إحالة قانون «الذوق العام» للجنة الشئون الدستورية    السودان يكشف التوصل لاتفاق بشأن "سد النهضة"    البرلمان يوافق على إحالة 49 طلب اقتراح برغبة للحكومة لتنفيذها    «الأبرق»: وزارة العدل تتعاون مع الجهات المعنية لتحقيق مصلحة الطفل    مفتي الجمهورية يهنئ سلطنة عمان بعيدها الوطني ال49 ويشيد بعمق العلاقات التاريخية    وزير البترول: نجحنا في جذب كبرى الشركات الأمريكية للاستثمار في مصر    تباين أسعار الخضروات في سوق العبور اليوم الاثنين    اليوم العالمي لدورات المياه.. أرقام صادمة في خدمات الصرف الصحي عالميًا    وزير الكهرباء: تعميم برنامج القراءة الموحد للعدادات أبريل المقبل    بالغربية.. إزالة 533 حالة تعدى على أملاك الدولة وإسترداد 124515م2    إيران تشتعل.. إحراق مقر لقوات الباسيج في منطقة ملارد غرب طهران    المبارك يعتذر عن تشكيل الحكومة الكويتية.. ومصدر: صباح الخالد الأقرب    البنوك اللبنانية تكشف موعد عودتها للعمل    كهربا يقود تشكيل الفراعنة المتوقع أمام جزر القمر    دورة تقييم للحكام استعدادًا لمباريات الدوري    غانا والجزائر لمواصلة البداية القوية في تصفيات الكان    التوقيع لبرشلونة الحلم المنتظر لنجمي نابولي وتشيلسي    الحبس سنة وغرامة 10 آلاف جنيه لمتهم بحيازة أسلحة نارية بالمقطم    غدا.. طقس معتدل على كافة الأنحاء نهارا    «النقض» تُحدد جلسة 15 فبراير لنظر طعون متهمي «اقتحام قسم حلوان»    شهود حادث «برج سقيل» للنيابة: «الحماية المدنية قطّعت الحديد لانتشال الجثث»    "حشيش دليفري".. القبض على سائق يروج المخدرات بتاكسي في الغردقة    مفيش تحميل هنا.. مقتل حارس عقار على يد عاطلين منعهما من تحميل مواد بناء بالوراق    بالفيديو.. أستاذ آثار: المصريون القدماء أول من استخدم قائمة المنقولات    فتح مقبرتي «إيدو وقار» بالهرم أمام الجمهور للزيارة    برلمانى وطلب إحاطة عاجل بشأن أزمة أطباء دفعة سبتمبر 2019 بسب نظام التكليف الجديد    تقديم الخدمة الطبية بالمجان ل 3 آلاف مواطن في كفر الشيخ    التدخين الإلكتروني أقل ضررًا من العادي على القلب    اكتشاف السر وراء الموت المفاجئ    مقتل 4 أشخاص وإصابة 6 آخرين جراء تعرضهم لإطلاق نار بكاليفورنيا    اشتباكات بين الشرطة والمتظاهرين داخل جامعة البوليتكنيك بهونج كونج- فيديو    الجيش السوري يستعيد السيطرة على ثاني أكبر محطة كهرومائية في البلاد    زيادة الصادرات لأفريقيا بنسبة 27.4% والواردات 18.6%    تواصل التصفيات النهائية للموسم الثامن من مسابقة إبداع    "ماس كهربائى" وراء حريق مول تجارى بشارع "البوستة" فى الشرقية    بعد 8 سنوات من الغياب.. لماذا استحضر البابا تواضروس المجلس الملي؟    انخفاض مؤشرات البورصة تحت ضغط مبيعات الأفراد المصريين بمنتصف التعاملات    القومي للمرأة يستقبل ميرفت تلاوي بمقر المجلس    تعرف على القواعد الفقهية الضابطة للفتاوى الطبية    الثقافة تعتمد خطة الإنتاج الجديد لمسارح الدولة ب7 عروض    بعد غياب 16 عاما .. البرازيل تتوج بلقب كأس العالم للناشئين    قضية في المحكمة تواجه لاعب نادي الهلال بعد عودته من اليابان    النني يعرض خدماته على ميلان.. والنادي يصدم