أوروبا التى خاضت دولها حروباً شرسة بينها وبين بعضها، أوروبا التى تتكلم لغات متعددة، أوروبا التى خاضت حروباً دينية بين بعض دولها، أوروبا هذه تخطو منذ منتصف القرن الماضى خطوات ثابتة نحو تكاملها بل أتجاسر وأتجاسر وأقول نحو وحدتها. وقد بدأت أوروبا هذا الطريق الثابت المتصاعد بمعاهدة روما 1957 التى وضعت أساس التكامل الاقتصادى الأوروبى، وفى نفس العام بدأت بذور البرلمان الأوروبى. وكانت البداية بين ست دول أوروبية ووصلنا الآن إلى سبع وعشرين دولة هى أعضاء الاتحاد الأوروبى حالياً. وهناك علامات مهمة على هذا الطريق لعل من أهمها سقوط جدار برلين أواخر عام 1989 ثم سقوط الاتحاد السوفيتى عام 1991 وانفراد أمريكا بسقف العالم فى المرحلة التى عرفت بمرحلة العالم أحادى القطب والتى استمرت حتى بدايات القرن الحالى الذى يشهد ميلاد مرحلة الأقطاب المتعددة فى العالم والتى يتأكد معها أن دول الاتحاد الأوروبى ستكون واحدة من أهم هذه الأقطاب. ويجب أن ندرك أن دول الاتحاد الأوروبى لا تتبنى كلها السياسة ذاتها والتوجه ذاته وإنما توجد داخل الاتحاد اختلافات فى الرؤى والتوجهات. ولكن هذه الاختلافات لا تعطل المسيرة وإنما يجرى التغلب عليها عن طريق الحوار والمفاوضات وحل المشاكل خطوة خطوة. وهذه علامة من علامات التحضر. الحوار بدلاً من الشجار. المفاوضات بدلاً من الاشتباكات. كذلك فإنه ليست كل الدول الأوروبية على نفس الدرجة من التطور خاصة بعد أن اتسعت الدائرة ودخلت دول أوروبا الشرقية إلى حظيرة الاتحاد وغالبية هذه الدول لاتزال تعانى مشاكل اقتصادية وسياسية ولكنها تسعى للتغلب عليها لحاقاً بركب المتقدمين. ومن الواضح أن ألمانياوفرنسا وإيطاليا وإسبانيا والمملكة المتحدة «بريطانيا» هى القوى الرئيسية فى الاتحاد مع التسليم بتفاوت الأوزان حتى بين هذه الدول الخمس. وواضح أن ألمانياوفرنسا - داخل الاتحاد - هما اللتان تدفعان نحو مزيد من مظاهر الاتحاد بل نحو الفيدرالية الأوروبية فى حين أن المملكة المتحدة (بريطانيا) تريد أن تحتفظ بسيادتها وهويتها وإن وافقت على كثير من صور التكامل (وليس الاتحاد). ومع أن فرنساوألمانيا تقفان فى الجانب الذى يريد أن يسرع خطوات الاتحاد نحو الفيدرالية فإنه يوجد بين الدولتين اختلاف فى بعض التوجهات. فرنسا تتجه بنظرتها إلى مزيد من التعاون مع دول جنوب البحر الأبيض المتوسط وألمانيا ترى أن الاتحاد يجب أن يبقى أوروبى الهوى والاهتمام. ولكن كل هذه الاختلافات لا تعرقل خط السير ولا تنال من الاتجاه الأساسى نحو مزيد من التقارب والتكامل والاتفاق. ويرى كثير من الباحثين الأوروبيين أن رياح العولمة التى هبت على العالم من الجانب الغربى للأطلنطى دفعت الدول الأوروبية إلى مزيد من التقارب والتكامل. ويرى كثير من هؤلاء الباحثين أن القوى الغالبة داخل الاتحاد تدفع نحو الوحدة السياسية وضمور السيادة الداخلية للدول ذلك على حين أن القوى المعوقة لهذه المسيرة هى قوى تنتمى إلى الماضى وليس لهذه القوى من خيار إلا أن تذوب فى التيار العام أو أن تبقى جامدة وينتهى بها الأمر إلى نوع من العزلة. وأذكر أن مشروع الدستور الأوروبى الذى أوكل للرئيس الفرنسى السابق جيسكار ديستان إعداده - ومعه مجموعة من أساتذة القانون الدستورى - كانت إحدى العقبات الرئيسية فى إقراره أواخر القرن الماضى هى مشكلة سيادة الدولة. ومازلت أذكر أن أحد هؤلاء الأساتذة - رنيه شيرو - ناقش معى ذلك الموضوع - موضوع السيادة فى الدستور - نقاشاً مطولاً أبديت فيه وجهة نظرى التى ترى أن فكرة السيادة المطلقة كما أوجدتها معاهدة «وستفاليا» أخذت فى التراجع بعد التطورات التى شاهدها التنظيم الدولى بعد الحرب العالمية الثانية وها نحن نصل الآن إلى رجحان تلاشى سيادة الدول لصالح الاتحاد الأوروبى الذى يضم هذه الدول والذى يراد له أن يخاطب العالم بصوت واحد ومؤسسات واحدة. وقد كنت الأسبوع الماضى فى باريس لأحضر جلسة محكمة التحكيم الدولية هناك ورأيت كيف تعج الحياة العامة فى فرنسا - وفى أوروبا كلها - بالحديث عن المؤسسات الجديدة داخل الاتحاد الأوروبى التى يراد لها أن تصل إلى أن تكون أوروبا وحدة واحدة فى علاقاتها بالعالم حولها سواء فى ذلك الولاياتالمتحدةالأمريكية أو الصين أو غيرهما من دول العالم. إنهم الآن يتحدثون عن «رئيس» للاتحاد وجرى حديث عن تونى بلير، ليكون أول رئيس لكنه استبعد ومازال الأمر محل بحث ونقاش وسيحسمه التصويت الذى يريدون له أن يصل إلى نوع من التوافق. ليس هذا فحسب وإنما يجرى البحث فى استحداث مؤسسات جديدة إما تطور المؤسسات القديمة، أو تحل محلها أو تضاف إليها. ومعروف أن المؤسسات الحالية للاتحاد الأوروبى هى: مجلس الوزراء، مجلس رؤساء الدول، الهيئة التنفيذية، البرلمان الأوروبى، محكمة العدل الأوروبية، ويقترح الآن وفقاً لمقترح سويدى أنه قبل نهاية أبريل 2010، يوجد رئيس دائم ينتخب كل فترة - خمس سنوات - ليرأس الاتحاد ويمثله وأن يوجد ما يشبه أن يكون وزير خارجية واحد للاتحاد يتحدث باسمه فى الشؤون الدولية والعلاقات مع العالم ويشرف على أجهزة الاتحاد الأوروبى الخارجية والتعاون الدولى والمساعدات الاقتصادية والمساعدات الإنسانية وحفظ السلام الدولى وإدارة الأزمات. من الناحية النظرية تقول «الفيجارو» إن هذه الأجهزة يمكن أن تجعل من الاتحاد الأوروبى منظمة أقوى من الأممالمتحدة نفسها. المهم دون الدخول فى تفصيلات لم تحدد بعد فإن أجهزة الاتحاد الأوروبى مشغولة بأن توجد هذه الأجهزة قبل أول مايو 2010 أى بعد ستة أشهر من الآن. والتساؤل هنا. لماذا استطاعت أوروبا أن تخطو هذه الخطوات العملاقة رغم ما بين دولها من تباينات وصراعات سابقة؟ نجحت أوروبا فى سلوك هذا الطريق لأنها اعتمدت مسلكاً عقلانياً مستنيراً يعتمد على أمرين: البنيان الديمقراطى الداخلى لكل دولة والمنهج العلمى فى حياة هذه الدول، وكذلك فإن الحوار هو وسيلة تخطى العقبات وحل المشاكل. أحد عناوين «الفيجارو» يوم 30 أكتوبر 2008 هو «صوت واحد لأوروبا فى مواجهة العالم»، وهم فعلاً يتخذون الوسائل الجادة لتحقيق ذلك. هذا هو ما تفعله أوروبا التى اقتتلت دولها اقتتالاً مريراً لقرون طويلة، أوروبا التى تتكلم لغات متعددة وتستند إلى أصول عرقية مختلفة. فماذا فعلنا نحن العرب؟ العرب الذين ينتمون إلى أمة واحدة. العرب الذين لم يقتتلوا كدول إلا فى ذلك العدوان «الغبى» الذى اقترفته العراق ضد الكويت والذى كان نقطة فاصلة فى الحياة العربية. العرب يزدادون فرقة وتشرذماً كل يوم ومن ثم يزداد هوانهم وضعفهم فى مواجهة العالم الذى لم يعد يعرف غير الكيانات الكبيرة القوية. هل سنستيقظ يوماً من الأيام؟ عندما تسترد الشعوب إرادتها وعندما تسود أنظمة حكم ديمقراطية فى الدول العربية يكون ذلك بداية الطريق نحو التقدم والمنعة والقوة. قل إن شاء الله.