المنشاوي يشارك اجتماع المجلس الأعلى للجامعات برئاسة وزير التعليم العالي بالعاصمة الجديدة    توطين صناعة النقل في مصر.. إنتاج 100 عربة بضائع متنوعة و1300 أتوبيس وتوفير أكثر من 867 مليون يورو    الوادي الجديد تستعين بتجربة جنوب سيناء لتطوير العمل المؤسسي    وزارة الداخلية تمد مبادرة "كلنا واحد" وتوسع المنافذ استعدادًا لعيد الأضحى    وزير التموين يصدر حركة تنقلات موسعة تشمل 35 وظيفة قيادية في 13 محافظة    إدارة ترامب تدرس 3 خيارات عسكرية ضد إيران    الجمود فى لبنان سينتهى عندما يتم الحسم فى إيران    من قلب الحرب.. أربعة دروس أربكت العالم    رجال يد الأهلي| عبد العزيز إيهاب: التتويج بكأس مصر يعبر عن شخصية الفريق    وزير الشباب يلتقي رئيس الاتحاد الافريقي للجودو لبحث التعاون المشترك ونشر الرياضة    مصرع نائب رئيس بنك مصر إثر انقلاب سيارته على الطريق الإقليمى    الداخلية تضبط صانعة محتوى لنشر فيديوهات خادشة للحياء بهدف الربح بالإسكندرية    الداخلية تضبط شبكة لاستغلال الأطفال في التسول بالجيزة    المخرج محمد فاضل ينفي شائعات تعرضه لوعكة صحية    البورصة وتلاميذ ثانية ثانوى    شيخ الأزهر خلال لقائه سفير عمان: مستعدون لاستقبال وتدريب أئمة السلطنة    رجال على قلب رجل واحد.. لحماية مصر    حسن رداد: تصديق الرئيس على قانون العمل الجديد حقق العدالة بين أطراف العملية الإنتاجية    ارتفاع الصادرات وترشيد الطاقة    رئيس وزراء فلسطين يبحث مع شبكة المنظمات الأهلية الأوضاع في غزة    تأجيل محاكمة المتهم بقتل مهندس كرموز في الإسكندرية ل24 مايو لفحص تقرير اللجنة الثلاثية    المديرة الإقليمية لصندوق الأمم المتحدة: أكثر من مليونى شخص حياتهم مهددة فى لبنان    تحرك فوري لدرء خطورة مئذنة مسجد جوهر المعيني بالقاهرة    وزير الأوقاف يهنئ عمال مصر: «العمران ثلث الدين»    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : عم (على) " حكاية "!?    محافظ الدقهلية ومحافظ الشرقية يفتتحان مؤتمر الشرقية لأمراض الكلى بنادي جزيرة الورد بالمنصورة    عبدالرحيم علي: الاقتصاد الإيراني يخضع لحصار بحري مضاعف منذ تصعيد 2025    الإسكندرية الدولى للفيلم القصير من فعالية فنية إلى ظاهرة ثقافية    طريقة عمل كبدة الفراخ لغداء سريع التحضير واقتصادي آخر الشهر    مصطفى الشهدي يجري جراحة الرباط الصليبي الاثنين المقبل    فيلم إذما يطرح إعلانه الرسمي    الطقس غدا.. ارتفاع جديد فى الحرارة وشبورة صباحا والعظمى بالقاهرة 31 درجة    «صناع الحاضر وبناة المستقبل».. السيسي يشاهد فيلم تسجيلي في حفل عيد العمال    خالد الجندى: اختيار الأفضل فى الطاعات واجب شرعى    منافس مصر - "سلوك غير مقبول".. الاتحاد الإيراني يعلن منع وفده من دخول كندا قبل اجتماع فيفا    بتهمة التزوير.. تأجيل محاكمة موظفى الشهر العقارى بالبحيرة لجلسة 23 يونيو    محافظ الشرقية يشهد فعاليات القافلة الطبية المجانية بمركز شباب بردين    