الوسطاء    واشنطن تضغط على سول وطوكيو لتجديد اتفاقية المعلومات العسكرية    جائزة أفضل بحث منشور في العالم من نصيب استاذ بجامعة اسيوط    سبب صادم وراء خلع "صابرين الحجاب"    ما حكم حبس البول والريح أثناء الصلاة .. دار الإفتاء تجيب.. فيديو    ربيع ياسين يكشف موقفه من رفض النجوم انضمام لاعبه لمنتخب الشباب    كازاخستان: تأجيل اجتماع أستانا بشأن سوريا إلى ديسمبر المقبل    زوجة عماد متعب تشعل إنستجرام بإطلالة "جريئة"    الأكل حتى الشبع .. سلاح الشيطان لتقوية الشهوات    حكم ميراث الأخت الشقيقة وغير الشقيقة.. الإفتاء تجيب.. فيديو    أسعار الخضروات والفاكهة في مصر اليوم الاثنين 18 -11- 2019    مروان يكشف جهود استعراض ملف حقوق الإنسان المصري في الأمم المتحدة    صور| عروض نادي السينما المستقلة بالإبداع بالإسكندرية    السحر من الكبائر وآثاره مدمرة    ضبط 340 كليو أرز تمويني قبل بيعه بالسوق السوداء بالبحر الأحمر    عميد الدراسات الإسلامية: حديث خالد الجندى عن عدم وجود ملك للموت اسمه "عزرائيل" صحيح    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





رحيل إبراهيم سعدة.. وداعًا «برنس» الصحافة المصريّة (ملف)
نشر في المصري اليوم يوم 13 - 12 - 2018

في نهاية أوراق صحيفة «أخبار اليوم»، ظلّ مقال إبراهيم سعدة، «آخر عمود»، متربعًا على عرش الصحافة المصريّة لسنوات طويلة، ظهر «سعدة» خلالها كأحد «أسطوات» المهنة، الذين عاصروا فترات تاريخيّة من عُمر البلاد، وقف البعض حاملين أسلحتهم، لكن «سعدة» كان يقف بالقلم، ضمنْ كتيبة من الذين عرفوا جيدًا خطورة الكلمة سلاحًا، فالكلمة نور يضئ الطريق للسائرين في الليالي الحالكة، نورٌ يهدي الحائرين إذا ما تكاثرت عن الأُفق سحب الغموض.
قال عنهُ، دكتور سمير سرحان في مُفتتح كتاب «آخر عمود»: «هو كاتب يتعامل مع الكلمة من منطلق أنها رسالة لا حرفة، وأمانة ليست ترفًا ولا وجاهة، ومن منطلق أنها قدر على من سار في طريقها، أن يهجر كل شئ ويوقف عليها حياته ويمنحها عُمره، ومادام الإنسان قد اختار أن يكون كاتبًا بمحض إرادته، لذا فهو مطالب في كل وقت بخدمة الحقيقة، ويلهث وراءها حتى يستخلصها من بين رُكام الأكاذيب وتلال الأباطيل، رحلة (سعدة) في عالم الكلمة، شاقة مليئة بالجولات والصولات».
تاركًا إرثًا باقيًا، رحل الكاتب الكبير إبراهيم سعدة، رئيس مجلس إدارة وتحرير أخبار اليوم، أمس الأربعاء، عن عُمر يناهز 81 عامًا، بعد صراع مع المرض، وعودة «أخيرة» للوطن مُنذ أشهر، ليخرُج جثمانه من أكثر الأماكن المُحببة لقلبه، 6 شارع الصحافة، مقر مؤسسة «أخبار اليوم».
خلال الملف التالي، «المصري اليوم» ترصُد جزءًا من سيرة «برنس» الصحافة المصرية، وصاحب آخر عمود، إبراهيم سعدة.
بين جنيف والقاهرة، توزعت حياة الصحفي الكبير الراحل، إبراهيم سعدة، منذ خالف رغبة والديه وقرر دراسة الاقتصاد السياسي في إحدى جامعات سويسرا في الخمسينيات، حتى نبوغه المبكر في الصحافة بتحقيقه عن «جماعة النحلاوي» التي أسقطت الجمهورية المتحدة بين مصر وسوريا، مرورًا بقرار استقالته من رئاسة مؤسسة أخبار اليوم وانتقاله للإقامة في جنيف، وانتهاء بوصول الأمس الأخير إلى القاهرة.
