هل بدأ انقسام الشارع من يوم الاستفتاء أم من يوم جمعة الغضب الثانية التي قاطعها الإخوان؟ التنازل عن العناد هو الذي ينقذنا من شرور أنفسنا.. فيتوقف بني الليبرال عن المطالبة بالدستور أولاً ويتوقف بني أمية عن التعجيل بانتخابات مجلس الشعب لأنني لست مؤرخا ولم أكن أبدا دقيقا في أحوالي الخاصة فلست قادرا بطبعي وطبيعتي علي الاحتفاظ بالتواريخ المحددة لبداية أحداث معينة اللهم إلا إن كانت تواريخ يعرفها العامة والخاصة وكل دابة علي الأرض مثل 23 يوليو أو5 يونية أو 6 أكتوبر أو25 يناير، ولذلك لا أعرف علي وجه الدقة متي بدأ انقسام الثوار إلي فريقين، الفريق الأول هو فريق بني أمية( نسبة إلي أصحاب نظرية الاقتصاد الريعي والمرابحة من أول السلفيين أصحاب اللحي الطويلة والأثواب القصيرة مرورا بالإخوان أصحاب نظرية مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وانتهاء بالجهاديين ومؤيدي أسامة بن لادن) والفريق الثاني هو فريق بني ليبرال (نسبة إلي الليبرالية بمفهومها الواسع الذي يضم أنواعا من البشر تبدأ من أنصار التطور الرأسمالي المبهورين بالغرب مرورا بالليبراليين الجدد أنصار الشرق أوسطية المؤمنين بكل قيم العولمة وتنتهي بالناصريين والأحزاب الاشتراكية التي لا تذكر كلمة اشتراكية في أدبياتها وكأنها رجس من عمل الشيطان كارل بن ماركس). المهم لا أريد أن أطيل عليكم ولا سيما أن أحد أصدقائي أرسل ابنه بالجريدة الأسبوع الماضي ليقول لي "" بابا بيقولك خد جورنالك وهات الجنيه" لا لجرم ارتكبته سوي أن المقال تجاوز حاجز الكلمة وحين عاتبت الأب قال " هوه احنا فاضينلك.. عايز تكتب.. اختصر وخلص وهات م الآخر" متي بدأ الانقسام أقول إنني لا أعرف متي بدأ الاستقطاب الحاد الذي جعل شركاء الثورة ينقسمون قسمة تكاد تودي بالثورة نفسها وتعيدنا إلي سيرتنا الأولي، ربما يكون ذلك قد بدأ بالاستفتاء، أو منذ جمعة الغضب التي قاطعها معظم الإخوان والسلفيين واتهموا كل المشاركين فيها بالعلمانية والعداء للشعب تصريحا و للدين تلميحا، وربما يكون الاستقطاب قد بدأ منذ أن حاصر الإخوان المصريين جميعا في" شعب أبي طالب" وقرروا عدم مصاهرتهم باعتبار الإخواني أولي بالإخوانية أو العكس، لا أذكر.. ألم أقل أنني غير دقيق، أو ربما كما يقال في الجانب الآخر أن عدوي الإسلاموفوبيا قد انتقلت إلي بني ليبرال وبني عِلمان (نسبة للعلمانية) عبر قراءتهم للكتب الغربية الاستشراقية الملوثة بإشعاعات الخوف من كل ما هو إسلامي، المهم الآن أننا وصلنا إلي لحظة الذروة (الأزمة) في الحدوتة ولم يعد أمامنا إلا " الحل" والحل عندي ليس سوي احتمالين لا ثالث لهما إلا تدخل الجيش ليتولي الحكم في المرحلة القادمة وهو ما نفاه المجلس الأعلي مرارا وتكرارا، الاحتمال الأول أن يظل أصحاب "الدستور أولا" وأصحاب "الانتخابات أولا" متمسكين بموقفيهما وتستمر الهوة في