البورصة تخسر 4 مليارات جنيه في ختام جلسة نهاية الشهر    ليفربول يطلق تصويتًا لاختيار أفضل 10 أهداف في مسيرة محمد صلاح قبل وداعه المرتقب    غذاء وأدوية.. الهلال الأحمر المصري يطلق قافلة مساعدات جديدة إلى غزة    ضبط 8 أطنان دقيق في حملات مكثفة لمكافحة التلاعب بأسعار الخبز    موعد وقفة عرفات وعيد الأضحى 2026.. الحسابات الفلكية تكشف التفاصيل الكاملة    مسابقة جديدة بالأزهر للتعاقد مع 8 آلاف معلم لغة عربية    «الأعلى للإعلام» يستدعي الممثل القانوني لموقع إخباري لنشره حوارا "مفبرك" ل ضياء رشوان    رئيس الوزراء يقرر منح الجنسية المصرية ل 48 شخصًا    أوبلاك يشيد بالحكم ولا يتخوف من مواجهة آرسنال في لندن    يسري نصر الله: أحب أن تكون شخصيات العمل الفني أذكى مني    تحت رعاية وزارة الثقافة.. ليلة رقص معاصر تنطلق ب" كتاب الموتى" | صور    رجال طائرة الأهلي يواجه الفتح الرباطي المغربي في ربع نهائي بطولة إفريقيا    الصحة: فحص 2.127 مليون طالب بالصف الأول الإعدادي للكشف المبكر عن فيروس سي    قرارات استراتيجية جديدة لمجلس إدارة هيئة الرعاية الصحية | تفاصيل    تزامنا مع عيد العمال.. الأوقاف: العمل والسعي طريق بناء الحضارات    انطلاق الجولة الثامنة من مجموعة الهبوط بالدوري الأحد.. وصراع مشتعل للهروب من القاع    وزير «التخطيط» يبحث مع البنك الدولي تطورات إعداد استراتيجية الاستثمار الأجنبي المباشر    أميرة النشوقاتي: النساء العاديات مصدر الإلهام الحقيقي في «المقادير»    جيش الاحتلال: توقيف 21 سفينة من أصل 58 في الأسطول المتجه إلى غزة    الأرصاد تحذر: شبورة كثيفة وطقس متقلب اليوم الخميس على أغلب الأنحاء    يسرا ودينا الشربيني في العرض الخاص لفيلم The Devil Wears Prada 2.. صور    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



شمس من حجر.. ابتهالات الحجر وأشواق البنيان فى مسجد «قانى باى»
نشر في المصري اليوم يوم 12 - 09 - 2009

كما بدأت من ميدان القلعة «من أسمائه أيضاً الرميلة، وقره ميدان، وصلاح الدين» أعود. مسجد قانى باى الرّماح أمير آخور «أى أمير الخيل» وهذا منصب مهم شديد الحساسية، الخيل كانت القوة الضاربة للسلطان، توازى المدرعات الآن، وكان منصب أمير آخور من المناصب الكبرى، كذلك الإسطبل السلطانى كان يعتبر من أهم منشآت الدولة، عند وقوع ثورة كان التمكن منه والسيطرة عليه من أهم الخطوات التى تؤدى إلى زوال السلطان.
الاستيلاء على الإسطبل يعنى السيطرة على الخيول، أى القوة الضاربة، ومن خلال الحوليات مثل كتاب «بدائع الزهور فى وقائع الدهور» لابن إياس لاحظت أن الإسطبل كان مكاناً مختاراً لإعلان القرارات المهمة، وكان جلوس السلطان فيه يعنى قرب الإعلان عن أمر جلل. مما يؤكد مكانة الأمير قانى باى موقع الجامع، ليس لأنه فوق مرتفع فى الميدان، إنما لمواجهته القلعة والسلطان حسن، أصبح جزءاً من منظومة العمارة، التى تؤطر الميدان، أهم ساحات الدولة فى العصر المملوكى المستقل.
