أرهق أمنك، وحير قلبك، وقتل ولدك... من الذي أقنع محمدًا المهندس أن يقتل محمدًا المجند في خدمته ويوسف المصلي في كنيسته، وهما ابنا خالة وجاران، لعبوا سويا، وشبوا سويا، وتسامروا الآمال على جسور الهم، ربما استراحوا في قسوة الأيام وعضة الحرمان، وخرج كل منهما في طريق، فالتقيا عبد الله القاتل والمقتول! حدثني عن الحرية، أحدثك عن الحب! اعطني نايا لأغني وستشدوا معي بلابل النيل وهازجاته السعدية ونوارسه وثرثارات أهازيجه الفرعونية والقبطية والإسلامية.. إنها الحرية والحب يا سيدي! ماتا فمات كل شيء، فابحث عن القاتل الحقيقي في المصارف الكبرى والمكاتب المكيفة، أنيقة زينتها، عتيق أثاثها، بديع منظرها، لكنها تشتمل على نفوس جشعة، وقلوب فاسدة، ووطنية معوجة، دينها طاغوت الأنانية. كان يوما شاقا خرجنا مع العمل متأخرين كعادتنا، ولكن اليوم كان خروجنا بعد الثامنة مساء. أسلمت قدمي للطريق، وإذا بالهاتف يدق، معي فلان؟ نعم. أنا هو. أريدك في أمر خطير، يا شيخ. ماذا؟ عافاك الله! أين أنت؟ أنا في طريقي إلى البيت، أخذ العنوان.. وقال مسرعا: سأكون عندك فورا.. حدثني أحد زملائي أنك تستطيع أن تجد لي حلا مما أنا فيه... بعد نحو ساعة كانت سيارة فارهة تقف في الشارع حيث أسكن.. اتصل الشاب، وصعد إلى .. شاب في مقتبل العمر معه فتاة في مثل سنه؛ بدا مفجوعا بائسا رغم مظاهر الثراء.. أنا في مصيبة كبيرة .. أنا وهذه الفتاة.. تربينا سويا في شارع واحد، أحببتها وأحبتني صغيرين.. أنهينا التعليم الجامعي معا، وتواعدنا على الزواج.. أبي رجل ثري وقادر، وأنا أعمل في شركته، وأبوها له منصب مهم. ما المشكلة إذا؟ سألت متحيرا! فأجاب: أبوها أرغمها على الزواج من شاب من عائلة نافذة ووالده رجل مهم.. لقد كانت ليلة الناس النافذين والمهمين!! ولكن الحياة استحالت بينهما، ولم تنقطع العلاقة بيننا، وطلقت ولكن والدها يصر على منعها من الزواج مني، لأن علاقتنا كانت السبب في فساد الزيجة الأولى، خاصة لعلم أقاربنا بقصتنا من قبل ومن بعد.. ونحن الآن متزوجان عرفيا.. وهي تعتقد أن ما نفعله زنا! قلت: هو زنا! ولكن أصدقائي وأصدقاؤها يعلمون؟ قلت: هو زنا، وإن كانوا يعلمون! فهم ليسوا بشهود عدول، ولم يعلموا بأنكم تزوجتم، ولكن يعلمون أنكم تخادنتم بورقة بينكما! من الواضح أن الإشكالية ليست في حكم الزواج العرفي، وليست في عدم استقامة أولادنا، فالحب عاطفة تتولد اليوم في بيئات كثيرة منها الدراسة والزمالة والعمل وغيرها، في ظل انفتاح عولمي واسع.. وإنما الإشكال في عائلات محترمة، لا ينقصها المال ولا العلم ولا المنصب، تصر على منع بناتها من زواج الأكفاء رغبة في تقوية أواصر النفوذ، ومد حبال الجاه والسلطان، ولو على حساب سعادة أولادهم.. والواجب على كل والد أن يعلم أنه وإن كانت ولايته شرط صحة في عقد الزواج، إذ لا نكاح إلا بولي، فإن الله حرم عليه جبر ابنته على من لا ترتضيه، وقد جاءت فتاة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إن أبي زوجني ابن أخيه ليرفع بي خسيسته. فجعل رسول الله الأمر إليها. فقالت: قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن تعلم النساء أن ليس إلى الآباء من الأمر شيء. (ابن ماجة، وصحح إسناده في الزوائد) وفي رواية عبد الرازق: أنها قالت: إن أبي زوجني ابن أخ له يرفع خسيسته بي ولم يستأمرني، فهل لي في نفسي