شهر رمضان ضيف مبارك على الجملة والتفصيل.. مبارك على الفرد والجماعة.. مبارك على الناس والحيوان .. بل على الجماد.. يجتمع الجميع على النيل من خيراته، الفرد والجماعة، والإنسان والحيوان، بل إن الجماد ليحظى بكثير من الاهتمام رعاية لنظافته، وتهذيبه في رمضان.. ورمضان في جملته واحد بوحدانية روحه عقيدة وشريعة وأمة.. واحد طبيعته وطبائعه.. لا يختار لسكناه بيتا من لبن أو حجر، ولا يقتصر على أرض ذات ماء وشجر أو ذات صخر ومدر.. وإنما يلج أرواحا ظامئة إلى ملئها بنور اليقين، بنور العزيمة، فيمكن منها الخشية بتمكين الطاعة، فيستقر فيها الخير باستقرار رسالة الصيام وأدبه فيها.. كما يخترق مذاق حاجاته النفوس جميعا؛ فإذا هي نفس واحدة وإن تعددت، وروح واحدة وإن تقسمت، ويتلبس القلوب جميعها فإذا هي قلب واحب غشيته سحائب الحب وأريحية الإحسان.. ورمضان شهر عصي على الجغرافيا المتحولة وعلى التفرقة المبتذلة.. فهو يسكن البيوت الفقيرة والقصورة المنيفة، ويصل بغايته من نفوس الملوك إلى ما يصل إليه من نفوس العامة؛؛ فكأنما هو نبي مبين بغير لسان، ورسول مبلغ بغير كتاب. وطبيب حاذق بغير جراحة. وهو أستاذ بارع لا في تربية الجماعة فحسب، بل في تشييد بنائها ورفع عمادها وسبك لبناتها.. ولذا كانت روح رمضان هي روح الجماعة ورسالته هي الوحدة، ستأنس إليهما في اجتماع الناس على موائد رمضان، ودروس العلم، وحلقات الذكر، وسهرات الشعر، وملتقيات الفكر، واجتماع الأصحاب والأهل على الطعام، واجتماع الجميع في صلاة التراويح واستراحتهم إلى الاعتكاف والتهجد.. أليس هو صحوة من غفلة، ونهار من ليل، وإحياء من موت، ونشاط من عقال!! في رمضان تنصهر الأسر المتفرقة لتعود متحدة بروح الوحدانية الساكنة فيه، تجتمع وحداتها المتفرقة في وحدة القرب الرمضانية، ولطافة الصوم الربانية، ولذة الأوبة الروحية، فكأنما جرى تفرقها بفراقها رمضان فاجتمع المتفرق منها باجتماعه وتقارب المتباعد منها بقربه، فتجاذب الناس فيه إلى بعضهم البعض بجاذبية الوحدانية في الجوع والعطش، واستنهاض روح المراقبة والوجل، تتلاقي لذاتهم في وحدة الزمان إفطارا وسحورا، وصلاة وقياما، ووحدة أرواحهم في السرور بالطاعة والجماعة، والحرص على البر والصلة من الكل للكل.. قلب رمضان موازين الفردانية الطاغية وأطفا في "الأنا" نيران الأنانية، فجعل الممسكَ سخيا، والقصيَ دنيا، والأبي وليا، فإذا المتخاصمان يتعانقان، والمتشاحنان يتصالحان، والمتفرقان يجتمعان، أليس قد نزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان؟ وإذا كانت حقيقة الحقائق الاجتماعية في عالم الإنسان أن لا قيام للحضارات الإنسانية إلا بجماعة الإنسان المتعانقة في سمو إنسانيتها، المتحدة في أهدافها، ولا تقدم لأفرادها إلا بالبيئات الإنسانية الجمعية الحاضنة، التي تستضيء بنور الصيام، فتنهض بعد الفرقة إلى الاجتماع، وتستبين منارات الحق في بذل النصح والعمل بعد الشرود والضياع، وتتقدم بقوة الدافع إلى فرحة الإنجاز— فهل رأيت أمة متفرقة قامت بعد نكستها، أو نهضت بعد غفلتها؟؟.. إن درس رمضان العظيم يكمن في استجماع روح الوحدة وجماعة الأمة ومصالحة الكل للكل وعفو الجميع عن الجميع.. ولعل هذا أحوج ما نكون إليه اليوم.. فهل من مجيب؟!