بدأت مهنة الصحافة تداعب الصبي «سعدة» قبل أن يتم مرحلة التعليم الثانوي، فكان يراسل عددًا من المجلات التي تصدر في القاهرة، مثل «قصتى» و«أخبار الجريمة» التي كان يغذيهما أسبوعيًا بأخبار الحوادث التي كان يتابعها في أقسام الشرطة.
اهتمامه المبكر بالصحافة تعانق مع ولع زميله في المدرسة مصطفى شردي، الذي كان يراسل بدوره صحيفة «المصري»، ومن هنا بدأ الأخير ينقل خبراته المهنية إلى صديقه، ليشتركا أخيرًا في تحرير صحيفة المدرسة الصادرة باسم «الشاطئ».
بعد انتهاء المرحلة الثانوية، افترق طريق «سعدة»، الذي قرر دراسة الاقتصاد السياسي في سويسرا، عن زميله «شردي» الطالب بكلية الآداب قسم الصحافة جامعة القاهرة، وفي الإجازة الصيفية الأولى عاد «سعدة» إلى القاهرة، وكان على موعد مع الأخوين على ومصطفى أمين في «أخبار اليوم».
في هذا التوقيت، مطلع الستينات، استطاع «شردي» أن يوطّد علاقته بالأخوين أمين، بعد أن صار مدير مكتب الصحيفة في بورسعيد. من هنا قرر أن يعرّف الأخوين على صديقه القادم من سويسرا في زيارة خاطفة.
قبل انتهاء الإجازة، اصطحب «شردي» صديقه إلى شارع الصحافة، وصعد به داخل مبنى الصحيفة إلى الطابق التاسع حيث مكتب على أمين. طرق «شردي» الباب، ودخل دون استئذان، بينما بقي الآخر منتظرًا في الخارج، ولم يسعف «شردي» على أمين حتى يرحب بقدومه، وتراجع لاستدعاء صديقه المتواري خلف الباب.
ذُهل على أمين من تصرف «شردي» الذي جاء بأحد أصدقائه ليقدمه إليه دون سابق معرفة أو موعد، ولكن «شردي» أخذ يقول: «أقدم لسيادتك صديقي وزميلي إبراهيم سعدة الذي يدرس في سويسرا ويريد أن يراسل الصحيفة من هناك. ولولا ثقتى في كفاءته لما تحمّلت هذه المسئولية. والدليل على ذلك أنه أحضر معه أول رسالة له من سويسرا!».
ثار على أمين غاضبًا على «شردي» وهو يقول له: «هى دى الصحافة التي اتعلمتها يا مصطفى في أخباراليوم؟! تقوم تجيب لنا واحد رجع من سويسرا منذ شهور، ومعه مقال عن (مشاهداته وملاحظاته سويسرا) لتنشر في أخبار اليوم؟! ده ناسي إن اسمها أخبار اليوم وليس أخبار الأمس؟!».
سارع «شردى» بالرد على أستاذه قائلًا: «حلمك علينا يا على بيه، بص على عنوان الرسالة لتحكم على المحتوى قبل قراءته، كما علمتنا يا على بيه»، وأمسك على أمين بصفحات الرسالة وأخذ يطالع سطورها بسرعة، ثم ابتسم وأمسك بقلمه وكتب على رأس الصفحة الأولى «عزيزى موسى صبرى، تحقيق ممتاز، اقترح نشره في عدد (الجيل) القادم».
قبل الانصراف من المكتب، طلب على أمين من «شردى» و«سعدة» اللحاق به إلى مكتب توأمه مصطفى أمين، وهناك رحب أشاد على ب«سعدة» وتوقع له مستقبلًا في المهنة، وقال عنه حينها: «ده إبراهيم سعدة يا مصطفى، وهو قماشة ممتازة سنصنع منها صحفي ممتاز».
بعد 6 أشهر من تفكك الجمهورية العربية المتحدة، سبتمبر 1961، تلقى «سعدة» برقية من مصطفى أمين، رئيس تحرير أخبار اليوم، ينبهه إلى أن الضباط السبعة المعروفين ب«جماعة النحلاوي»، والذين خططوا للانقلاب العسكرى في سوريا، والذي أنهى الوحدة مع مصر، في طريقهم من دمشق إلى سويسرا للإقامة فيها كلاجئين سياسيين.
بعد القبض على الضباط السبعة، وافقت سويسرا على منحهم حق اللجوء السياسي والإقامة في مدينة لوزان، عام 1962، واستطاع إبراهيم سعدة ضرب الحصار الإعلامي المفروض عليهم، والتقى بهم في فندق إقامتهم، وأمضى معهم نحو 6 ساعات كاملة.