من أمر؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "نعم"، فقالت: ما كنت لأرد على أبي شيئا صنعه، ولكن أحببت أن يعلم النساء ألهن في أنفسهن أمر أم لا! ولكن هذه المرأة التي ما كانت لترد أمر أبيها ماتت مع عصر الانفتاح، وحرية الاختلاط باسم التقدم، وفيض المشاعر الجارف الذي يخترق كافة الفضاءات الحقيقية والافتراضية، في ظل قسوة الواقع، وجفائه، وشغل الوالدين بالعمل والكد أو بالحياة والجاه والسلطان. وبغض النظر عن صحة فعل الأب وولايته على الصغيرة من حيث النظر الفقهي المحض، فلا يجوز للوالد أن يجبر ابنته على زيجة لا ترتضيها، ولا يجوز أن يمنعها من الزواج بالكفء من الرجال لعلة أن الكفء ليس أحد بشوات الزمن الذي نعيش فيه، ما دام مستور الحال، صالح العائلة، غير معروف بفسق أو كبيرة. وقد جرى شيء من هذه الأنفة الجاهلية في عصر النبي، ولكن في صورة أخرى تتصل قصتها بمعقل بن يسار رضي الله عنه، كانت له أخت جميلة يخطبها الناس ويمنعها هو.. حتى خطبها ابن عم له فزوجها منه، فاصطحبا ما شاء الله، ثم إنه طلقها طلاقا له رجعة، ثم تركها حتى انقضت عدتها. ولما خرجت من العدة، جاء الناس يخطبونها، فخطبها طليقها مع الخطاب! فقال له معقل: خطبت إلي فمنعتها الناس، فآثرتك بها، ثم طلقت طلاقا لك فيه رجعة، فلما خطبت إلي آتيتني تخطبها مع الخطاب! والله لا أنكحكها أبدا. وهنا نزل قول الله تعالى: "وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف" (القرآن، 2: 232). هنا ينهى القرآن الولي عن منع أخته أو ابنته من الزواج ممن ترغب فيه، ولا ريب أن التراضي الحاصل بين المطلقة وطليقها في هذا المثال إنما حصل بعد الفرقة وخروجها من العدة، وإلا لو حصل في العدة لحدثت الرجعة دون حاجة لعقد جديد، أي أن رغبة المرأة معتبرة ابتداءً في الحديث السابق، ومعتبرة انتهاء ولو بعد طلاق رجعي، ومن المفهوم أيضا أن التراضي الحاصل بين هذه الصحابية الجليلة وزوجها السابق إنما حصل لرغبة جمعت بينهما، هي ما يسميه الناس "الحب"، وهل نزل القرآن إلا ليهدي إلى الحب الأكبر، الذي منه تولد كل حب "قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله" .. فاتقوا الله في بناتكم، وارحموهم من آلام الزنا في الزنا وعذابه في الآخرة، وساعدوهم على الحلال، وجنبوهم الحرام، ولا تعودوا إلى الجاهلية الأولى، تتصرفون في المرأة تصرفكم في الشقة والسيارة، فتتزوجوهن للجاه وتتركوهن كالقطع المتحفية، وتنكحون بناتكم وأخواتكم للدنيا ولو أشقيتموهن.. ليتيقن كل ولي أن الزواج سنة المرسلين، وفطرة الأسوياء الصالحين، فمن منع ابنته أو أخته الحلال جلب على نفسه غضب الله، وكان له من وزر الزنا والخنا الحرام النصيب الأوفى، وبئس النصيب، "وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم".. وإذا كان الدال على الخير كفاعله، فإن الذي يحول بين الناس وبين الخير شيطان أثيم.. يعسر الحلال ويضيق مسالكه، وييسر الحرام وهل بعد هذا الإثم عار! فليتق امرؤ ربه ولا يدع أحلام أبنائه وبناته تذهب أدراج الرياح، فإن للعواطف ثورة ولحكمها سلطان، فاطفئوا نيران الفتنة بماء السكينة، وأغلقوا أبواب الثورة بفيوض المودة والرحمة، ولا تتركوا أحلام أولادكم في مهب الريح واستنقذوا قلوبهم المكلومة من عواصف المعصية! د. محمد فوزي عبد الحي جامعة الأزهر الشريف [email protected]