حللت قطر فى عاصمتها الدوحة فى عام 1987 وكنا عدداً قليلاً من كبار الكتاب لنقوم بالتغطية الإعلامية عن الدولة قبل زيارة أميرها السابق - والد الأمير حمد - وهو الشيخ خليفة بن حمد، وكانت دار الضيافة هى فندق شيراتون الدوحة، وكان الفندق الوحيد فى المدينة، وأعلى مبنى فيها، ومصمماً على شكل هرم مدرج لا يزيد على عشرة طوابق، ويشير إلى السماء فى سلاسة وبلا اختراق فى إطلالة بديعة على الخليج. وقبل السفر دعانا السيد بدر عمر الدفع، سفير قطر فى القاهرة، الذى كان سفيراً استثنائياً فى ثقافته الرفيعة عدا حنكته الدبلوماسية، وكان بيته يحتضن كثيراً من الأعمال التشكيلية لكبار الفنانين فى مصر والعالم. وفى حديث العشاء سألته: كم عدد سكان قطر؟ فقال لى: مائتان وثمانون ألفاً. فقلت بسرعة: - ما تيجوا! فضحك وأضاف: (منهم 80 ألفاً من الشرق الأقصى)! فقلت بسرعة: - ممكن الباقى ييجوا فى شارعنا! وضحكنا وسعدت بالمعلومة حيث فوجئت فعلاً بعاصمة هادئة بديعة ذات بيوت كلها فيلات بحدائق ذات نخيل وظلال.. عاصمة سماؤها صافية تملأ العين والقلب.. ذكرتنى بحى الروضة القديم الذى كانت عائلتى تسكنه، حيث كان شارع النيل غير مباح ولا مغتال لتلك العمارات التى تغتال السماء. وطلبت من مرافقى فى ذلك الوقت أن أزور مدينة صغيرة أو قرية مازالت تحتفظ بالتراث.. فأخذنى إلى مكان اسمه (الوكرة) كان له لسان طويل فى الخليج تصطف حوله مراكب صيد اللؤلؤ بخشبها المائل للون البنى، والذى عشقته المياه فملأته قبلات جعلته يتيه على أى مراكب أخرى، والتقطت عدة صور ثم نزلت إلى القرية الجميلة ذات البيوت المتلاصقة فى حميمية وذات أبواب تراثية مدهونة أحياناً باللون الأزرق لون بحر الخليج وأحياناً بلون الأخشاب.. كانت (الوكرة) قد احتفظت بأصالة صيادى اللؤلؤ، كانت المراكب متراصة كأنها حراس للشاطئ.. التقطت بعض الصور وجلست مع الأطفال أتحدث معهم عن حياتهم وألعابهم، ووجدت تشابهاً كبيراً بين تراثنا وتراثهم، وحينما عدت كتبت يوميات عنوانها (ساعة الغروب فى الوكرة). وفى الشهر الماضى سافرت إلى الدوحة بعد 23 عاماً من سفرتى الأولى، كانت السفرة للتحكيم فى إبداعات أطفال 13 دولة عربية، كان لديها الشجاعة لتشرك أطفالها فى المسابقة التى أقامتها إدارة الأسرة والطفولة بجامعة الدول العربية، التى ترأسها السيدة منى كامل.. وسافرت أحمل دهشتى وتعجبى لهؤلاء الأطفال وقد كتبت لكم عنهم سابقاً. الدوحة هى عاصمة الثقافة العربية لهذا العام.. ومنذ دخولى من باب الطائرة كنت كأننى فى بلاط سان جيمس بإنجلترا، الوجوه البيضاء والأسنان البيضاء والابتسامات المرسومة بعناية واللغة الإنجليزية للترحيب ولكل شىء، وتعجبت لماذا لا توجد مضيفات عربيات؟.. وأكملت الرحلة وابتلعت غربة الطائرة.. رغم أننى قلت للمضيفة: أنا عربية مصرية وأتكلم ثلاث لغات.. ووظيفتى ليست خدمة الناس فلماذا لا تتعلمين العربية؟ صدمتنى وقالت وقولها الحق: - لم يطلبوا منى تعلم العربية!! لم يكن هناك هذا الشرط فى الوظيفة، أما عن الفندق الذى نزلنا فيه فحدث ولا حرج فكنت كأننى فى الهند أحياناً أو فى بنجلاديش.. وفى حجرتى ازدادت الغربة ضراوة.. خدمة الغرف بالإنجليزية، العناية بالغرف بالإنجليزية، عاملة التليفون بالإنجليزية.. وتخيلت لو أن هناك نزيلاً لا يعرف إلا العربية وأصابه مكروه فلن يستطيع أحد إسعافه ولن يفهمه أحد إلا إذا (رقع بالصوت الحيانى وقال الحقونى!!). فى المطعم كدت أضرب عن الطعام حتى أنقذنى شاب لبنانى، وما أدراك ما أدب اللبنانيين ومقدرتهم على الضيافة، وسألته: - كيف حصلت على العمل وشرط العمل هنا كما يبدو فى قطر كلها اللغة الإنجليزية؟ فقال لى: - العمال الهنود والبنجلاديش والسيريلانكيون رواتبهم صغيرة جداً، ولكنهم يعيشون هنا كأنهم فى جيش، فهم يسكنون كل عشرة فى حجرة أو بالقليل كل ستة وهكذا يكفيهم الراتب، وهم لا يحضرون أسرهم معهم وكأنهم مسافرون لعمل فقط. وظللت طوال خمسة أيام أستعين باللبنانى حتى لا يقتلنى الاستفزاز.. كيف يكون الحال هكذا فى بلد عربى غنى ما شاء الله ولديه قنوات تليفزيونية تتكلف المليارات وتنافس ال«بى. بى. سى».. بلد غنى ما شاء الله بالبترول وعلاقاته القوية بالأمريكان. ولو فرضنا أن رواتب عمال الشرق الأقصى بسيطة فيمكن وضع شرط تعلم اللغة العربية أو على أسوأ الفروض يمكن فتح فصول بعد الظهر فى الدوحة لتعليم اللغة العربية. احتراماً لبلد عربى واحتراماً للغة العربية واحتراماً للشباب والأطفال فى قطر الذين يتعاملون مع كل هؤلاء. ثم إن العمالة العربية كثيرة جداً سواء من لبنان أو سوريا أو مصر أو السودان أو الجزائر أو المغرب! أنا أزعم أن أولى الأمر فى قطر لم يتنبهوا لهذا الخطر، إنه أمر خطير.. لقد رأيت أسراً قطرية تخرج بأطفالها فى المطاعم والفنادق والمقاهى.. ونحن طبعاً أمم لا تتنبه لأطفالها ولا تتابع تنميتهم، إنهم مثل الدمى التى نلعب بها ونعتقد أنها لا تفهم.. فقط نأخذهم فى أيدينا ونحن خارجون للنزهة. تمنيت أن يصل رأيى إلى أولى الأمر هناك فى قطر حتى لا يضطر أهل البلاد إلى تعلم اللغة الإنجليزية ليتعاملوا مع كل هؤلاء العاملين الذين يشكلون أكثر من نصف عدد السكان.. ثم لماذا لا يحسبون ما يوفرونه إلى جانب ما يفقدونه مقابل مجتمع عربى كل عمالته تتكلم الإنجليزية؟ لعل أحداً من العاملين فى مكتب الأمير فى الديوان الأميرى يستطيع أن يوصل هذه الرسالة أو آخر فى ديوان حارس قطر رئيس الوزراء ووزير الخارجية الشيخ جاسم أو أى بشر من حول الشيخة موزة حرم أمير البلاد والمعنية بأمور كثيرة فى الدولة. ولو أنى أشك فى ذلك لأن من الوظائف المهمة لكل من يعمل لدى أولى الأمر منا أن يخفوا عنهم أى شىء يعكر المزاج؟! وقبل أن أترككم أقول لكم إننى حينما طلبت من السائق المصرى أن يأخذنى إلى الوكرة لأراها بعد أن وجدت سماء الدوحة قد اغتالتها أعمدة الأسمنت الشهيرة بالأبراج فظننت أننى سوف أتنسم عبير التراث وصيادى اللؤلؤ فى الوكرة فقال لى لم تعد هكذا يا سيدتى لقد امتلأت بالفيلات والقصور يا دوب هناك مركب أو اثنان للزينة أو للذكرى فى زحمة يخوت الشيوخ سكان القصور، فالسياحة هنا عالية جداً، ودائماً ما يعجب السائح بقهوتنا وتراثنا ومراكبنا العتيقة الباقية من زمن ما قبل البترودولار الذى يحكم هنا.. ولنا لقاء مع تغريبة المصريين فى قطر. قبل الطبع التحية لوزير الصناعة والتجارة رشيد محمد رشيد.. لقد نالت مصر شرف التواجد العالمى فى محفل دولى مهم هو معرض شنغهاى الدولى بالصين.. فازت مصر بالمركز الرابع على أكثر من مائتى دولة وهذا نصر رائع أروع من «خناقات» كرة القدم. [email protected]