دائماً أتأمله، لابد أن يتوقف بصرى عند قبته الجميلة الموشاة بالزخارف، المماثلة لقبة السلطان قايتباى فى صحراء المماليك، أصعد الدرج المؤدى إليه، المدخل منمنم، كذلك جدران السبيل الذى يُعد جزءًا من الجامع، تعرض لدمار شديد، كذلك المئذنة التى تعلوه مميزة الشكل، إذ تنتهى برأسين، كلاهما، السبيل والمئذنة، أعيد ترميمهما بدقة عام 1939 بواسطة لجنة حفظ الآثار العربية التى أنقذت من الدمار معظم الآثار الإسلامية والقبطية واليهودية وجميع ما يمت إلى العصور الإسلامية فى مصر.
أتوقف عند المدخل، أستدير لأنظر إلى السلطان حسن من هنا، من هذا الإطار المحدد، مشهد فريد للقبة والمئذنة. تبدو القبة الخالية من النقوش كأنها شمس طالعة من حجر، من تكوين المدرسة المهيب، لاستدارة تلك القبة بالتحديد شبه قوى بقرص الشمس لحظة بزوغها، كأن الحجر فى حالة شروق بعد أن سواه المبدع المصرى وأدار حوافه ليتخذ هذا الشكل الفريد، للشمس فى الفن المصرى سواء كان فرعونياً أو قبطياً أو إسلامياً وضع خاص، منذ فجر الإنسانية شغل الإنسان فى وادى النيل بحركة الكون.
ومن خلال التأمل الذى استغرق آلاف السنين توصل إلى حقائق شكلت الرؤية الدينية المتكاملة التى أدركت أن هذا الوجود ليس عبثاً، وأنه فى حركة دائمة، جوهر الوجود حركة فلو توقفت لصار العدم، أحد مظاهر الحركة، الدوران، كل شىء يدور حول المركز، نواة الذرة تدور، الالكترون المكون لها يدور، الكوكب الذى نعيش فيه يدور حول نفسه ويدور حول الشمس والشمس حول المجرة والمجرة حول مركز الكون.
فى معبد أبيدوس يوجد بناء ملحق به تتوسطه بركة من مياه النيل، دائماً الماء فى أماكن العبادة، فى المعبد المصرى القديم البحيرة المقدسة ونرى نموذجاً لها مازال فى معبد الكرنك، فى الكنيسة البئر وطقس التعميد بالماء، فى المسجد تكون الميضأة فى المنتصف دائما «وجعلنا من الماء كل شىء حى».
فى المبنى الملحق بالمعبد ممر طويل جداراه عليهما نقوش وكتابة هيروغليفية، أحد هذه النقوش عبارة عن كرة دائرية، والدائرة رمز الوجود، الأفق دائرى، الشمس، القمر، كل ما يمت إلى الكون إلى الفلك إلى الوجود دائرى، والدائرة فى المفهوم القديم هى الشكل الأتم، فمن أى نقطة تبدأ وفى أى نقطة تنتهى، وقد تكون النقطة ذاتها للبداية وللنهاية معاً، أقف أمام هذه اللوحة وأتأمل وأفكر وأحاول أن أنظر بعينى المصرى القديم الذى كان يحاول أن ينفذ إلى ما وراء الظاهر، إلى ما وراء الواقع.
الدائرة تحيطها يدان. يدان فقط لا نرى اتصالا لها بجسد له رأس وصدر وقدمان، يدان تنبثقان من المجهول وتحيط كل منهما بجانب من الدائرة وكأنهما تمسكان بها، غير أنه مجرد لمس، هاتان اليدان رمز للقوة المحركة الخفية التى لا يمكن لأحد أن يدرك بدايتها أو نهايتها، فى مقبرة رمسيس السادس رسم مماثل، هنا يجب التنبيه أن اليدين ورسوم الأشياء الواقعية من أشجار وأزهار وطيور وحيوانات ليست مقصودة لذاتها، بل تعد رموزاً لدلائل خفية تكمن وراء الظاهر، كان الإنسان يحاول خوض مغامرة روحية لاكتشاف ما يكمن وراء هذا الوجود العابر المؤقت مهما طال، لعل قرص الشمس من أوضح الرموز فى الفن المصرى القديم.
