تُليت الصلوات والأمنيات بمزيج من الرهبة والحذر والأمل بأن يكون العام المقبل أقل قسوة وأكثر رحمة بالأطفال، هكذا كانت أمنية «البابا فرنسيس» الزعيم الروحى ل2.1 مليار كاثوليكى فى العالم الذى احتفل لتوه بعيد ميلاده الثمانين. أمام أكثر من عشرة آلاف شخص فى ساحة القديس بطرس فى روما خلال قداس عيد الميلاد، تحدث «البابا» عن «البساطة الحساسة للأطفال حديثى الولادة، ونعومة لفافاتهم»، قائلا: «هنا يكمن الله». لكن دعونا ندعو للأطفال الذين هم اليوم بلا مأوى ملىء بحنان الأم والأب، والذين هم فى ظروف دنيئة، فى ملجأ تحت الأرض، على أرصفة مدينة كبيرة، فى الجزء السفلى من قارب ملىء بالمهاجرين. وتابع: «اسمحوا لنا أن ندعو للأطفال الذين لا نسمح لهم بالولادة»، فى إشارة إلى عمليات الإجهاض. «ودعا الحبر الأعظم الكاثوليك إلى التفكير بالأطفال الذين يبكون لأن لا أحد يسكت جوعهم، وأولئك الذين لا يحملون ألعابا فى أيديهم، بل أسلحة». من كل قلبه تمنى البابا أن يرحل العام بدموع الأطفال، وأن يأتى العام المقبل وسط البهجة والفرح، وتمنى ألا يرى مرة أخرى دموعهم ودماءهم التى تصدرت الصورة القاتمة للعالم فى السنوات الأخيرة. وطالب بابا الفاتيكان فرنسيس، الكاثوليكيين فى العالم بإظهار الرحمة للأطفال ضحايا الحروب والفقر، فى حين انتقد بشدة طغيان المادية والتمحور حول الذات فى احتفالات عيد الميلاد. وعن سوريا، قال البابا: «إن الكثير من الدماء سفكت خلال هذا الصراع»، مضيفا: «على المجتمع الدولى العمل بشكل جدى للتوصل إلى حل تفاوضى فى البلاد لإنهاء الحرب التى استمرت 5 سنوات». وحض الفلسطينيين والإسرائيليين على «نبذ الكراهية والانتقام»، موضحًا: «على الإسرائيليين والفلسطينيين التوصل معًا لكتابة صفحة جديدة من التاريخ وذلك إبان زيادة نسبة التوتر بين الجانبين بعد إدانة مجلس الأمن الدولى الاستيطان الإسرائيلى». وفى عظته السنوية الرابعة منذ توليه منصبه الروحانى أكد البابا أن «المادية المبهرة» أصبحت أكثر طغيانا على مظاهر الاحتفالات السنوية مما جعل أعياد الميلاد رهينة للمظاهر المادية من الهدايا والولائم والتمركز حول الذات، مع غياب واضح فى الاهتمام بمعاناة الفقراء والمهمشين ولا سيما من الأطفال. وأحيط المكان بحراسة أمنية مشددة لا سيما بعد اعتداء برلين الذى ذهب ضحيته 12 شخصًا، وعزى البابا ضحايا هذا الحادث، وأعلنت الشرطة الإيطالية حالة التأهب القصوى خلال عطلة الأعياد، وكانت الشرطة قتلت المشتبه به بتنفيذ اعتداء برلين فى ميلانو، ومنعت السلطات فى روما الشاحنات والحافلات من الدخول إلى مركز المدينة، وأحيطت الطرقات المؤدية إلى الفاتيكان بسيارات عسكرية. ومر جميع حضور القداس بكاتدرائية القديس بطرس من بوابات إلكترونية كاشفة عن المعادن فى إطار التشديد الأمنى على الاحتفال بأعياد الميلاد. أما فى إنجلترا، فقد أعرب أسقف كإنتربرى رأس الكنيسة الإنجليكانية فى إنجلترا، خلال عظته عن الأسف لأننا فى «نهاية 2016 نجد أنفسنا فى عالم مختلف، أقل أمانا ويبدو غارقا فى الخوف والانقسامات». كنائس العراق تفتح أبوابها لأول مرة للمرة الأولى التى تدخل فيها القوات العراقية محتفلة لا مقاتلة على وقع أجراس الكنائس، تفتح أبواب الكنائس لإحياء أعياد الميلاد فى مناطق سهل نينوى، وشهدت هذه المناسبة توافد قوات مكافحة الإرهاب على كنائس ناحية برطلة شرق الموصل لمشاركة سكانها إحياء هذه المناسبة ودعوة النازحين للعودة إلى المناطق المستعادة. أقيم لأول مرة فى ناحية «برطلة» المحررة شرق الموصل محافظة نينوى شمالى العراق قداس عيد الميلاد منذ سيطرة تنظيم داعش الإرهابى على الناحية فى يونيو عام 2014، وذلك بالتنسيق ما بين جهاز مكافحة الإرهاب وراعى الكنيسة لإقامته بحضور مئات المسيحيين ووسائل الإعلام المحلية والأجنبية. وتقدم رئيس الوزراء العراقى حيدر العبادى، بالتهانى لأبناء الشعب العراقى والمسيحيين بمناسبة ذكرى ميلاد المسيح عليه السلام وحلول رأس السنة الميلادية، وقال: نتمنى السلام والوئام للشعب العراقى وأن يقطفوا معا ثمار صبرهم ونصرهم على الإرهاب بتحرير كامل الأراضى العراقية والموصل ليعود كل مواطن مهجر أو نازح إلى بيته ووطنه. وأكد العبادى، اعتزازه