يتجلى سمو الدين الإسلامي في صناعة بدايات الإصلاح الجديدة كل صباح ومساء، بل خمس مرات في كل يوم مع كل صلاة، لتأخذ بيد المتقاعسين، وتدفع روح المنهزمين.. فلا زالت هناك على الدوام فرصة مواتية لبداية جديدة تمحو بها آثار الجهالة، وصفحة جديدة تزيل بها رواسب الماضي العفن، وإشراقة جديدة تنير ظلمات النفس والحياة مما لحق بها من آثار الازورار عن سبيل الحق، والميل عن سنة الرسول، والبعد عن هدي الأمة.. ففي كل أسبوع تأتي صلاة الجمعة لتصنع بداية جديدة، ثم تأتي الزكوات بأنواعها موزعة على فصول الحصاد في الزراعات ومرور العام في زكاة التجارة والاستثمار والحيوان، وكأنها تذكرة فصلية لروح المؤمن وفكره ليصنع بدايته من جديد، ويقوّم طريقه مرة أخرى، ويعالج أخطاءه مرارا وتكرارا. والآن وقد وافانا ظرف الإصلاح الأكبر: شهر رمضان،فصل التحولات الكبرى في تاريخ الأمة، حيث بدأت مسيرة الإصلاح والتغيير عقيدة وفكرا ونظاما بنزول قاموسها وهاديها "القرآن"، فهو الزمن الذي شهدبدرًاليعلن أول تحول واقعي للإسلام من فكرة الوحدانية إلى واقع الدولة، وشهد فتح مكة ليعلن تحول الجزيرة من ظلمة الضلالة إلى نور الهداية، ومن دولة السادة والعبيد إلى دولة المساواة والتوحيد، ومن حكومة القلة إلى حكومة الشعب، ومن سجن الوثن إلى حرية الإنسانية.. ولرمضان مكانة عظيمة في منظومة الإسلام باعتباره الركن الرابع من منظومة الإصلاح الإسلامية، ويمثل 1/12 من عمر الإنسان، فترة زمنية تربوية تمنح فرصة فسيحة لكل راغب في بداية جديدة وإصلاح جديد، وإذا كانت غاية الإصلاح في الإسلام تستخدم تعبير المغفرة ومن ثم الجنة، فإن نيل المغفرة والفوز بالجنة إنما هو تعبير ديني عن إصطلاح واقعي أوثق بحياتنا وألصق بعالمنا ألا وهو صناعة الحياة.فرمضان هو رمضان، دفقة إصلاح، وطاقة عطاء؛ وطريق تغيير، فهو شهر الروح بنهاره الظاميء، وليله الذاكر، وطعمته الشاعرة، وسحوره الرقراق، وأنفاسه العطرة، ومساجده العامرة، وصدقاته المتناثرة، ودموعه الحارة بين يدي الله، يأتي بفيوضاته الجمة ومشاعره الصادقة ليصنع بداية حولية جديدة مع حياة كل مؤمن وخطة عمل كل مصلح، وهو شهر الإصلاح؛ إصلاح النفس بالإرادة، وإصلاح الغير بالقدوة— إصلاح الفقراء بالإحسان، وإصلاح الأغنياء بالحرمان—إصلاح الأقوياء بالضعف، وإصلاح الضعفاء بالمواساة. وإذا كانت الجنة أرقى أنواع الحيوات التي يتطلع إليها بنو البشر من المؤمنين فإن عليهم أولا أن يبرهنوا على حبهم للحياة بصناعتها هنا في هذا العالم في أروع صورها وأبهى أنواعها المستطاعة حيث يسود العدل، وتعلو راية الإصلاح، وتنتصر روح الجماعة على أنانية الفرد، وخدمة الأمة على عنجهية الأنا. يعمل رمضان في صمت بتعاليمه - وهو وحي حي في صمته من الوحي الناطق على ألباب قلوب الموحدين – يسري بروحه إلى كل روح، وبخشوعه إلى أعتاب كل سادر، وبذكره وقرآنه إلى فؤاد كل آبق، وبجوعه الطواعي إلى باب كل فقير، وبظمئه إلى كل نفس ظامئة، ليعود بأمة الوحدانية إلى الوحدة، وبغفلة الفناء إلى يقظة الخلود، وبخرافة التسلط إلى رفق التآخي. يدرب رمضان ألوية العصيان على الطاعة، ودروب الإباق على الخشوع، وأنفس الشاردين على الألفة، ليعود بالمفسد إلى دائرة الإصلاح، وبالمعوج إلى آخية الاستقامة، لذلك استحق رمضان أن يكون شهر القرآن، لأن طريق القرآن هو طريق البداية الجديدة الحقيقية لكل إنسان، ومن يستطيع أن يرصد واقع العرب قبل الإسلام وبعده، وواقع المسلمين الجدد قبل الإسلام وبعده يرى جليا صناعة الحياة الجديدة كما أرادها القرآن على مراد الحق تعالى من الخلق. وإذا كان نزول القرآن قد اختار رمضان زمنا فقد اختار رمضان لصناعة البدايات الجديدة، وهو درس لكل مسلم تعتصره ألوية الفساد المنشورة، وتخنقه رائحتها النتنة- درس لصناعة الإصلاح كما خطته عدالة التوحيد، وتحمّل أمانة الأمة الواحدة التي أضحت وهي تمسك في رمضان عن المباحات وتسرف في تجرع المنكرات. ورمضان صديق رفيق وضيف وفي، فرمضانوالقرآن رفيقان في الشفاعة، وهو صاحب باب الريان في الجنة، يدعو منه أصدقاءه الذين استضافوه في الدنيا، لا يدخله إلا الصائمون، من دخله شرب شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، والريان في حقيقتهبلُّ الصدى، وترياق اللوعة، وراحة القلوب، وفرحة الارتواء—فهل أحق من رمضان ببل صدى نفوسنا وإصلاح فساد حياتنا، لنخرج من لوثة الظمأ إلى دعة الارتواء، ومن فوضى الحاجة إلى سكينة الكفاية، ومن فتنة النار إلى راحة الجنة، ومن خراب الدنيا إلى صناعة الحياة.. ألم يأن للغافلين أن يستيقظوا، وللعصاة أن يندموا، وللسارقين أن يتراجعوا، وللسالبين أن يتوبوا، وللسلبيين أن يثقوا بنصر الله، وللخائنين أن يفيقوا، وللسادرين أن يتحرروا من ربقة عبوديتهم لغير الله؟ ألم يأن للقرآن أن ينير القلوب المظلمة، وللصيام أن يلمس الأحشاء المتخمة، وللذكر أن يرقق الأفئدة الصلدة، ألم يأن لنا أن نصنع بداية جديدة؟ ألم يأن لنا أن نصنع الجنة؟!! كلية اللغات والترجمة – جامعة الأزهر