«قد لا يكون هذا الزلزال الوحيد الذي أعيشه في حياتي لكنه بالتأكيد هو الزلزال الأكبر، حتى الأن، لأن عملي كمتطوع في الخوذ البيضاء جعلني استجيب بشكل شبه يومي لزلزال صغير هنا وهناك يحدثها قصف النظام السوري وروسيا». أنا أيمن العبود، متطوع في الدفاع المدني السوري، عمري 26 عام، أروي لكم تفاصيل الساعات الأولى من الزلزال الأكبر الذي عايشته في حياتي. أثناء مناوبة اعتيادية خلت من الملل، كان يقضي «أيمن العبود» ساعاته الأولى منتظرًا حدثا يضج مضجعه، اعتاد على الكوارث الطبيعية والمختلقة بأيدي البشر. على مدار 12 عاما، عاش «أيمن العبود» في خضم معركة لا ناقة له فيها ولا جمل، عندما بدأت الصواريخ تسقط على رؤوس السوريين كان في عمر الرابعة عشر، إذ قضى ما يقرب من نصف حياته يتفادي الموت في كل لحظة. عندما اشتد عوده، كان العمل في «الخوذ البيضاء»، حلما لطالما راوده في طفولته الملوثة بصور الجثث والأشلاء الملقاة على قارعة الطريق، لذا كان تقديم يد العون والمساعدة هو السبيل الوحيد ليعيد لنفسه شعور الإنسانية المفقود في وطن تحول لمقبرة جماعية. لدى «العبود» الكثير من الذكريات المأساوية، في عقله لم يكن يتخيل أن هناك كارثة سوف تحل أكثر مما أصاب وطنه، لكن تفاصيل الخامس من فبراير لن تسقط من ذاكرته، لن تدفعها ذكرى أسوأ إلى قاع الذاكرة ستبقى عالقة في ذهنه ما بقي من عمره، يقول «العبود»: «في المساء الذي سبق الزلزال تعرضت إحدى مخيمات مدينة اعزاز للغرق وتم استنفار الفريق بالكامل وبدأ العمل على فتح ممرات مائية وإخلاء الأهالي من المخيم وتم انتهاء العمل منه بتمام الساعة 2.15». عادت الحياة إلى طبيعتها، وعاد «العبود» إلى مقر عمله في انتظار انقضاء الساعات ليحظى ببعض الراحة، لكن ما حدث ليلتها كان أمرًا جلل. في تمام الساعة 4.17 دقيقة حصل الزلزال وتم استنفار الفريق بشكل كامل وخروجهم لجولات على المنازل بالمدينة لتقييم الأضرار، وخلال الجولة تم إسعاف مصابين من الزلزال بجروح وسكتات قلبية من المدينة إلى المشفى، يقول «العبود»: «تم ابلاغنا عن وجود شخص تحت الأنقاض في الحارة الجنوبية وتم انتشاله متوفي، كانت تلك الواقعة الاولى التي هزتنا من الداخل، رغم المآسي فكان يهدئ من روعنا أنها من فعل الإنسان». خلال عملية البحث تم ابلاغ الفريق في عن مكان ثان بداخله عائلة كاملة مؤلفة من أب وأم و3 أطفال وهو عبارة عن طابق ثان منهار بشكل كامل على رؤوس ساكنيه، على الفور تم التوجه إلى الموقع في تمام الساعة 4.40 صباحًا. بدأ فريق الخوذ البيضاء بالعمل على استخراج المدنيين من تحت أنقاض المنزل المدمر، يقول «العبود»: «استخدمنا كامل معدات البحث والإنقاذ وأول ما وصلنا للموجودين وصلنا للأب وبحضنه ابنته وبدأنا نكلمه ونحن نعمل بجانبيه تم تحرير الاب وتقديم مسالك تنفسية للبنت وتم استخراج الأب وكان لديه كسور متعددة ونزيف وبعدها تم تحرير البنت من بين الركام وانتشالها وكانت مفارقة الحياة وعمرها 7 سنوات، عملنا على تحديد بقية أماكن باقي أفراد العائلة وتم العمل على المكان الذي تم تحديده وتم استخراج طفلة عمرها 4 سنوات لديها كسور ونزوف وكانت مفارقة للحياة وتم نقلها إلى المشفى من قبل المسعفين». يتابع «الحسن»: «اكملنا