في كل دول العالم ، تمر الاستحقاقات السياسية ولاسيما الاستفتاءات بسلاسة وسلام ودون ان توضع تفاصيلها الطبيعية تحت المجهر العملاق الذي يضخم كل حدث ويجعل الخطأ جريمة فادحة والتجاوز خرقاً جسيما. لكن الاستفتاء في مصر يحاسب من قبل المراقبين والمتابعين الدوليين حساباً عسيراً لايترك هامشاً تقديرياً للظروف التي تمر بها البلاد فرأينا تجسيماً لكل موقف عابر وتضخيماً لكل حادث بسيط وتأويلاً لكل ممارسة أحاطت بالاستفتاء . عالمياً، متوسط الإقبال الشعبي علىالاستفتاءات يراوح نسبة الأربعيناتولا يتجاوزها كثيراً . عرف مقبول لا يستوقف الميديا ولا دوائر المتابعة الدولية ولا ينال من سلامة الاستفتاء، بل قد تنال الدول المديح والتقدير على استفتاءات من هذا النوع. وحدها مصر مطلوب منها أن تنجح بتفوق عبقري. أن لا يعتد باستفتاءاتها إلا إذا تجاوزت نسبة الإقبال 70 بالمئة وألا تعتمد نتيجتها إلا إذا أبدت الميديا العالمية رضاءً عنها . لكن الميديا العالمية هذه المرة قررت أن ترى بعين السخط وأن تبدي المساوئ وتغفل عن الإيجابيات. بعضها، خاصة الأمريكية والأوروبية أغرقت في التفاصيل وأصدرت أحكاماً منذ الدقائق الأولى للاستفتاء. لم يكن قد مضت ساعتين على بدأ الاستفتاء مثلاَ حين أوردت إحدى الشبكات في تقاريرها أنباء عن مخالفات وخروقات في حين كانت الصفوف تمتد أمام اللجان لمئات الأمتار في نظام وهدوء. مع ذلك فثمة الكثير من الملاحظات الجديرة بالنظر في مجريات الاستفتاء على الدستور: • أثبتت المرأة المصرية جدارتها للمرة الألف بالتعبير العملي والحاسم عن رغبتها وقدرتها على المشاركة السياسية الفعالة. أغلب الصفوف التي امتدت أمام لجان الاستفتاء شغلتها سيدات من مختلف الأعمار. وقفن بلا كلل ولا ملل بل بحماس ملحوظ لمنح أصواتهن. لا يهم كثيراً إن كانت أصواتهن مع أو ضد هذه النسخة من الدستور. ما يهم حقاً هو الشعور والقناعة التي تتجلى من خلال هذا الإقبال بأن الشأن السياسي أصبح شأنا عاماً لا يحتكره الرجال. مضى هذا الزمن وبزغ زمن جديد ترسم المرأة المصرية ملامحه بوقفتها الجليلة أمام صناديق الاقتراع. • يفسر البعض هذا الإقبال من السيدات بأنه استجابة لدعوة الفريق السيسي للمرأة المصرية أن تحتشد ومعها أسرتها للمشاركة في الاستفتاء. ولكن الحق الذي لايجوز أن نتجاوزه أن السيدات أبدين هذا الالتزام والحماس والشعور بالواجب نحو بلدهن في كافة الاستحقاقات الانتخابية التي حفلت بها السنوات الثلاث الماضية. • لم تكن المرأة وحدها في صفوف الاستفتاء، بل متوسطي وكبار السن من الرجال أيضا نثلوا الكتلة الرئيسية من المصوتين. هل يشعر هؤلاء بحكم السن والخبرة بالمسؤولية على نحو أكبر؟ هل يحركهم الخوف على مستقبل بلدهم؟ هل هم أكثر يقيناً بأهمية المضي وفق خارطة الطريق باعتبارها السبيل للخروج بمصر بسلام؟ • هذه الأسئلة مطروحة للنقاش تقدمة لملاحظة أخرى لم تغب عن أذهان المتابعين وهي ضعف إقبال الشباب وصغار السن على الاستفتاء. كنا قد تجاوزنا في أعقاب الثورة الاعتقاد الذي لازمنا لعقود عن عزوف الشباب ( وخصوصاً الذكور)عن المشاركة السياسية وامتناعهم الاختياري عن الانخراط في فعالياتها. وشكلت ثورة 25 يناير بداية جديدة لعلاقة سليمة بين الشباب والسياسة وفكرة المواطنة نفسها. فماذا يعني هذا الارتداد إلى حالة العزوف والانزواء؟ هل هو يأس من جدوى المشاركة بعد الإخفاقات التي انتهت إليها الاستحقاقات السابقة؟ هل هو رفض للدستور؟ هل هي مقاطعة للاستفتاء تضامنا مع المقاطعين؟ هل هو احتجاج على الأحكام التي صدرت بحق بعض الناشطين السياسيين؟ أزعم أن الاختفاء الملحوظ للشباب من صفوف الاستفتاء هو أخطر الملاحظات على مجريات الاستفتاء. وهو أمر جدير بالدراسة والتدقيق الجاد لأنه ببساطة ودون تنظير يعني أحد أمرين: إما أن الشباب يؤمن أكثر بأن التغيير لن يتم عبر الصناديق بل بالاحتشاد الاحتجاجي والعنفي في الشوارع والميادين. وإما أننا نرتد لحالة خمول مرشحة للتزايد بالنظر إلى أن الشباب هم الأغلبية وهم الكتلة الأساسية لبنية المجتمع خلال عقد من الآن.وكلا الأمرين ينذر بمخاطر لابد من الانتباه إليها. الاستفتاء مر بنجاح رغم الظروف الاستثنائية والعصيبة التي أحاطت به وهذه شهادة لمصر رغم كل شىء ولكنه أيضاً كاشف لأوضاع لابد من الانتباه إليها. لابد من استعادة الشباب.