صبيحة يوم السبت الموافق 14 أبريل 1962، صدرت مانشتات «أخبار اليوم» بعنوان «الأسرار الكبرى»، وتحت العنوان نشرت إشارات كثيرة كان أخطرها «ضباط الانقلاب يعترفون: الملك سعود بن عبدالعزيز موّل الانقلاب»، وخصص مصطفى أمين مقاله الأسبوعي «كلمة من المحرر» كاملًا للحديث عن صاحب السبق الصحفى ومراسل الصحيفة في سويسرا، إبراهيم سعدة.
أنهى «سعدة» دراسته في جنيف، عام 1965، وعاد للاستقرار والعمل في القاهرة، فالتحق بالقسم الخارجي للصحيقة محررًا، ثم رئيسًا للقسم في الإصدار الأسبوعي، فنائبًا لرئيس التحرير، حتى أصدر الرئيس أنور السادات قرارًا بتعيينه رئيسًا لتحرير أخبار اليوم عام 1980.
استمر «سعدة» في رئاسة تحرير أخبار اليوم حتى عام 1992 عندما جمع بين رئاستي التحرير والإدارة. ومنذ استقالته عام 2005، ظل «سعدة» متفرغًا للكتابة اليومية في «الأخبار» تحت عنوان «آخر عمود» حتى عام 2012.
في أكتوبر 2012، استدعاه جهاز الكسب غير المشروع بعد بلاغ من المحامي سمير صبري، ولم تثبت التحقيقات ضده أي شئ. وفي مطلع أبريل 2013، استدعته نيابة الأموال العامة العليا، ثم وضعت اسمه على قوائم ترقب الوصول بعد أن تبين سفره إلى سويسرا، على خلفية التحقيقات التي تجري في قضية «هدايا الأخبار».
وفي أواخر فبراير الماضي، خاطب الكاتب الصحفي عبدالمحسن سلامة، نقيب الصحفيين، المستشار نبيل صادق، النائب العام، للسماح برفع اسم إبراهيم سعدة من قوائم الترقب والوصول، والسماح له بدخول البلاد. ووصل «سعدة» أخيرًا إلى مطار القاهرة على متن طائرة طبية خاصة، مساء الأربعاء، وجرى نقله بسيارة إسعاف إلى مستشفى الصفا بالمهندسين.
إبراهيم سعدة.. رحلة كاتب «آخر عمود» في بلاط صاحبة الجلالة (بروفايل)
حفر الكاتب الصحفي الكبير إبراهيم سعدة اسمه في بلاط صاحبة الجلالة كواحد من أهم كتابها، وأبرز من شغلوا مناصب كبيرة فيها، فالكاتب حدد طريقه مبكرًا منذ الفترة الثانوية التي شارك خلالها في مجلة المدرسة، ليصبح بعد ذلك بسنوات أول صحفي يجمع بين رئاسة تحرير صحيفة قومية وأخرى حزبية، حتى عُين رئيسًا لمجلس إدارة أخبار اليوم.
«آخر عمود»، ذلك العمود الصحفي الذي ألفنا وجوده في نهاية صحيفة «أخبار اليوم»، لإبراهيم سعدة، الذي عاد اليوم إلى أرض الوطن بعد أزمة صحية طارئة استدعت تدخل عبدالمحسن سلامة نقيب الصحفيين، ليتم السماح له بالعودة، والعلاج في مستشفى بالمهندسين تم نقله لها فور وصوله.
إبراهيم سعدة، اسم غاب عن رحلة صاحبة الجلالة منذ سنوات، وهو الذي اعتزل المهنة قبيل ثورة الخامس والعشرين من يناير، حينما كتب استقالته واعتزاله مهنة الصحافة في عموده الخاص «آخر عمود»، معلنًا اكتفائه بكتابة مقالاته في هذا العمود، الذي ارتبط به، وارتبط قراء الأخبار به في الصفحة الأخيرة، لتمضي السنوات، ويتوارى هذا العمود، ومعه مقالات إبراهيم سعدة، بعد ثورة يناير، سافر إبراهيم سعدة إلى سويسرا واستقر هناك، ولم يعد، نظرًا لوضع اسمه ضمن قوائم ترقب الوصول.