وقد انتقلت الدائرة إلى الفن الإسلامى المصرى، دائما ستواجهنا الشمس، دائما سنراها، سواء كانت واضحة جلية مثل الشمس الإخناتونية على مدخل السلطان حسن والتى توقفت عندها من قبل، أو نصف الدائرة المنبعث منها الأشعة فوق أبواب المساجد المملوكية، أو تلك الماثلة بالرمز فى الأشكال الدائرية التى تواجهنا أينما تطلعنا فى العمارة الإسلامية، دائماً كان الفنان المصرى يبتهل أثناء عمله للخالق، لتلك القوة الخفية، كان المصريون القدماء يطلقون كلمة (آمون) على الإله.
وآمون تعنى الخفى، ومنها جاءت كلمة آمين التى تختتم بها الصلوات فى الديانات الثلاث، دائماً كان التطلع إلى أعلى حيث الشمس والقمر والنجوم، دائماً كان هناك حرص من الإنسان المحدود بوجود معين على أن تكون له صلة باللا محدود، بالباقى، الأزلى، ولو اطلعنا على النصوص المصرية القديمة المقدسة لأدركنا الذهول من التشابه مع الكتب المقدسة خاصة فيما يتعلق بوحدانية الله، تلك المسلات التى كانت تنصب أمام المعابد أعتبرها إشارات إلى أعلى، أشواق من حجر تنتهى بهريم صغير، رأسه نقطة عندها ينتهى كل شىء وينتهى كل شىء أيضاً، إنها ذروة التطلع، الإشارة إلى الخالق، وليس برج الكنيسة أو مئذنة المسجد إلا إشارات إلى أعلى، إلى اللامتناهى.
المئذنة محاولة للإشارة إلى أعلى إلى المركز، إلى خالق الوجود كله، والأصل فى ذلك المسلة، هذه الرمزية سأتوقف أمامها مطولاً. فكم من أمور مادية نراها أمامنا قد نتجاوزها ولا ندرك ما وراءها، كم من أمور لن ندركها حتى انغلاق دوائرنا وإدراكنا التمام.
مرات عديدة دخلت مسجد قانى باى الرّماح. أهو نمنمة الزخارف ونقوش القبة والمئذنة ذات الرأسين، سموقها البادى، لم أفكر قط فى هيئة قبة السلطان حسن والمئذنة من هنا، من داخل الباب المؤدى إلى صحن قانى باى. من هذه الزاوية بالتحديد التى أدركتها صدفة وأنا ألتفت إلى السلطان حسن عند دخولى، أدركتنى دهشة المفاجأة فكدت أصيح من فرادة المشهد. تبدو القبة وكأنها نحت، هذا عمل فنى يحاكى استدارة الوجود والكواكب، لكن.. هل الأمر صدفة؟
حقاً، أهى الصدفة التى ترتب هذا المشهد من تلك الزاوية؟
لا أظن، هنا نصل إلى خاصية تميز المدينة القديمة فى مصر، وفى العالم الإسلامى بشكل عام، لكن الظاهرة هنا أكثر تركيزاً ووضوحاً، إذا وقفت فى ميدان القلعة فإننى لا أدرى بماذا سيتعلق البصر الحسير، بماذا بالضبط؟
بأسوار القلعة المطلة على مراحل، وباب العزب، أم بمسجد محمد على عثمانى الطراز المهيمن على القلعة كلها وعلى أفق القاهرة، موقع غاية فى الذكاء، أكاد أوقن أن وراءه محمد على شخصياً، الموقع رمز للهيمنة على الأفق فهو أبرز المساجد المصرية فى الأفق القاهرى. صحيح أنه يوجد ضريح ومسجد بدر الجمالى أمير الجيوش فوق المقطم، لكنه ليس جزءاً من تكوين، أقرب إلى أضرحة الأولياء والصوفية منه إلى ضريح ومسجد وزير قوى أرمنى الأصل أنقذ الدولة الفاطمية إلى حين من أخطار الثورة القرمطية والفتن الداخلية وأنشأ سور القاهرة الذى لاتزال أجزاء منه قائمة حتى الآن.