بالتنوع الدينى الذى عرف به العراق أرض الرافدين والذى حاول الإرهابيون يائسين القضاء عليه، معربا عن سعادته بتمسك المسيحيين بأرضهم ومشاركتهم أخوتهم فى بناء الوطن والدفاع عنه بمعارك التحرير. كعادة التنظيم الهمجى يفسد كل قطعة أرض يحتلها، عبث بالممتلكات العامة والخاصة فى برطلة ودور العبادة مخلفا دمارا شبه شامل، لكنها أضاءت فى القداس وبدت مفعمة بالنشاط وفى نفس المكان حيث صدح صوت القداس، وشارك قادة قوات جهاز مكافحة الإرهاب المحتفلين فى إشعال الشموع. هذا المشهد حمل معه دعوة للنازحين بضرورة العودة إلى مناطقهم التى أصبحت مؤمنة. وفى القداس الذى أقيم فى كاتدرائية مار يوسف فى أربيل، كان الحديث عن تنظيم داعش، فرض عين فلا مجال أمام المطران أن يتجاهل «داعش» وما فعله فى الكنيسة التى شهدت إصلاحات وتجديدات شاملة، حيث تم ترميمها وتجديدها بعد سنوات شهدت هدم كنائس أخرى فى محيط الموصل على أيدى الجماعات المتشددة. «عندما تعالج السرطان، فإنك تلجأ إلى إجراءات قاسية» هكذا تحدث «بشار وردة» المطران الكاثوليكى الكلدانى فى أربيل. وقال وردة: «إنهم يعتبروننا مجدفين كفارا.. إنهم يرفضون التفاوض، ويرفضون الحوار، بل يرفضون حق الوجود عندما لا يعتبرونك إنسانا، ويحاولون التخلص منك. ماذا بوسعك أن تفعل للتخلص من عنفهم؟»..ضجت القاعة بالتصفيق فهؤلاء المسيحيون عادوا لبلدتهم بعد خروج التنظيم منها، ضم القداس إنشادا متميزا من جوقة من الرجال والنساء يرتدون زيا بلون البيج الفاتح». كما أحاط صبية وفتيات المذبح، فى ثيابهم البيضاء والحمراء، بالمطران وهو يقود القداس. تزينت الكنيسة بجداريات حمراء ذهبية، وارتفعت صورة عيسى مع يوسف ومريم، وباللغة الكلدانية ردد المسيحيون الترانيم، وانتشر دخان البخور من المبخرة التى يؤرجحها القس الذى ارتدى الزى الأبيض مع الذهبي، وتابعوا ترديد الترانيم باللغة الآرامية أيضت التى كان ينطق بها المسيحيون فى الشرق الأوسط قديما وبعد ميلاد المسيح. وحضر القداس أكثر من ألف عراقى مسيحى، حيث تم ترديد بعض الترانيم السامية من جانب جوقة من الرجال والسيدات الذين ظهروا بأزياء موحدة، لونها أصفر شاحب. كما شاركت مجموعة من فتيان وفتيات المذبح بأثواب لونها أحمر وأبيض للاعتناء برئيس الأساقفة أثناء إدارته للقداس، الذى أقيم باللغة الكلدانية، التى ترتبط باللغة الآرامية، التى كان يتم التحدث بها فى الشرق الأوسط أيام المسيح. حمل القس «صولجانا مزينا» بصليب يتلوا الصلوات ويردد الأمنيات بأن تتوقف الدماء فى العراق، فقد قتل الكثير من القساوسة أثناء وجود داعش، أحدهم قُطعت رأسه ومُزقت أوصاله. ومات مطران سابق فى الموصل بعد اختطافه، كما اختطف مطران فى بغداد ولم يُطلق سراحه إلا بعد دفع فدية للخاطفين. كما مات عشرات المسيحيين جراء تفجيرات داخل الكنائس أثناء إقامة طقوس مقدسة. وقتل مسلحو تنظيم القاعدة فى العراق ومن بعدهم تنظيم القاعدة المئات من المسيحيين، كما هددوا آخرين حتى رحلوا عن بيوتهم. يأتى عيد الميلاد الحالى وسط وضع أفضل للمسيحين فى العراق، فبعد تحرر العديد من بلداتهم من المتطرفين، يستطيعون الآن الاحتفال دون خوف أو حذر. وانطلقت الألعاب النارية عقب القداس فى أربيل، وبتقديم كعكة صنعت على شكل الكنيسة بصليبها الأحمر الجديد فى قمتها، بينما شدت الجوقة أغنية عربية ملؤها الشجن تنعى الأيام الخوالى. القداس فى أرض المسيح فى بيت لحم حضر 2500 فلسطينى وأجنبى قداس منتصف الليل فى كنيسة المهد التى غصت بالحضور، وخلال العظة دعا الأسقف «بيار باتيستا بيتسابالاي» المدبر الرسولى لبطريركية القدس لطائفة اللاتين، إلى العطف على اللاجئين وإنهاء العنف الذى يدمى الشرق الأوسط. وقال: «أبواب موصدة وحدود مغلقة، هذا يعكس الخوف الذى يؤدى حتما إلى دورة العنف فى العصر الراهن». أما الناصرة التى يعتقد أن المسيح أمضى فيها طفولته، شارك 25 ألف شخص فى احتفالات الميلاد. وفى المستشفى الأمريكى انتشرت مجموعة من الصور لزينة عيد الميلاد، فقد صنعت الزينة من علب الأدوية والقفازات المطاطية والمعدات الطبية، كما تم تصميم أكياس الدم على شكل جوارب. وقام الأطباء فى المستشفى الأمريكى تغطية الأطفال حديثى الولادة بزى البابا نويل.