سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.
ناجيات بذاكرة مثقلة.. خنساء أحمد تروي حكاية فرارها من جحيم السودان تحت القصف وبين الجثث.. "الحلفايا" جسر العبور من الحياة إلى الموت.. والدعم السريع قتلت الصائمين في نهار رمضان
لم تكن السيدة خنساء أحمد تتخيل أن يومًا عاديًا في حياتها المهنية كمحامية سيتحول إلى بداية رحلة هروب من الموت بعد اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، حيث حاولت التوجه إلى مقر عملها في الخرطوم، لكن أصوات الرصاص ودوي المدافع كانا أعلى من أي محاولة للاستمرار في الحياة الطبيعية، فالمعارك كانت في ذروتها، والوصول إلى المكتب بات مستحيلًا. اندلاع الحرب في السودان منزل خنساء في الحلفايا بعد تدميره تستهل خنساء رواية معاناتها باستدعاء ذكريات مثقلة بالجراح، قائلة " في 15 أبريل 2023 خرجت بسيارتي بصحبة صديقتين وزوج واحدة منهن وكنا في طريقنا للخرطوم وبعدما وصلنا لكوبري بجوار جامعة الخرطوم فجأة قطع طريقنا ثلاثه عربات من قوات الدعم السريع وأمروني بألا أعود إلى الحلفايا حيث أقطن. تواصل خنساء سرد حكايتها ل"البوابة نيوز" موضحة أن الحلفايا التي كانت تعيش فيها عادت سريعا إلى العصور الوسطى بعدما انقطعت الكهرباء والمياه والاتصالات، وتحولت الشوارع إلى ساحات قتال مفتوحة ومع تواصل الاشتباكات دون توقف، لم يعد البقاء خيارًا بعد اندلاع الحرب في منتصف أبريل 2023. وقالت "في شهر رمضان، اتخذت قرارًا قاسيًا بالرحيل من الحلفايا إلى أم درمان هربًا من الموت، وكان الطريق الوحيد يمر عبر كوبري الحلفاية، ذلك الجسر الذي صار فخًا مميتًا؛ شرقه تسيطر عليه قوات الدعم السريع، وغربه الجيش السوداني، وبعد يومين من الانتظار، جاء أحد المعارف بسيارته، محذرًا أن "العبور شبه انتحار"، لكن لم يكن هناك بديل. دمار مدينة الحلفايا جسر الحلفايا تعرضت مدينة الحلفايا لدمار واسع بعدما سيطرت عليها قوات الدعم السريع، وحينما استعاد الجيش السوداني في سبتمبر 2024 السيطرة عليها افتضح الوضع المأساوي فيها. فالخراب يسكن المدينة بعدما هجرها أغلب أهلها والمساكن مدمرة والأنقاض تنتشر في الشوارع إلى جانب غياب الخدمات الأساسية مثل المياه والكهرباء والشبكات أو انعدامها تمامًا بعدما ضربت محطات الكهرباء. وأضافت خنساء "خاطرت ومن معي بأرواحنا وحاولنا العبور لتعترضنا عناصر من الدعم السريع للتفتيش، وبعد تجاوزنا الحاجز، اصطدمنا بحقيقة أقسى، وهي رائحة الموت تملأ المكان، وجثث القتلى مكدسة على الكوبري"، وفي نهار رمضان أطلقت قوات الدعم الرصاص على بعض المدنيين الذين كانوا يمنحون المياه والأكل للعابرين للإفطار. وكان هذا العبور في وقت هدأت فيه الاشتباكات بين الجيش والدعم، إلا أنها عادت فجأة، وتواصل المحامية السودانية رواية تفاصيل المأساة "اندفعنا بالسيارة مسرعين، وكأننا نخرج من عنق زجاجة، أو ننجوا من سمّ الخياط، لنصل أخيرًا إلى حي بيت المال في أم درمان، لكن المفاجأة أنه لم يكن ملاذًا آمنًا، فما هربنا منه بالحلفاية لاحقنا في "بيت المال" فلا كهرباء، ولا مياه، والاشتباكات العنيفة لا تتوقف خاصة مع قرب الحي من مبنى الإذاعة