وُلد «سعدة» عام 1937، بدأت قصته مع الصحافة في ستينات القرن الماضي، وشكل عام 1962 نقلةً نوعيةً لابن الخامسة والعشرين ربيعًا، حينما تمكن من سبقٍ صحفيٍ تعلق بتغطية قضية لجوء جماعة النحلاوي سياسيًا إلى سويسرا، بعد حدوث الانفصال بين مصر وسوريا، ونجح في اجتياز هذا الاختبار الصعب، والتقى بالجماعة وحصل منهم على تفاصيل مثيرة عن مؤامرة الانفصال، وكان مصطفى أمين من طلب منه ذلك الموضوع، بعدها بيومٍ واحدٍ مضى قرار تعيينه صحفيًا في جريدة «أخبار اليوم» في أبريل من ذاك العام.
بعدها، تقلد إبراهيم سعدة المناصب الصحفية تلو الأخرى، إلى أن مضى الرئيس محمد أنور السادات قرار تعيينه رئيسًا لتحرير أخبار اليوم، وبات حينها أصغر رئيس تحرير للجريدة.
في مفاجأة من مفاجآت الرئيس الراحل أنور السادات، أصدر قرارا بتعيينه رئيسا لتحرير «أخبار اليوم» رغم صغر سنه، واستطاع إقناع الرئيس السادات بتصويره في منزله منذ لحظة استيقاظه بعدسة المصور الصحفي الفنان الراحل فاروق إبراهيم، ونشر إبراهيم سعدة الصور الجريئة التي أحدثت ضجة كبيرة، فقد ظهر فيها السادات بملابس نومه ثم وهو يحلق ذقنه ثم وهو يمارس تمارين الصباح، وغضبت جيهان السادات من نشر تلك الصور الجريئة.
وفي «أخبار اليوم» تولى العديد من المناصب أهمها، رئيس قسم التحقيقات الخارجية، ونائب رئيس التحرير، ورئيس التحرير ورئيس مجلس إدارة دار أخبار اليوم، كما اشتهر بكتابة عموده «آخر عمود»، كما تولى أيضًا رئاسة تحرير صحيفة «مايو» ليصبح أول صحفي يجمع بين رئاسة تحرير صحيفة قومية «أخبار اليوم» وصحيفة حزبية «مايو».
بعد مشوار طويل، رحل الكاتب الكبير إبراهيم سعدة، رئيس مجلس إدارة وتحرير أخبار اليوم، أمس الأربعاء، عن عُمر يناهز 81 عامًا، بعد صراع مع المرض، وعودة «أخيرة» للوطن مُنذ أشهر، ليخرُج جثمانه من أكثر الأماكن المُحببة لقلبه، 6 شارع الصحافة، مقر مؤسسة «أخبار اليوم».
محطات في حياة الكاتب الكبير إبراهيم سعدة.. رائد الصحافة المتخصصة
رحلة طويلة خاضها الكاتب الكبير في بلاط صاحبة الجلالة، حافلة بكل ما يحلم صحفى أن يناله، امتدت تلك الرحلة من ستينيات القرن الماضي إلى بداية الألفية.
«المصري اليوم» ترصد في التقرير التالي محطات في حياة الصحفي الكبير:
• يعد الكاتب الكبير، صاحب أشهر مقال في الصحافة المصرية على مدى عقود، واللافت أنه كان يوقعه باسم الفنان الراحل الكبير «أنور وجدي» في صحيفة الأخبار، في تواشج غير معهود بين مهنة البحث عن المتاعب والفن.
• «سعدة»، صاحب الريادة في تأسيس الصحافة المتخصصة الصادرة عن دار «أخبار اليوم»، مثل «أخبار النجوم»، «أخبار الأدب»، «أخبار الحوادث».
• «سعدة» أول من دشن وجود الملاحق في الصحافة المصرية، معتمدا على الشباب في تحريرها مثل «ملحق السيارات» للزميل خالد أباظة الذي انتقل حاليا إلى «المصري اليوم»، وأيضا صدر عن «الأخبار» ملحق الاقتصاد للزميلة دينا عبدالفتاح.
• يعد «سعدة»، من ضمن أصغر من تولوا رئاسة التحرير في الصحف المصرية، عقب أن تم تعيينه من الرئيس الأسبق أنور السادات كرئيس تحرير للأخبار في سبعينيات القرن الماضي.