مسجد محمد على سيطر على القلعة التى كان يعيش فيها ستة آلاف إنسان فى العصر المملوكى الأول، وكانت تشبه مدينة صغيرة، بل إن بعض الرحالة الأوروبيين بهروا بمساحتها ومبانيها والأشجار المزروعة فيها، مسجد محمد على صار أبرز علاماتها، إذا ما ذكر أحد القلعة يمضى الذهن مباشرة إلى المسجد، كذلك البصر المتطلع سواء من تحت، من الميدان، أو من الداخل، ويظل المسجد مهيمنا حتى عند الابتعاد عنه، من المشاهد المهيبة فى القاهرة، تلك التى تجمع بين مسجد محمد على فى المقطم شرقاً، وأهرام الجيزة فى البر الغربى وإن كانت العشوائيات الخرسانية تكاد تخنق ما تبقى من هضبة الأهرام الآن. هذا المشهد يمكن رؤيته من أى عمارة مرتفعة قائمة على ضفتى النيل ما بين كوبرى قصر النيل وكوبرى الجامعة.
مسجد محمد على مركز، غير أنه جزء من منظومة تتوالى ويتلو بعضها بعضا، إن العين لتتجه إلى قانى باى الرّماح إلى المحمودية، وتلوح قبة ضريح الزعيم مصطفى كامل ومدخل درب اللبانة، منظومة متكاملة يصعد فيها لحن قوى من موسيقى العمارة توقفنا أمامه من قبل مطولا، السلطان حسن وفى مواجهته الرفاعى، المهندس الأعظم الذى كون هذه المجموعة هو الزمن،
لقد أقيم كل منها فى فترة تسبق أو تلحق الأخرى، لم يكن هناك تصميم شامل للميدان، لكن المصمم المصرى لم يكن يبدع فى فراغ، إنما كان يضع فى اعتباره العمائر الأخرى، وإلا بماذا نفسر هذه المواجهة المعمارية بين السلطان حسن والقلعة، بين مسجد محمد على والسلطان حسن؟ لأن العالم فى أعماق المصرى المؤمن لا يقوم على فوضى، إنما كل شىء فيه بقدر مدبر لا يوجد أكمل مما خلقه الله، فإن عنصر التنسيق بين الأشياء، بين ما أوجده الله فى الطبيعة وما أبدعه الإنسان قائم،
لذلك نشعر من الميدان أن جبل المقطم جزء أساسى من المشهد، عنصر مكمل وليس نشازاً، لكن فى عصرنا تقوم كارثة خرسانية لتقلب المشهد، إنه ذلك المجمع الرهيب الذى ينمو كوحش سرطانى متحديا كل المقاييس الخاصة بمكان ظل لمئات السنين بهذا التكوين إلى أن بدأت الاختراقات بمساكن شعبية قبيحة فى الأبجية، ثم تسللت مجموعات من البثور العشوائية فوق المرتفع المطل على القلعة إلى أن أطلت هذه الكارثة الخرسانية التى بذل منشئها كل جهد ممكن بقوة المال، ثم رحل تاركاً هذه المصيبة التى لا أدرى إلى متى سوف يستمر ارتفاعها، ولا أدرى أيضاً كيف يسمح بمواصلة البناء، مركز مالى فى مقبرة، رحم الله صاحب الفكرة وسامحه على ما فعل، وهدى الأحياء من أصحاب النفوذ إلى إصلاح هذا الوضع النشاز!
كل بناء فى الزمن القديم يضع فى اعتباره الآخر، ما يسبقه وما يليه، يبدو ذلك واضحا فى تتابع المساجد وما يفصل بينها من مسافات، كذلك الأسبلة والزوايا والبيوت، ولعل هذه الظاهرة تتضح تماماً فى شارع المعز لدين الله الذى أرجئ الحديث عنه الآن.
لندخل إذن إلى صميم مسجد قانى باى الرّماح الذى منحنا هذه الزاوية النادرة للميدان، لمسجد السلطان حسن، الذى حول القبة إلى شمس من حجر، مثل كل المساجد المصرية لا ندخل مباشرة إلى الصحن، نخطو عبر ممر مكشوف متصل بالسماء، الاتصال هنا رمزى، ووظيفى، رمزى مثل العمارة المصرية الصميمة التى يحرص مصمموها على الاتصال بالكون.
