بعض القوى السياسية ومن بينها إسلاميون، طالبوا بكتابة الدستور بعد انتخابات الرئاسة!، وربما تكون الدعوى من منطلق الخوف من تأجيل الانتخابات، وإطالة الفترة الانتقالية، وبقاء الجيش فى السلطة إلى أجل غير مسمى. وفى تقديرى أن هذه "مبالغة"، وربما تُخفى ما هو أكبر، إذ تظل مصر من الدول الثرية ب"تراث دستورى" كبير ومتواصل، به من الإبداعات ما يؤهله؛ ليكون نواة لأى دستور جديد "معدل".. ويساعد أيضًا على اختصار فترة كتابته وعلى نحو يحدد صلاحيات الرئيس على أقل تقدير قبل انتخابه. أنا لا أتصور مطلقًا أن ندلى بأصواتنا لرئيس لا نعرف صلاحياته وسلطاته؛ خاصة أن غالبية المرشحين، لا يملكون "مشاريع" ترقى إلى مرتبة "الوثوق" بها، لا من حيث "الجدية"، ولا من حيث "الفحوى"؛ إذ تظل محض خطاب دعائى يعتمد على "الأفيهات" والأفكار "المعلبة"، وبلغة إنشائية خالية من التفاصيل التى تعتمد على أسانيد علمية تحترم عقل الرأى العام من جهة، أو تحظى باحترام المتخصصين من جهة أخرى. انتخاب رئيس قبل "الدستور" قد يفضى فعلاً إلى تنصيب "فرعون" جديد على رأس البلاد.. وعلى نحو يعزز من احتمال تعليق كتابته إلى أجل غير مسمى، فغيابه يعتبر فى مصلحة "الرئيس" من جهة .. والمجلس العسكرى من جهة أخرى.. إذ تظل يدا الأول والثانى أيضًا طليقتين بدون أية قيود دستورية على أدائهما السياسى.. ومن المحتمل أن يتفق الاثنان معًا علينا فى نهاية المطاف.. فما الذى يمنع؟! كتابة الدستور ليس رهن "الوقت" ولا "النصوص" المفترضة.. وإنما رهن إرادة النخبة المنقسمة حتى الآن بشأنه.. وكلما تجاوزوا عقبة عمدوا إلى وضع عقبات أخرى، فيما يشبه "التعمد" مع سبق الإصرار على زرع العبوات الناسفة فى طريق إنجازه وقبل الانتخابات الرئاسية. من يومين اتفقت القوى السياسية على تشكيلة "التأسيسية" وفقًا لحكم القضاء الإدارى، التى ستأتى كلها من شخصيات غير برلمانية.. وهى العقبة التى بدت فى الأيام الماضية هى الأكبر والأخطر.. غير أنه بتجاوزها زرعوا على جانبى الطريق لغم "التصويت" على المواد الدستورية.. وهى العقبة التى جددت الانقسام بشكل أعنف ورُدوا بانقسامهم لم ينالوا خيرًا. خرج المجلس العسكرى منتصرًا من معركة "التأسيسية"، وألقى بالكرة فى ملعب القوى الوطنية، ولتبدوا أمام الرأى العام هى "المعوق" للتحول الديمقراطى.. بعكس المؤسسة العسكرية التى بدت فى الصورة هى الأكثر حرصًا على "التوافق" بشأن الدستور وإنجازه قبل الانتخابات!.. وفى مشهد يضع النخبة المصرية على تنوعها واتساعها فى صورة "الجاهل" السياسى، بعد أن تورطوا فى الضغط على "العسكرى" لتعديل قانون الانتخابات البرلمانية "المقاعد والفردى" ومن بعده قانون "العزل" والمتهمين ب"العوار الدستورى".. ما يهدد البرلمان من جهة والانتخابات الرئاسية من جهة أخرى بالحل والإلغاء والعودة بالبلاد إلى المربع "صفر"! الأزمة فى مصر إذن هى أزمة ضمير.. قبل أن تكون أزمة اجتهادات سياسية خالصة، تحتمل الصواب أو الخطأ. [email protected]