السودانية. واستطرت السيدة خنساء قائلة "مع اقتراب قوات الدعم السريع، اتخذت القرار الأصعب، بمغادرة السودان لتبدأ رحلة الخروج إلى مصر والتي كانت معاناة أخرى، حيث تسللنا من بيت المال نحو معبر أرقين، وركبنا أتوبيس تكدس بعشرات الأسر وكثيرا منهم لا يملكون أوراق ثبوتية، تحت شمس حارقة، يرافقهم نساء وأطفال ومرضى وكبار سن تتجاوز أعمارهم إلى تسعين سنة". وعند الوصول إلى معبر أرقين فوجئوا بمئات الحافلات التي تنتظر انتهاء الإجراءات للولوج إلى مصر، وبعدما داعبها الأمل أخيرا بالخروج من الذعر إلى الآمان اصطدمت بعقبة أخرى حيث اضطرت أن تكمل الرحلة بمفردها بعدما فشل عمها في الخروج لعدم امتلاكه أوراقا ثبوتية وكان مثله الكثير فتفرقت أسر، وضاعت عائلات، وتضاعف الألم ليعود بعضهم إلى منطقة دنقلا. معبر أرقين معبر أرقين كان معبر أرقين، الذي افتتح في 2016 أمل الفارين من ويلات الحرب في السودان، ويبعد مسافة 850 كيلومترًا شمال الخرطوم، على الضفة الغربية لنهر النيل، وتستغرق الرحلة من المعبر إلى أسوان نحو 3 ساعات. وفي بداية الحرب أنشأ الهلال الأحمر المصري، مركز خدمة إغاثي إنساني عبر معبر أرقين الحدودي، لتقديم الخدمات للنازحين، التي تشمل الدعم النفسي والأدوية والوجبات الغذائية الخفيفة، ووسائل الاتصال بين العابرين، خلال المعبر، من مختلف الجنسيات وبين ذويهم. الدخول إلى مصر وأوضحت السيدة خنساء أنها دخلت إلى مصر يوم 26مايو 2023، بعد أربعين يوما من اندلاع الحرب في السودان، تاركة ورائها زوجها وأولادها وأخواتها. وتقطن خنساء في مدينة فيصل بمحافظة الجيزة حيث يعيش الكثير من العائلات السودانية التي قصدت مصر بعد اندلاع الحرب، ولكن لم تنتهِ المعاناة فالغربة ثقيلة، والواقع غامض، حيث تعيش مع أحد أقاربها، بينما تتوالى الأخبار المفجعة. اللاجئون السودانيين في مصر أكدت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن مصر أكبر دولة مضيفة للاجئين السودانيين، حيث استقبلت أكثر من 1.5 مليون سوداني منذ اندلاع النزاع. وأوضحت المفوضية في تقرير منشور على موقعها الإليكتروني نهاية يونيو 2025 أن اللاجئين السودانيين يشكلون نحو 73 في المائة من إجمالي اللاجئين وطالبي اللجوء المسجّلين لدى المفوضية في مصر، مما يعكس حجم أزمة النزوح في السودان ومدى التضامن الذي أبدته مصر في توفير الملاذ الآمن لهم. تكشف خنساء أن عمها الذي حاول الخروج معها من السودان وفشل نتيجة عدم امتلاكه أوراقا ثبوتية عاد إلى دنقلا ليتوفى فيها بعدما أصيب بجلطة فيما دمر منزلها في الحلفاية وأصيب شقيقها بالرصاص ونهبت وسيارتها كما نُهبت بيوت كثيرة على يد قوات الدعم السريع، بكل ما فيها من أجهزة ومتعلقات وذكريات. وأوضحت أن رغم خروجها من السودان، إلى أنه لم يكن خروجا سالما بعدما تركت أصوات القصف أثرها في جسدها؛ حيث أصيبت بضعف في العصب السمعي استدعى عملية جراحية، لم تتجاوز نسبة نجاحها 50%، فرفضت إجرائها، لتعديش بندبة الحرب التي لا يعرف نهاية لها. تختم خنساء حديثها بصوت مثقل: "ما حدث لي هو حال آلاف السودانيين.. فقدنا بيوتنا، وأماننا، وبعضنا فقد روحه هذه ليست قصة واحدة، بل وطن كامل ينزف".