وظيفى لتيسير الإضاءة والتهوية يمكننا أن نرى المئذنة ذات الرأسين من الممر، نرتقى درجة، نجتاز الباب إلى الصحن، نقف فى مواجهة أربعة إيوانات، غير أن ما يلفت النظر القبة التى تعلو إيوان القبلة وهذا وضع غير معتاد، أتأمل الدوائر الداخلية بها، ثلاث، ثلاث نوافذ على محيطها البادى، هنا لابد من تذكر ملاحظة تكونت عندى من معايشتى لمسجد قايتباى، وقجماس الإسحاقى (أبوحريبة) ثمة تشابه فى الزخارف فى الرؤية المعمارية. هنا لابد أن ندرك ارتباط العمارة بالعصر، فى زمن السلطان قايتباى بدأت مصر تتضعضع اقتصادياً.
لقد ظهر الفرنجة فى المحيط الهندى والبحر الأحمر، وبالتحديد البرتغاليون، ظهر طريق جديد لتجارة التوابل والحرير، وكانت هذه التجارة تمر بمحطات رئيسية منها مصر، حيث تنزل فى السويس ثم تنقل إلى الإسكندرية بالجمال أو القوارب من بولاق ومن الثغر إلى فينسيا، كانت هذه البضائع من أهم مصادر الدخل للخزانة المصرية، مع اكتشاف طريق رأس الرجاء الصالح بدأت البضائع تقل، وبدأت العائدات تشحب، انعكس ذلك على الحياة الاقتصادية للدولة للبلاد والعباد،
هكذا بدأ زمن الصروح العظمى يولى، لم يعد ممكنا إنشاء مسجد فى مساحة وعظمة السلطان حسن، هنا بدأ الفنان المصرى معماريا كان أو نقاشا فى إنشاء مساجد ومنشآت صغيرة حجماً، لكنها غزيرة، ثرية بالإبداع سواء كان نقشاً أو خطاً، أو نوافذ تستقطر الضوء وتحيله إلى مكوناته الأولى، هكذا أرى مساجد هذه الحقبة التى انتهت بسقوط الدولة المملوكية أمام غزوة سليم الأول فى مرج دابق شمال حلب، وتلك هزيمة أسبابها داخلية وخارجية، لكنها داخلية أولاً وتكاد تكون متطابقة مع هزيمة يونيو التى تمتد آثارها حتى الآن، فالعصر المملوكى لم ينته بعد بقيمه وتقاليده.
دقة فى البنيان وثراء فى الزخرفة، الحقيقة أننى أمقت مصطلح (زخرفة)، زخرفة تعنى أن هذه الأشكال مجردة لملء فراغات، هذا أبعد ما يكون عن الواقع، هذه الأشكال عبادة، إيمان، تعبير عن رهافة وشعور راق بالخالق سبحانه وتعالى، ألا نرى الطبق النجمى المحشو بالعاج والأبنوس يتكون من اثنتى عشرة أو أربع وعشرين ريشة، أقرب إلى شكل حجر الظران، الذى كان يستخدم للصيد،
كما يلاحظ المفكر المصرى حامد سعيد، وإن كنت أرجح الأصل الهرمى لهذا الشكل، فالهرم فلسفة وإيحاء، إن رؤوس هذه الريش المثلثة تتجه نحو مركز، نحو نقطة محددة، ومن خلال هذا الاتجاه يبزغ ما يشبه النجم حول المركز، دائما الاتجاه صوب مركز، هذا ليس شكلاً مجرداً، هذا ليس ملء فراغ بخطوط مهندسة، إنما هذا ابتهال، هذا سعى، هذا خطو فى طريق يزيد الإنسان قرباً من الله سبحانه وتعالى، من هنا تأتى رمزية الفن الإسلامى المصرى الذى لا يمكن تذوق أسراره إلا بعد فك رموزه.