عملنا وعثرنا على المرأة واثناء سحبها من تحت الأنقاض تم العثور على جنين ملتصق بها وهو في الكيس السلوي ولدته أثناء الزلزال تم استخراجهم وهما مفارقين الحياة وتم نقلها من قبل المسعفين إلى المشفى، بقيت لدينا طفلة وعمرها عام ونصف وبدأنا العمل على انتشالها من بين الركام وعثرنا عليها وتم استخراجها من تحت الأنقاض وتم تقييم حالتها الصحية باأنها ما زالت على قيد الحياة، حملتها وهرعت إلى سيارة الإسعاف ونقلناها إلى مشفى اعزاز الوطني». نستدل على الاحياء تحت الأنقاض بالصوت تم انتهاء العمل من مدينة أعزاز وتم استدعاء الفريق لمؤازرة الفرق المتواجدة بمدينة جنديرس لدعم زملائهم، يقول «فراس الحسن» أحد أعضاء فريق الخوذ البيضاء السورية: «كنا نمر على البنايات المتهالكة ونحاول أن نستمع إلى أية أصوات تدل على أن ثمة أحياء تحت الأنقاض، وصلنا إلى بناية أنا وزملائي يوجد بها صوت استغاثة من داخلها ويقدر بعدها عننا 5 متر ويوجد فتحة صغيرة ولم نستطيع العمل بالمعدات الثقيلة بسبب وجود مدنيين تحت الأنقاض، بدأنا بالتواصل معهن وبدأنا بالعمل في معدات الإنقاذ على توسيع الفتحة وفتح فتحات أخرى لتوصيل الأكسجين لهم». بدا أن الطبيعة ما زالت تلقي بعقابها على السوريين، أثناء العمل على البحث عن أحياء تحت الأنقاض، وقعت هزات ارتدادية أوقفت العمل لدقائق لتبين الموقف، وبعد أن هدأت الاجواء عادت فرق الخوذ البيضاء للعمل من جديد. يقول الحسن: «تواصلنا مع امرأة لديها 3 أطفال وكلهم فوق بعض وعم نشتغل ونتسابق مع الوقت وبهاي اللحظة صارت الساعة 1.30 الضهر وحفرنا فتحات بالمعدات البسيطة وايدينا تم استخراج الطفل الأول وهو على قيد الحياة وعمره 8 سنوات وأمه تساعدنا من الداخل في استخراجه عن طريق يد واحد محررة وبعد 20 دقيقة قدرنا نسحب الطفل الثاني من تحت الأنقاض بمساعدة امه، بقي طفل وامه تحت الأنقاض واستمرينا بالعمل ونحن نعمل الام عن طريق ايدها المحررة عطتنا طفلة عمره 6 أشهر وتم استخرجها وقياس العلامات الحيوية وكانت متوفية بسبب الكسور والنزوف وخروج المادة الدماغية وكانت الأم تسأل عن الطفلة كل دقيقة وأقول لها انها على قيد الحياة وذلك لعدم انهيار الأم تحت الأنقاض». يتابع أحد أعضاء فرق الخوذ البيضاء: «بقي لدينا الأم والعمل على تحرير يد الامرأة العالقة من تحت الأنقاض وتم سحبها ونقلها إلى سيارة الإسعاف، وأثناء الحديث مع الأم اخبرتنا عن وجود الأب وطفل بعيد عنهم تقريبا 10 متر، على الفور عملنا على فتح فتحة لادخل بها لم استطيع، وبدأت بالتكلم مع الطفل من الفتحة ورأسي داخل الفتحة لكي أرى كيفية وضعيته وكيف استطيع تحريره واستخراجه كان فوقه باب وبدأت بقصف الباب لكي أحرر مجرى التنفس كان حوليه مستلزمات حمام وبدأت العمل بيدي في ابعاد المستلزمات وتحريره واستغرق الوقت لمدة ساعة ونصف وقدرت اسحب الطفل لبرا وتم اسعافه إلى المشفى من قبل المسعفين، بدأ فريق ثان بعملية استخراج الأب وتم استخراجه أيضا وهو على قيد الحياة». يختتم «الحسن» حديثه: «في تلك الليالي الطويلة المظلمة التي ساعدنا المدنيين فيها، بقينا على قيد الأمل وأرواحنا معلقة بأنفاس من هم تحت الركام، كنت دائما أعرف أن في ناس ناطرتنا وناطرة قدومنا لمنحها الحياة».