• ولد إبراهيم على سعدة في 3 نوفمبر عام 1937 بمدينة بورسعيد، وتلقى تعليمه بمدارسها، وكانت الصحافة بالنسبة له كل شيء في حياته، فشارك في تأسيس مجلة المدرسة الثانوية، ثم عمل مع أصدقائه مصطفى شردي، وجلال عارف، وجلال سرحان، في تأسيس مجلة الشاطئ في بورسعيد.
• عمل «سعدة» قبل حصوله على الشهادة الثانوية مراسلًا لعدد من الصحف والمجلات القاهرية منها مجلة (الفن، سندباد، الجريمة).
• بعد حصوله على الشهادة الثانوية سافر إلى سويسرا، حيث درس الاقتصاد السياسي هناك، وعاش 12 عامًا في أوروبا.
• في سويسرا أراد العمل مراسلًا لصحيفة مصرية، وخلال زيارة سريعة لمصر التقى بصديقه مصطفى شردي الذي أصبح مديرًا لمكتب دار أخبار اليوم في بورسعيد، وكان مصطفى شردي على علاقة طيبة بالأخوين على أمين ومصطفى أمين، فعرض «سعدة» على مصطفى شردي، أن يعمل مراسلًا صحفيًا لأخبار اليوم في جنيف، وتحمس «شردي» للفكرة وحصل على وعد للقاء على أمين.
التقى إبراهيم سعدة ومصطفى شردي بعلي أمين، وعرض عليه تحقيقًا كان قد كتبه عن مشكلة الحاصلين على الثانوية وليست لهم أماكن في الجامعات المصرية، فأُعجب به على أمين، ووافق على تدريبه كمراسل صحفي في جنيف.
ثم طلب منه مصطفى أمين، أن يرسل لهم موضوعات ليتم نشرها في مجلة «آخر ساعة» وصحيفة «أخبار اليوم» الأسبوعية، وصحيفة «الأخبار» اليومية، وأن تكون موضوعاته عن الشباب.
• استطاع «سعدة» أن يحقق سبقًا صحفيًا حول مجرى حياته عندما طلب منه مصطفى أمين، تغطية خبر لجوء جماعة النحلاوي سياسيًا إلى سويسرا، وذلك بعد حدوث الانفصال بين مصر وسوريا، ونجح في اجتياز هذا الاختبار الصعب، والتقى بجماعة النحلاوي وحصل منهم على تفاصيل مثيرة عن مؤامرة الانفصال وحقيقة تمويل الملك سعود لعملية الانفصال.
• في اليوم التالي صدر قرار تعيين إبراهيم سعدة رسميًا في أخبار اليوم اعتبارًا من 24 إبريل عام 1962 وأيضًا تم صرف مكافأة مالية كبيرة له تقديرًا على السبق الصحفي.
• في أخبار اليوم تولى «سعدة» العديد من المناصب مثل: رئيس قسم التحقيقات الخارجية، ونائب رئيس التحرير، ورئيس التحرير، وبات حينها أصغر رئيس تحرير للجريدة، ورئيس مجلس إدارة دارأخبار اليوم، كما اشتهر بكتابة عموده «آخر عمود».
• تولى أيضًا رئاسة تحرير صحيفة «مايو» ليصبح أول صحفي يجمع بين رئاسة تحرير صحيفة قومية «أخبار اليوم» وصحيفة حزبية «مايو».
• استقال الكاتب إبراهيم سعدة من منصب رئيس مجلس إدارة دار الأخبار عام 2005، وكان سباقا بطلب إعفاءه من منصبه في «أخبار اليوم» القومية، أثناء حقبة الرئيس الأسبق حسني مبارك، في حين كان يود رؤساء تحرير لبعض الصحف القومية للبقاء في مناصبهم بعد تجاوزهم السن القانونية، واللافت أن الكاتب الكبير كتب رسالة مفتوحة عن عدم استمراره في منصبه في بداية الألفية الثالثة، وذلك لمنح الفرصة للشباب.
قصّة تليفون فى حياة إبراهيم سعدة
فى عموده على الصفحة الأخيرة من «الأخبار»، روى الكاتب الكبير إبراهيم سعدة، قصة لا يجوز أن يفوتنا معناها البعيد.. ففى وقت من الأوقات، كان ذلك فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى، شن إبراهيم سعدة حملة صحفية شهيرة على صفحات «أخبار اليوم»، ضد رجل أعمال عربى، كان قد جاء يمارس أعماله فى القاهرة، واختلف حوله وقتها كثيرون.
