إلى أين يهرب المصريون؟ أكتب المقال ثانى يوم مباراة الجزائر، وأنا سعيد ومنتش وفرحان ومعى كل المصريين، فى مصر وخارج مصر. أنا أسأل نفسى: ما سر هذه السعادة التى أشعر بها أنا وكل المصريين؟ يا سبحان الله، الكل اتحد، الكل نسى مشاكل الحياة، المرور وحش مش مشكلة، التعليم قنبلة مقدور عليه، المياه ملوثة نستحملها، الضريبة العقارية ظالمة، وإيه يعنى، آثار مصر، تاريخنا يريدون الاتجار به، وأنا مالى، أنفلونزا الخنازير تحاصرنا، قدر ومكتوب. المصريون لا يرون كل هذه المشاكل بالأمس واليوم وحتى يوم الأحد، هذا هو سر جمال المصريين، هم حمالو الأسية، هم الذين تحملوا الاستعماريين، هم الذين يسكتون على أكاذيب السياسيين، كل هذا مُسح من الذاكرة، خلايا الذاكرة لدى المصريين ليس فيها شىء وحش، كله جميل وكله وردى بعد مباراة الجزائر ونصر مصر الكاسح. قبل هذه المباراة، لو سألتك: إزاى الحال، وكيف الأحوال، وإيه الأخبار، هل تعيش عالمين، عالم مقرف ومقبض لا تحبه وهو أيضاً لا يحبك. أم أن لك عالماً وردياً فل الفل وسعيد بيه، وراضى بحالك وكافى خيرك شرك أو شرك خيرك، اختر ما يعجبك؟ أم أنك قد اختلقت عالماً افتراضياً تهرب له عندما تتقفل فى وشك، أو تتسدد السكك؟ أمامك إجابات متعددة، ممكن تقول يا سيدى «سيبنى فى حالى» هوه أنا ناقصك، أو تقول يا عمى خيال إيه وأحلام إيه وافتراضى إيه، فأين هذا الطريق الذى قد أفر إليه، فأوجاع الحياة من أمامى والحكومة من خلفى. حضرات القراء واقع المصريين يقول إنهم يعيشون عالمين: عالم قبل انتصارات كرة القدم وهو كالمشى على السلك، خطوة غلط وتقع على طول وتنكسر رقبتك، وهو عالم ليس بينه وبينهم عمار، فمن شعبطة مواصلات، إلى تحرش جنسى فى كل مكان، ومن موظف يفوت علينا بكره، يسد نفسك ويكرهّك فى الحياة أو شوية موظفين قرفانين من أنفسهم، كارهين المكتب وقذارته، طهقانين من رئيسهم. موظف الكهرباء يهتم بقرف الناس، وعندما يذهب لموظف المياه يطلّع روحه، وأخونا بتاع الميه إذا ذهب لدفع فاتورة التليفون يلعّبه على الشناكل، كله يلاعب كله، كله يقرف كله، وكله يستمتع بتعذيب كله، الناظر لا يحترم المدرس، ووكيل الوزارة يهين الناظر، ووكيل الوزارة يقف زنهار مرعوش أمام الوزير. دائرة مفرغة يعيشها المصريون، ومن الواضح أنهم لن يخرجوا منها. فهناك عِشرة (بكسر العين) مع كل ذلك. حضرات القراء دائماً أسأل نفسى عندما كنت وزيراً للرياضة والآن: ما سر الرياضة وكرة القدم بالذات مع المصريين؟ هل هى العالم الافتراضى الذى يهرب له المصريون، هل هى الهواء النقى والمياه النظيفة التى لا يجدها المصريون؟ هل هى السمكة التى يفرح بها الدولفين، وكقطعة السكر التى يتسابق بسببها الحصان، والجزرة التى يحبها الأرنب، وقطعة الجبن التى يضحى الفأر بحياته من أجلها، والغزال الذى يجرى وراءه النمر والأسد حتى ينقطع نفسه، وهل هى الترقية التى يحلم بها الموظف؟ ما سر كرة القدم مع المصريين؟ هل هى كالأفيون، أم هى المخدر الذى يهدئ أعصاب المصريين، هل ولد المصريون وكرة القدم تجرى فى دمائهم، أم هى الشىء الذى يُنفس (بضم الياء) فيه المصريون عن هذا الكبت والحرمان الذى يعيشونه، ما هذا الفوز الذى يبعث الحياة فى المصريين، ما هذا الحب الذى ينزل فجأة وبالهبل لبلدهم مصر، ما سر هذه الأعلام التى يتسلح بها المصريون، هل هذا العلم هو الحضن الذى يبعث الحنان والدفء لديهم، أم هو الساتر الذى يمنع عنهم صعوبات الحياة التى يعيشونها، ولماذا كرة القدم؟ لماذا لم يخرج المصريون عندما حصل نجيب محفوظ والرئيس السادات وأحمد زويل على جائزة نوبل، لماذا لا يخرجون فى احتفالات نصر أكتوبر مثلما يخرجون الآن؟ إذن هناك سر خاص، هناك كيمياء بين المصريين وكرة القدم خصوصاً أيام النصر. وقد يرى كثيرون أنها هى الديمقراطية التى يبحثون عنها، أو هى حق من حقوق الإنسان التى لا يستطيع أحد أن يقترب منها، ففيها حق الحديث وحق الكلام وكثير من الحرية. حضرات القراء طيب حضرتك قارن بين مريض لا يجد ثمن الدواء، أو لا يجد قيمة العلاج بالمستشفى، وبين كرة تصطدم بالعارضة ولا تدخل المرمى.. أى الحسرتين أشد؟ حقيقى.. حقيقى كرة القدم هى عالم المصريين وحلمهم، قد لا يحلم المصرى لنفسه ولكنه يحلم بالحصول على الكأس اليوم الأحد. فى كرة القدم المصريون يسهرون ولا ينامون، يستنفرون ولا يهدأون، يضحكون ولا يبكون، يتحدون ولا يختلفون، هل لدى المصريين شيزوفرينيا، أى انفصام فى الشخصية؟ نعم، وماله، كل واحد ينام على الجنب اللى يريحه، وكل واحد يروح للى بيحبه، والقط مايحبش إلا خناقه، اتنين بيخنقوا المصريين: الحكومة وكرة القدم. بصراحة أحلى حاجة أن تخنقنا كرة القدم وليس الحكومة. مشاعر ■ الوزير أنس الفقى وزير الإعلام.. بعد إهمال دام سنين للقناة الرابعة جميل ما يقوم به الوزير من تجديدات للمبانى وللمعدات الفنية، ولكن متى يقوم بزيارة على الطبيعة ليرى ويتابع ما يتم على الطبيعة... على فكرة سمك الإسماعيلية هو الأفضل من كل أسماك سواحل مصر. ■ يبدو أن الملك لم يستيقظ والهضبة لم ينزل من أعلى، حسن شحاتة المدير الفنى للمنتخب الوطنى.. أحسن مدرب فى تاريخ القارة الأفريقية كأس الأمم الأفريقية صناعة مصرية.. فريق مصر أعاد فريق الجزائر إلى أرض الواقع. ■ جدو.. لاعب منتخب مصر.. ضرب رقماً غير موجود فى تاريخ كأس الأمم الأفريقية.. لاعب احتياطى يسجل فى 111 دقيقة هى كل مشاركاته فى البطولة أربعة أهداف ليصبح هداف البطولة، موهوب، معجزة، حظ دُعاء الوالدين... كل دُول على بعض. ■ إيتو نجم الكاميرون.. بعد تسجيله هدفاً فى مرمى تونس، شاهدنا على الكاميرا ما كتبه على شارة الكابتن Dieu Est Grand، أى الله أكبر.. وزميله رفع يافطة أخرى عن المسيح عليه السلام، هل ما تم يعتبر تمشياً مع ركعة السجود للمصريين أم أن الاتجاه الدينى أصبح مسيطراً على هذا الجيل من لاعبى كرة القدم. ■ اللواء حبيب العادلى.. يحيرنى ويعجبنى عندما أراه فى النادى يمارس رياضته الساعة الخامسة والنصف فجراً، المعروف أن رجال الشرطة يعملون حتى الثالثة صباحاً.. كيف ينظم عمله ورياضته بهذه الدقة، نرجو أن يطبق ذلك على بعض ضباط الشرطة خاصة ذوى الأوزان الزائدة جداً. بدون مشاعر تعيين ممثلى الأحزاب فى الشورى «تربح سياسى» «التربح السياسى» هل هناك تربح سياسى كما أن هناك تربحاً مالياً؟ نعم من المؤكد أن هذه المقولة صحيحة. يقوم النظام السياسى المصرى على نظام التعددية الحزبية وهو ما يعنى تنافس الأحزاب القائمة للوصول إلى السلطة. تنافس الأحزاب فى الدول الأخرى شىء وفى مصر شىء آخر، هناك تنافس فعلى وهنا تنافس نص نص أو ربع ربع أو لا تنافس على الإطلاق، هنا تعاون ومحبة وإخوة والعين لا تعلو على الحاجب وزيتنا فى دقيقنا. الحزب الوطنى الحاكم يرشح رؤساء وقيادات الأحزاب المعارضة ويصدر الرئيس القرار الجمهورى بتعيينهم فى المجالس التشريعية «مجلس الشورى». وهو ما لا يوجد فيه نص صريح لا فى الدستور ولا فى القوانين. فى العالم الغربى من