يُعيد الشعب المصري في هذه اللحظات كتابة تاريخه، بل أقول كتابة تاريخ العالم بأكمله، إذ تُضيف الأحداث الجارية صفحات جديدة في تاريخ علم الثورات، وربما سيذكر التاريخ في المستقبل أن أهم الثورات التي شهدها العالم الحديث هي: الثورة الفرنسية والثورة السوفيتية والثورة الإيرانية وأخيرًا الثورة المصرية التي يومًا بعد يوم تُغيِّر من مجريات التاريخ. ومن أهم نتائج الثورة المصرية هذا الفشل الذريع الذي مُنيت به جماعة الإخوان المسلمين بعد وصولها إلى الحكم، الذي لم تكن تستطيع الوصول إليه إلا بالاستفادة من ثورةٍ شعبية كبيرة بحجم الثورة المصرية. وليس سرًّا أن مراكز البحوث العالمية تطرح على نفسها الآن سؤالا في غاية الأهمية وهو: لماذا خسر الإخوان إذ كان الرهان في السنوات الأخيرة على هذه الجماعة كبديل طبيعي وتلقائي للأنظمة الديكتاتورية شبه العسكرية التي حكمت معظم العالم العربي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؟ وأتذكر الآن نقاشًا مهمًا دار على مائدة الغداء بيني وبين بعض الزملاء المؤرخين من جمهورية البوسنة، ومن المغرب الشقيق، حيث سألني المؤرخ البوسني عن وضع التيار الإسلامي بعد الانتخابات البرلمانية في مصر، فذكرت له الاكتساح الكبير لهذا التيار، ووجدت هذا المؤرخ يغرق في ضحكةٍ طويلة مُرددًا: “,”لا تخف، كان هذا هو حالنا بعد انتهاء الحرب الأهلية ولكن وصول التيار الإسلامي إلى الحكم هو أولى خطوات سقوط هذه الأسطورة“,”، ورَّد عليه زميلنا المغربي مؤيدًا لكلامه قائلاً: “,”نفس الشيء في المغرب الآن يحدث، وصل الإسلاميون إلى الحكم وعلينا أن نرى كيف يتغير الخطاب الوعظي ليصبح فعلاً سياسيًا على الأرض“,”، ساعتها أيقنت أن جماعة الإخوان بوصولها إلى الحكم هي في محنة كبيرة تضع تاريخ الجماعة كله على المحك، وانتهى ثلاثتنا إلى القول بأن المستقبل القريب سيحمل متغيرات مهمة في بنية المجتمعات العربية والإسلامية. وبالفعل صدقت النبوءة وفشل الإخوان في تجربة الحكم الديمقراطي فشلاً ذريعًا وسريعًا، لم يكن يتوقعه أحد حتى أعدى أعدائهم، فلم يمض عام على وصول مرسي إلى الحكم إلا وبان للجميع أن النهاية قد اقتربت وأن التاريخ سيطوي هذه الصفحة، ولكن لماذا هذا الفشل الذريع والسريع؟! في الحقيقة وصل الإخوان إلى الحكم، وهم في أضعف لحظاتهم، رغم ما حاولوا أن يروجوا له من أنهم القوة الوحيدة على الأرض، وصل الإخوان إلى الحكم بنفس أيديولوجية الجماعة التي طرحها المرشد الأول “,”حسن البنا“,” في الثلاثينيات والأربعينيات وهي أيديولوجية “,”توفيقية“,” تجمع بين الكثير من المتناقضات، أيديولوجية “,”تعبوية“,” تتناسب مع طبائع هذه الفترة وأزمة سقوط الخلافة وصعود التيارات الفاشية والنازية، ولكن انتهت الحرب العالمية الثانية وتغير العالم وتبدلت الأيديولوجيات وتجمدت جماعة الإخوان عند أيديولوجية حسن البنا، ولم نشهد طرحًا جديدًا يناسب عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية وعالم حركات التحرر الوطني وظهور ما سُمي آنذاك بالعالم الثالث، كل ذلك والجماعة حبيسة جدران أفكار الثلاثينيات والأربعينيات. وحتى عندما تم تطوير أيديولوجيتها في الستينيات على يد “,”سيد قطب“,” جاء ذلك عكس حركة التاريخ، ودخلت الجماعة في نفقٍ مظلم للعديد من السنوات. ومع السبعينيات ظهرت بوادر أمل جديد مع تغير ظروف محلية وعالمية ووصول مرشد متفتح إلى حدٍ ما مثل “,”عمر التلمساني“,” ومجموعة من الشباب كُتِب على أيديهم إعادة إحياء الجماعة من جديد، لكن الجماعة ظلمت نفسها وظلمت مصر عندما دخلت في صدامٍ حاد وعنيد مع نظام السادات، وانتهى بها الأمر إلى العيش في كنف المصطلح الغريب “,”الجماعة المحظورة“,”. وسقط نظام مبارك وتصورت الجماعة المحظورة أن الحلم الذي انتظرته طويلاً قد تحقق، لكنها في الحقيقة وصلت إلى الحكم بأيديولوجية عتيقة هي أيديولوجية الثلاثينيات والأربعينيات، فكيف تدخل بها في عصر العولمة والمعلوماتية؟! وسيطر أكثر الأجنحة تطرفًا “,”التيار القطبي“,” على صناعة القرار داخل الجماعة، وعلى الرغم من أن ثورة 25 يناير كانت ثورة الشباب نحت الجماعة جانبًا شبابها، حسب مبدأ السمع والطاعة، وتقلد أمورها مجموعة من العواجيز الذين لا يزالون يعيشون في الماضي، فكيف لهم أن يواجهوا ثورة الشباب؟! وأصيبت الجماعة بحالة من تصلب الشرايين نتيجة هذه القيادة العجوز الشمطاء ولم تستطع أن تقدم فعلا، بل هي دائمًا في مجال رد الفعل؛ إذا أنشأت المعارضة “,”جبهة الإنقاذ“,”، انشأت الجماعة “,”جبهة الضمير“,”، وإذا خرج الشباب بفكرةٍ رائعة مقتبسة من التاريخ المصري وهي فكرة “,”تمرد“,” خرج عواجيز الفرح برد فعل غريب تحت اسم “,”تجرد“,”! وهكذا كان الحال الذي ظهر بشكلٍ جلي في لغة الخطاب السياسي للرئيس مرسي وتحدث بلغة العصور الوسطى “,”الحق أبلج والباطل لجلج“,”، خطاب يتحدث فيه عن البنت التي تُهين رئيس الجمهورية الذي هو في مقام أبيها، متحدثًا عن العيب في إهانة “,”الشيبة“,”، ومتحدثًا عن “,”الشرعية“,” بينما الجماعة تصرفت من قبل بمنطق أبعد ما يكون عن الشرعية عندما حاصرت المحكمة الدستورية. الفشل الذريع كان في تصور الجماعة أنها تستطيع أن تحكم بأيديولوجية الثلاثينيات والأربعينيات بينما نحن في القرن الحادي والعشرين، نست الجماعة أن المرشد الأول “,”حسن البنا“,” كان من الشباب، لكنها حكمت مصر وبعد ثورة 25 يناير “,”ثورة الشباب“,” بقيادةٍ عجوز شمطاء، نست الجماعة أن الشعب يريد الحرية والديمقراطية، بينما هي تريد حكم مصر بجماعةٍ ضيقة الأفق مغلقة على نفسها ما تزال تعيش في عصر ما قبل الديمقراطية.