رغم إعلان وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الثلاثاء، أن الاتفاق الذي أبرمته بلاده مع الدول الست الكبرى في نوفمبر الماضي، بشأن برنامجها النووي، يعتبر خطوة في طريق طويل وصعب، أكدت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية، جين ساكي، إن القول بأنه تم تسوية كل شئ غير دقيق. وبكثير من الريبة والحذر، تراقب المملكة العربية السعودية وغالبية دول الخليج، ربما باستثناء سلطنة عمان وإمارة دبي، مستقبل الملف التفاوضي بين إيران ومجموعة 5+1 الدائر بجنيف لتطبيق اتفاقية نوفمبر الشهيرة، والتي تعهدت فيها إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم إلى مستوى 20% لمدة 6 أشهر، مع الاستمرار في أجزاء أخرى من برنامج التخصيب، مقابل تعهد الغرب بعدم فرض عقوبات إضافية عليها خلال تلك الفترة. السعودية، تعارض تلك الصفقة من أول يوم، حيث ترى أن استراتيجية العقوبات هي الوسيلة الوحيدة التي يمكن من خلالها التضييق على إيران ومنعها من أي توسع في برنامجها النووي المثير للجدل، على الرغم من ادعائها عدم عسكرته، وترى الرياض أن أي تقدم في ملف إيران النووي من شأنه أن يمس بتوازن القوى في منطقة الخليج العربي. تدرك السعودية جيدًا أن استمرار برنامج إيران النووي هو العامل الحاسم في رجحان كفة إيران الاستراتيجية في منطقة الخليج العربي، لاسيما وأن ميزان القوة العسكرية بين الجانبين لم يحسم بعد، وفقًا لتسعة معايير علمية، كمية ونوعية، يقاس من خلالها فاعلية القوة العسكرية التي تحوزها أي دولة. المعايير التسعة، محل المقارنة بين القوة العسكرية للدول، هي حجم القوات المسلحة، ونسبتها إلى إجمالي السكان، حجم الإنفاق العسكري، ونسبته من إجمالي الناتج المحلي، حجم التسليح كما وعددًا، ونوعية التسليح، والقاعدة الصناعية العسكرية، والكفاءة التنظيمية، والقدرات النووية. وخلاصة التوازن الاستراتيجي بين إيران ودول الخليج، وفقًا لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، هو تفوق إيراني لافت فيما يتعلق بمؤشري القدرات النووية والكفاءة التنظيمية للجيش. في حين تتفوق دول الخليج على إيران من حيث نوعية التسليح، وإن كانت إيران تتفوق من حيث كم التسليح على الدول الخليجية. بينما تتعادل الكفتان فيما يتعلق بمؤشر قاعدة التصنيع العسكري، مع عدم إغفال جهود إيران في هذه الإطار، ولكن العبرة وفقًا لهذا المؤشر هي جودة الصناعات العسكرية وقدرتها على المنافسة في سوق السلاح الدولي، وهو ما لا يتوفر للصناعات العسكرية الإيرانية. وفي حين تتفوق إيران على الدول الخليجية في مؤشر حجم القوات المسلحة، فإن السعودية وقطر تتفوق عليها في مؤشر نسبة تلك القوات من إجمالي السكان، وعلى صعيد الإنفاق العسكري، تتفوق السعودية على إيران في مؤشر حجم الإنفاق العسكري، كما تتفوق كل من عمان والسعودية على إيران في نسبة الإنفاق العسكري إلى إجمالي الناتج المحلي. إذن، هو توازن استراتيجي هش بين الجانبين، الخليجي والإيراني، ومن ثم فإن أي تقدم إيراني محرز في سياق برنامجها النووي، سيكون عاملًا حاسمًا في سباق التسلح في المنطقة، لاسيما وأن التقنيات غير التقليدية، وفي القلب منها النووية، أكثر تأثيرًا من تقنيات التسليح التقلديدية، حتى لو كانت أكثر حداثة وتطورًا. وتود السعودية مجابهة ذلك من بوابة الوحدة الخليجية، حيث دعا وزير الدولة السعودي للشؤون الخارجية نزار مدني، في ديسمبر الماضي، دول الخليج إلى أن تكون "يدًا واحدة في مواجهة المخاطر في المنطقة"، في إشارة إلى إحياء مقترح العاهل السعودي الذي كان قد طرحه قبل عامين، لإنشاء اتحاد خليجي بديل عن مجلس التعاون الخليجي القائم منذ ثمانينيات القرن الماضي. المقترح السعودي الذي يعني، أن تكون شئون الدفاع والسياسة الخارجية لدول الخليج الست موحدة، يجابه بصعوبات كبيرة على صعيد التطبيق على الأرض، لاسيما من قبل سلطنة عمان، التي هددت بالانسحاب من مجلس التعاون الخليجي، حال قيام دول الخليج الأخرى بالاتجاه نحو إقامة الاتحاد وفقًا لدعوة السعودية في هذا الشأن. وترى عمان أن هذا الاتحاد موجه أساسًا ضد إيران، وهو ما يخالف سياستها الحيادية بالمنطقة، كما أن التنافس السعودي القطري المحموم حول حدود الدور في عدد من القضايا العالقة بالمنطقة، لاسيما الملفين المصري والسوري، بجانب القضايا الخليجية محل الاهتمام المشترك، قد يجهض أي مساع سعودية لعرقلة النفوذ الإيراني المتنامي في المنطقة.