شمال أوروبا وفى ألمانيا النظم السياسية تسمح بما يسمى بالائتلاف بين الأحزاب «COOLITION» ولكن ائتلاف عن ائتلاف يفرق هناك يتم بين أحزاب خاضت المعارك الانتخابية وحصلت عى عدد من المقاعد الانتخابية. هناك ائتلاف تنافسى وهنا ائتلاف تعاونى يتم دون مجهود ودون تعب ودون أن يعرضوا على الشعب المصرى. حضرات القراء ولأن ما يتم غريب ويخالف القواعد السياسية المتفق عليها فى دول العالم الديمقراطية لذلك فهو يثير تساؤلات كثيرة منها: ■ كيف يثق الشعب فى حزب لم يفكر فى أن يعرض نفسه عليه وبالتالى لا يشعر به. ■ لماذا يتعب قيادات الحزب أنفسهم فى خوض انتخابات غير مضمونة العوائق والتعيين فى متناول اليد. ■ ماذا يقول شباب الحزب عن قياداتهم الذين غرسوا فى أذهانهم أن الهدف الرئيسى للحزب هو الوصول للسلطة من خلال الانتخابات. ■ هل تضاؤل وجود هذه الأحزاب فى الشارع سببه أن الحكومة والأمن تضع العوائق فى طريقهم أم أنهم استحلوا التعاون اللذيذ مع الحزب الوطنى وكفى الله المؤمنين شر القتال. ■ لماذا يتم التعيين لأحزاب معينة دون الأحزاب الأخرى. الدكتور رفعت السعيد عن التجمع، الدكتور أسامة الغزالى حرب عن حزب الجبهة الديمقراطية، محمد سرحان عن حزب الوفد. أين ممثلو الأحزاب الأخرى مثل الحزب الناصرى وحزب مصر والأحزاب الصغيرة الأخرى. هل هناك رضا عن هؤلاء وعدم الرضا عن الآخرين. ■ فإذا كان الديكور الديمقراطى يستدعى وجود هؤلاء فلماذا يتم تعيين القيادات الكبيرة فى الحزب الوطنى أمثال الدكتور على الدين هلال والدكتور محمد كمال والدكتور مصطفى علوى وغيره كثيرون.. هل مبرر التعيين هو لمنازلة قادة المعارضة الذين يرى الكثيرون أن أداءهم طيب وأمير ولا يتناسب مع قدراتهم الشخصية. فالدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع وهو خبرة سياسية كبيرة ومثقف ومصلح اجتماعى كبير يرى الكثيرون أن أداءه السياسى لا يتناسب مع هذه القدرات وأن أداؤء كان يمكن أن يكون أكثر قوة لو كان قد جاء بالانتخاب وليس بالتعيين. ويبدو أنه داخل الشورى شىء وفى الحوارات الصحفية والتليفزيونية شىء آخر. فى حواره مع «المصرى اليوم» قال بعد أحداث نجع حمادى إن على المسيحيين فرض عضويتهم على الحزب الوطنى بالجزمة. وتعبير الجزمة ليس جديداً فهو لم يخرج عن الأدبيات السياسية الحديثة فى مصر فى استخدام هذه الكلمة، حدثت بين مرشد الإخوان السابق والنائب الغول، حدثت تحت قبة مجلس الشعب، حدثت فى مباراة الأهلى والزمالك، منه لله الصحفى العراقى الذى قذف الرئيس بوش بالحذاء. وأنا هنا لا أطلب تفسيراً من الدكتور رفعت عن أسباب استخدامه هذه الكلمة وهل هى طق حنك أو بق كلام ولكن سؤالى هو كيف يفعلون ذلك؟ وأنا فى انتظار تفسير سياس من الدكتور رفعت إذا كان قد قالها فعلاً، ثم كيف يقدم هدية مجانية للحزب الوطنى بتشجيع انضمام الإخوة المسيحيين للحزب المعارض له، ولماذا لم يحاول استقطاب بعضهم خاصة الذين لا يرضون عن موقف الحكومة من قضاياهم. عزيزى القارئ سألنى أحد الشباب، هل هذه المواقف وهذه التعيينات وقبولها تعتبر نوعاً من أنواع التربح السياسى. ثم سألنى هل هذه هى الديمقراطية، ولماذا نفعل ما لا نرى مثيلاً له فى العالم. ربما ستكون إجابتى هى: يا عزيزى مصر هى أم العبر وأم البدع، ويا عزيزى فى كثير من أمور السياسية عليك ألا تسمع، وألا ترى وألا تتكلم، وإذا فرض عليك الكلام قل: والله ما أنا فاهم حاجة. وقل أيضاً: لا تعليق. وأنا أقول لك «انكتم أحسن لك»