الحملة كانت قاسية، ومتواصلة، ومؤثرة للغاية، لدرجة أن الرئيس السادات سأل كاتبنا الكبير عما إذا كان يملك أوراقاً تؤكد ما يقوله، فلما أجاب بأنه يملكها، بارك الرئيس الحملة، وقال له ما معناه أن يستمر فى حملته على رجل الأعمال، الذى كان «سعدة» قد أطلق عليه اسم «الحمال».
وقتها كانت بعض الألفاظ المستخدمة فى الحملة عنيفة، وموجعة، وكانت تصف بعض تصرفات رجل الأعمال وحياته، بأنها مشينة، وفاضحة، وكانت الحملة فى إجمالها حديث المجتمع والناس، وكانت تتواصل أسبوعاً بعد أسبوع، وكان «سعدة» يقصف بكل ما عنده من أسلحة ثقيلة، وبينما كانت الحملة فى ذروتها جاءه تليفون من قارئ لم يكن الكاتب الكبير فى ذلك الوقت يعرفه.
وهنا، سوف أنقل عن الأستاذ إبراهيم ما جاء فى عموده بالحرف.. قال: وقتها تلقيت اتصالاً تليفونياً من قارئ عرفنى بنفسه قائلاً: «أنت لا تعرفنى.. واسمى المهندس صلاح دياب.. وكانت هذه هى أول مرة أتعرف فيها على رجل الأعمال المصرى صلاح دياب، الذى أكد لى أنه لا يعرف هذا «الحمال» ولا يريد أن يعرفه، لكنه طلبنى ليصارحنى بأن ما نسبته إلى هذا الشخص، من صفات مشينة، وأعمال فضائحية، كانت بالغة القسوة، خاصة أنها تمس حياته الشخصية التى يربأ بى عن التطرق إليها، ولولا حرصه على شخصى وكتاباتى، لما تدخل، ولما طلبنى تليفونياً، وقد رحبت بمكالمة المهندس صلاح دياب، بنفس ترحيبى بنصيحته لى بالابتعاد عن الأسلوب الذى استخدمته لأول مرة فى مقالاتى التى كان يتابعها، واعترفت لصلاح دياب بأننى أخطأت بالفعل، متعللاً بأن ما قرأته وسمعته وتأكدت من صحة معظمه، هو الذى شجعنى على التطرق إلى ما تطرقت إليه رغما عنى، ووعدته بعدم تكراره مرة أخرى مهما حدث.. بعدها توطدت علاقتى بصلاح دياب، وأصبحنا أصدقاء وأحباء حتى الآن».
ثم يختتم إبراهيم سعدة كلامه فيقول: وبالفعل.. واصلت الكتابة عن «الحمال» مركزاً فقط على أخطاء وخطايا أعماله المهنية، مع الابتعاد تماماً عن مثيلاتها من أموره الشخصية أو الأسرية.
وحين يأتى كاتب كبير، ويعترف الآن، بأن مكالمة عابرة من «قارئ» قد أثرت جذرياً فى أسلوبه فى الكتابة، إلى حد أنه تحول بعدها، من أسلوب إلى أسلوب آخر يتجنب ما كان قد ارتكبه من قبل، عن غير قصد، فإن هذا فى حد ذاته لابد أن يجعلنا نتوقف أمام كاتب من هذه النوعية، التى تكاد تنقرض من حياتنا الصحفية.
كان إبراهيم سعدة كان طول عمره نجمًا فى سماء الصحافة، ولم تكن نجوميته لها علاقة برئاسة تحرير «أخبار اليوم» وإنما كانت متحققة قبلها، ولاتزال قائمة بعدها، وكان صاحب خبطات صحفية لا ينساها الرأى العام إلى اليوم، وكان يكفى أن يكتب مقالاً ليكون حديث البلد، أو يكتب مقالاً آخر، فيوقف مشروع قانون فى البرلمان، كما حدث يوماً مع مشروع قانون نقل وزراعة الأعضاء.. ومع ذلك كله، فإن مكالمة من «قارئ» كان مجهولاً لديه، حينذاك كانت كافية لأن تستوقفه، وتؤثر فيه، وتدفعه إلى التحول من طريق إلى طريق آخر، لا علاقة له بالأول.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.