الآن لنا أن نسأل: من هو قانى باى الرماح؟
اسمه قانى باى قرا، كان مملوكاً للملك الأشرف قايتباى فأعتقه وألحقه بعدة وظائف، إلى أن رقاه أمير عشرة، أى أميراً على عشرة فرسان وكان ذلك فى سنة 898ه- 1493 ميلادية، ثم أصبح أميراً لحلب وكان ذلك من الوظائف رفيعة المكانة، ثم عاد إلى مصر وتزوج ابنة الأمير يشبك من مهدى، نلاحظ هنا أن اسم صهره يشبك ثم يلى الاسم من مهدى، أى أنه كان مملوكاً لمهدى، واصل قانى باى الرّماح الترقى، فأصبح أميراً لمائة، ثم مقدم ألف وهذه أعلى رتبة للأمراء وكان صاحبها يسمى الألفى، تذكر كتب التراجم أنه كان شجاعاً، اشتهر بالفروسية ولعب الكرة من فوق ظهر الخيل المعروفة بالبولو لذلك سموه الرماح، أنشأ مسجداً آخر بالناصرية، توفى إلى رحمة الله يوم الجمعة 26 ربيع الأول سنة 921 ه (1515م) ودفن بقبة هذا المسجد.
خلال معايشتى للمساجد أحاول قراءة الخطوط المحفورة على الجدران وفهم وتذوق جمالياتها، الكتابة على الجدران عنصر مصرى سحيق القدم، وفى هرم أوناس بسقارة «الأسرة الخامسة الدولة القديمة» توجد كتابة محفورة على الجدران عرفت باسم متون الأهرام، واستوحيت الاسم كعنوان لروايتى التى تدور حول عمارة الهرم ومعناه، إنه النص الوحيد الذى رأيته من آثار البشرية القديمة الذى جسد لى معنى الكتابة، تلك الحروف المحفورة فى الجدران منذ حوالى خمسة آلاف عام، ولندرك أن مصر هى التى اخترعت الكتابة، دائما أقول:لنتخيل الإنسانية بدون كتابة، كيف كان سيبدو العالم، اختراع الكتابة أول خطى الإنسانية على درب الإيمان واكتشاف الخالق.
على الباب الرئيسى
«أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة من فضل الله المقرّ الأشرف العالى المولوى السيفى قانى باى أمير آخور كبير أعزه الله تعالى».
على قبو الإيوان الغربى نقرأ بين نقوش مذهبة ما نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر».. إلى قوله تعالى «المهتدين». صدق الله العظيم، أمر بإنشاء هذه المدرسة المباركة المقرّ الأشرف الكريم العالى المولوى السيدى السندى الذخرى العضدى الكريمى الكبيرى السيفى قانى باى أمير آخور كبير الملك الأشرفى أعز الله أنصاره بمحمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كبيراً».
داخل تجويف آخر نقرأ
«بسم الله الرحمن الرحيم يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون» صدق الله العظيم.
باب القبة مغطى بمقرنصات ومكتوب على جانبيه قوله تعالى:
«بسم الله الرحمن الرحيم ادخلوها بسلام آمنين»
يعلو ذلك سطر مكتوب فيه
«اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة فى الدارين»
على سطح القبة الفريدة نقرأ
«بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو الحى القيوم».. أمر بإنشاء هذه القبة المباركة المقرّ الأشرف الكريم العالى السيفى قانى باى أمير آخور كبير الملكى الأشرفى»
عند عقد المحراب، فوقه نقرأ
«بسم الله الرحمن الرحيم، قد نرى تقلب وجهك فى السماء»
تحت المقرنصات إفريز كبير عليه ما نصه:
«بسم الله الرحمن الرحيم، وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً.. إلى آخر الآية» صدق الله العظيم.
«أمر بإنشاء هذه القبة المباركة المقرّ الأشرف الكريم العالى المولوى الأميرى الكبيرى السيدى السندى الذخرى العضدى المالكى المخدومى السيفى قانى باى أمير آخور كبير الملكى الأشرفى بتاريخ مستهل شعبان المكرم عام ثمان وتسعمائة».
هنا أتأمل الخط، لا.. ليس هذا خطوطاً مجردة، هذه ليست ابتهالات إنما هى أشواق البنيان وابتهالات الحجارة، على مهل أبدأ طريق العودة قاصداً مسجد المحمودية، المحطة الأخيرة فى ميدان القلعة قبل أن أولى وجهى إلى عمارة الخلاء ودروب القاهرة ولحظاتها.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.