الاتساع، لاسيما أنني ألاحظ أن مؤتمرا يعقده هذا الجانب يتم الرد عليه بمؤتمر يعقده الجانب الآخر، وبيان يصدر هنا يتبعه بيان هناك، وتقديري أنها موقعة جمل أخري ولكن باستخدام " السوفت وير" مش الطوب و " الهارد وير" لا مؤاخذة" لكن الفرق أن المعركة الأولي(موقعة الجمل) كانت بين الحق والباطل وانتصر الحق وزهق الباطل بحمد الله، ولكن المعركة الحالية بين بني أمية من ناحية وبني ليبرال" من ناحية أخري هي بين جانب من الحق يري أنه كل الحق وجانب آخر من الحق يري نفس الشيء، وظني أنها لو استمرت دون إدراك مسئولية اللحظة التاريخية التي نعيشها فإنها ستنتهي بهزيمتنا جميعا وعودة " الباطل" مرة أخري وساعتها سنجد أنفسنا نرفع لافتات مكتوب عليها " آسفين يا باطل" " حقك علينا يا باطل" وكل أنواع اللافتات التي سنستوردها بالغلا والكوي من ميدان "مصطفي محمود" العناد لا داع أما الاحتمال الثاني _وهو في تقديري ما يمكن أن ينقذنا من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا_ فهو أن يتنازل الطرفان عن عنادهما، فيتوقف بني ليبرال (وأنا معهم رغم أني قومي وعندي حساسية من الليبرالية) عن المطالبة" بالدستور أولا" ويعلنون قبولهم لنتيجة الاستفتاء الغريب والعجيب (معلهش.. تنزل المره دي) وفي المقابل يقبل بني أمية تأجيل الانتخابات لإعطاء الفرصة لكي تتشكل أحزاب الشباب الجديدة لأن الشباب هم صانعو الثورة ولا يعقل أن يتم حرمانهم من جني ثمار ما صنعوه بأيديهم وبدمائهم ويجلس الطرفان معا ويتراضيان علي مشروع للدستور تحدد مبادئه العامة بمنتهي الجدية والدقة وطبعا سوف أستبعد نفسي لأن طريقة كتابتي لهذا المقال لا ترشحني بالمرة ولا تجعلني جديرا بثقة أي طرف من الطرفين، و بعد ذلك أقترح أن يخرج الطرفان ببيان مشترك للشعب المصري يعيد الثقة في الغد الأفضل الذي حلمنا به جميعا بغض النظر عن انتماءاتنا الأيديولوجية والدينية. أقترح أيضا_ بما أنني مواطن محترم وأتمتع بالجنسية المصرية حتي الآن علي الأقل _ أن يتم التوافق والتراضي علي عدة أسماء تترشح للرئاسة، علي أن تكون تلك الأسماء لشخصيات عامة محبوبة ومحترمة من قبل الجميع وبعيدة عن الانتماءات الأيديولوجية ويتعاهد الطرفان علي دعم تلك الشخصيات وعلي عدم تأييد المرشحين ذوي الأيديولوجيات الواضحة ليس تقليلا من شأنهم ولا استبعادا لهم ولكن لأن مصر الآن في حاجة لمن يجمع كل أبنائها وبعد عدة سنوات من الاستقرار والديموقراطية ستكون كل مدرسة فكرية قادرة علي إقناع المصريين بمشروعها لنهضة مصر وسأفتخر كيساري بالإخوان المسلمين وبمشروعهم الذي سيشكل إضافة لبلادي تماما كما سيفتخرون بمشروعنا لأنهم سيكونون أكثر إدراكا لحقيقة أننا كلنا إخوان في الوطن، إذ إنه في ظني لا مستقبل لمصر إذا لم نشهد ما شهدناه في ميدان التحرير وفي كل الميادين في أيام ثورتنا المجيدة من وحدة الهدف والمصير.